خُلق الإنسان بمواهب وقدرات مختلفة لتحقيق التوازن الاجتماعي، إذ إن إنجاز المهام في الحياة الاجتماعية كما ينبغي، مرهون إلى حد كبير بتنظيم وتوزيع هذه الوظائف، بما يتناسب مع قدرات الأفراد وملكاتهم. إن اضطلاع الفرد ببعض الواجبات، مستثمرًا قدراته ومواهبه في خدمة الإنسانية “حركة إيجابية هادفة”، لا يتأتى للأفراد أو المجتمعات البقاء على قيد الحياة إلا في إطارها. وإن الكشف عن قدرات الإنسان وملكاته وتقييمهما بشكل مناسب، يحمل أهمية كبيرة في مراعاة الحكمة المذكورة أعلاه.
إن تشكيل نظام تربوي وتعليمي جيد، له أهمية كبيرة في نهضة المجتمع. فلا شك أن أي بلد يهدف إلى الوصول إلى أعلى المراتب في جميع التخصصات من العلم إلى الإدارة، ومن الفن إلى التربية، يتشكل أساسه على وسط تعليمي ممزوج بشكل سليم بالعلم والحكمة والموهبة والجدارة وسائر الصفات. إن الأفراد الموهوبين في عالم اليوم المبني على المعرفة والمنافسة، هم كنوز لا تقدر بثمن، وهم مَن سيقدم إسهامات هامة في مجال العلوم والتكنولوجيا، أو في قطاعي الفنون والخدمات. وإن من المهام الحقيقية المنوطة بالمجتمع، تنشئة عقول شابة جيدة تتولى دور الريادة في الغد، بتعليمٍ يؤهل لذلك. من هذا الجانب يكون من أهم غايات نظامنا التربوي والتعليمي، هو تحديد مهارات أبنائنا، وتوجيه إمكاناتهم وقدراتهم الكامنة في دواخلهم، إلى مختلف المجالات من خلال معالجتها بطريقة صحيحة. وإن المبدأ الأساس في تأهيل الأطفال الموهوبين اليوم، هو نموذج “تنمية المهارات”.
الطريقة في تعليم الموهوبين
يعتمد تعليم الموهوبين والمتفوقين في العديد من البلدان، على معايير تقليدية مثل معامل الذكاء. وفي حال أنه يمكن اكتشاف المواهب في العديد من المجالات المختلفة، يجب أن تجد هذه المجموعة الواسعة من المهارات، مكانًا في نظام التعليم والتدريب لدينا وفقًا لنموذج تنمية المهارات، ويجب التعامل مع المواهب ودعمها وفقًا لذلك. يأخذ نموذج تنمية المهارات في الاعتبار إمكانات جميع الطلاب، وليس مجموعة من الطلاب فحسب. فإن مبدأ “المساواة” مهم في التعليم، والمساواة لا تعني توفير تعليم موحد لجميع الأفراد؛ لأن هذا لا يعدّ نهجًا عادلاً، بل على العكس من ذلك، يدعو هذا المبدأ إلى ضرورة حصول كل فرد على خدمة عادلة بما يتناسب مع احتياجاته. فالمدرسة التي يتم فيها تلبية الاحتياجات الأكاديمية والنفسية الاجتماعية للطلاب، ويتم اكتشاف إمكاناتهم الفردية ودعمها في بيئة تعليمية مناسبة، هي بلا شك مثالية وعادلة.
ينبغي ألاّ ننسى أن القدرات والمهارات هي مفاهيم ديناميكية؛ كل طفل مختلف وفريد من نوعه، من حيث الاهتمامات والفضول والقدرات العقلية والعلاقات الاجتماعية والاحتياجات العاطفية.. إنها كنوز مخفيّة تنتظر من يكتشفها. ولا يمكن للأطفال الوصول إلى إمكاناتهم الحقيقية، إلا بالطرق الصحيحة.
يمكن تطوير المواهب بالتدريب على المهارات على المدى القصير أو البعيد، لذلك يجب على المعلمين وأولياء الأمور، تعليم وإرشاد أطفالهم إلى طريق النجاح بالعمل الدؤوب، والصبر الديناميكي، والاستخدام المثمر للوقت، بالإضافة إلى إتاحة الفرص والإمكانات لدعم تطوير الأطفال وتنمية قدراتهم.
هناك طرق ونماذج وأساليب مختلفة في تأهيل الأطفال الموهوبين. فإذا أخذنا في الاعتبار قدرات الطلاب واهتماماتهم في مختلف المجالات من الفنون الجميلة إلى العلوم الاجتماعية، ومن الرياضيات والعلوم إلى التكنولوجيا، وجدنا حينها الضرر الناجم عن التعليم الموحد. ففي الولايات المتحدة الأمريكية، يؤخذ التباين في اهتمامات الطلاب وقدراتهم في الاعتبار بشكل منهجي منظم، وذلك بدءًا من مراحل ما قبل المدرسة.. فيُمنح الطلاب الذين يكملون عددًا من الدروس في المناهج المدرسية بسرعة وبنجاح عن أقرانهم، تعليمًا في فصول خاصة؛ حيث يتم تطبيق مناهج مضغوطة خاصة بهم.

من أهم غايات نظامنا التربوي والتعليمي، هو تحديد مهارات أبنائنا، وتوجيه إمكاناتهم وقدراتهم الكامنة في دواخلهم، إلى مختلف المجالات من خلال معالجتها بطريقة صحيحة.

فالطلاب الذين هم على مستوى مماثل من الموهبة والقدرات؛ لديهم الفرصة لضمهم في البرامج التعليمية المختلفة، مثل مجموعات داخل الفصل، والفصول الخاصة بدوام جزئي أو بدوام كامل، والمدارس الخاصة.. هذه الاحتمالات قد تختلف من مدرسة إلى أخرى، اعتمادًا على الهيكل الديموغرافي، وملف تعريف الطالب، والبنية التحتية للمدرسة، ومجلس الإدارة والمعلمين، وآراء أولياء الأمور. بالإضافة إلى ذلك، تقدم المؤسسات التعليمية -بما في ذلك الجامعات- تأهيلاً عمليًّا للمهن المستقبلية في فصول العطلة الأسبوعية والمدارس الصيفية.. فالطلاب الذين تتراوح أعمارهم بين 14-15 عامًا، لديهم الفرصة ليصبحوا طلابًا جامعيين، من خلال الخضوع لبرنامج انتقال سريع مدته عام واحد.
تحديد الأطفال الموهوبين
مسألة أخرى مهمة هي تحديد الأطفال الموهوبين. هذه المرحلة مهمة جدًا لتوفير البيئات التعليمية التي يحتاجها الطلاب. ومع ذلك، ينبغي ألاّ ننسى أن هذا الأمر يحمل معه بعض المخاطر؛ إن البالغين الذين ليسوا على دراية بالموضوع، والذين لا يفهمون شخصية الأطفال الموهوبين، يرتفع سقف توقعاتهم من هؤلاء الأطفال بشكل زائد، وهذا الوضع يخلق عنصر ضغط نفسي على الأطفال. بالإضافة إلى ذلك، فإن تصنيفهم على أنهم “موهوبون”، يمكن أن يتسبب في استبعادهم من قبل أقرانهم، مما يتسبب في أضرار جسيمة على الصعيدين النفسي والاجتماعي. من المستحسن أن الخدمات المقدمة من أجل حل هذه المشاكل وما شابهها، ينبغي أن تركز على الموهبة والاستعداد وليس الفرد. على سبيل المثال، يدعو نموذج الحلقات الثلاث لـ”رينزولي” (Renzulli) إلى التركيز ليس على الأفراد ولكن على سلوكهم وأدائهم.وهو يزعم أن الموهبة تنبع من تفاعل ثلاث سمات للبنية البشرية:
1- أن يتفوق الطفل على أقرانه في التطور الذهني والمعرفي العام.
2- أن يكون على مستوى عال من الابتكار أو القدرة على التفكير المتميز في حل المشكلات.
3- أن يركز كامل طاقته على المسألة التي يتناولها مع القدرة على توقع نتائج المشكلة مسبقًا.
بصفتنا آباء ومعلمين، لدينا مسؤوليات كبيرة في توجيه إمكانات هؤلاء الأطفال، وتغذية عوالمهم الروحية الثمينة بطريقة صحيحة بكلماتنا وسلوكياتنا. علينا ألا نقتل فضولهم ولا حساسيتهم تجاه الأحداث؛ فمن مسؤولياتنا الرئيسية أن نقدم لهم جميع أنواع الدعم، ليكونوا أبطال الروح والمعنى، بينما يؤدون واجبات مهمة كرجال دولة أو أكاديميين أو أطباء أو مهندسين.
تعتبر المناهج والمعايير والاختبارات التي يتم تغييرها كل عام تقريبًا في نظام التعليم اليوم، وكذلك الإصرار على تأهيل نوع واحد من الطلاب، وعجز المعلمين تجاه هذه المشكلات، من أهم المعوقات في اكتشاف المواهب ودعمها. ومن واجبات مجتمع التعليم أن يدرس بعناية احتياجات أطفالنا، وأن يقدم أنسب نموذج تعليمي لتطورهم بشكل سليم من خلال العديد من الأبحاث. هذا ويختلف الأطفال الموهوبون في احتياجاتهم الأكاديمية والنفسية الاجتماعية نظرًا لخصائصهم وصفاتهم التي تفوق أقرانهم. غير أن هؤلاء الأطفال الذين لا تؤخذ إمكاناتهم بعين الاعتبار، ولا يتم تلبية احتياجاتهم بطريقة صحيحة، يستسلمون للفشل والتعاسة. فإن لم يتم توفير الظروف المواتية لتطورهم في البيئة الأسرية والمدرسية، فمن المحتمل أن يواجهوا العديد من الصعوبات في حياتهم.
من الأهمية بمكان أثناء الحديث عن أهمية تعليم الأطفال الموهوبين، التأكيد على حقيقة أن جميع الأطفال يتمتعون بمواهب قيمة. وإن تربية أبنائنا هي -بلا شك- عامل مهم في تكاملهم وسعادتهم، وفي استعادة بلادنا مكانتها الجديرة بها بين الدول.
فقد أصبح العالم اليوم قرية صغيرة، وأصبحنا نسمع أصوات المحتاجين عن كثب، فإن تقديمنا الدعم للحملة التعليمية على نطاق واسع هو وفاء بالدَّين لمعماري عالم روحنا. إن أبطال العلم والفكر الذين هم الورثة الحقيقيون للأرض، سيخرجون من جغرافية واسعة من قلب إفريقيا إلى سهول منغوليا، وسيعيدون إحياء عالمنا القديم المنهك. نكن كامل الاحترام والولاء للمعلمين والمدربين والإداريين المخلصين والمتفانين من أجل هذه الغاية السامية، والذين يعملون كبستانيين لأغلى الزهور في جزر السلام.

(*) جامعة ولاية فالدوستا / الولايات المتحدة. الترجمة عن التركية: خالد جمال عبد الناصر زغلول.