من المؤكد أن بناء “النظرية التربوية الإسلامية” يحتاج إلى تأسيس فلسفي لإضفاء طابع المعقولية، مع الحفاظ على الثوابت الإسلامية التي ينص عليها الشارع. وللإشارة فإن “هذا التأسيس يتضمن المبادئ الأساسية التي تُبنى عليها هذه النظرية، والتي تجعل وجودها مشروعًا وبناءها معقولاً، والنظرية التربوية الإسلامية كغيرها من النظريات التربوية تحتاج إلى مثل هذا التأسيس”.

يضع طه عبد الرحمن شروطًا خاصة لبناء النظرية التربوية الإسلامية، وهي على النحو التالي:

– أن يكون التأسيس من داخل الدين لا من خارجه.

– أن يكون التأسيس مقيدًا بالتاريخ غير مستقل عنه.

– أنه تأسيس تربوي لا تأمل تجريدي.

– أنه تأسيس ضروري لا تعليل كمالي.

وبما أن “النظرية التربوية الإسلامية” تنبع من داخل الدين، وجب الأخذ بعين الاعتبار؛ الاعتماد على الوحي الإلهي كلبنة أولى وأساسية، حتى تتوافق الخصوصية الدينية مع الخصوصية الفلسفية، وبهذا يكتمل البناء الحقيقي. وتكمن قيمة التأسيس الفلسفي، في كونه “يسند عمقها التاريخي ويرد الشبه الواردة عليها، ويبرهن على مشروعيتها، بحيث لا يزيدها هذا الإسناد والرد والبرهان إلا مأصولية من فوق مأصوليتها”.

ولأهمية “النظرية التربوية الإسلامية” عند طه عبد الرحمن، نجده لا يتوان في مدها بالجانب التقعيدي، حيث أرسى مجموعة من المبادئ التي تعد بمثابة أصول وأسس فلسفية متينة غاية في الأهمية، تحفظ للنظرية التربوية الإسلامية بقاءها واستمراريتها. وما يزيد هذه الأصول قيمة وضْعُه تحتها جملة من المبادئ لإغنائها بالتفصيل والشرح خدمة للقارئ حتى يتمكن من استيعاب مقاصدها، وفيما يلي نأتي على ذكر الأصل الأول:

ينبغي أن يكون كل مقوم تربوي إسلامي، عنصرًا ثابتًا ومستقلاًّ ومبدعًا، تنضوي تحت هذا الأصل مبادئ أربعة وهي “مبدأ الثبات”، و”مبدأ الاستقلال”، وكذا “مبدأ الحياة” بالإضافة إلى “مبدأ الإبداع”.

يُعرج بنا طه عبد الرحمن إلى أصل ثان، وهو أنه ينبغي أن تشتغل النظرية التربوية الإسلامية بالتأصيل الإيماني للخطاب التربوي، بمعنى أنه كلما عرضنا الخطاب التربوي المتداول على “ميزان النقد الإيماني” تبين أن هناك آفات ثلاث ينبغي دفعها حتى تستقر “النظرية التربوية الإسلامية” في الشكل الذي أسس له طه عبد الرحمن. وفيما يلي الآفات التي دعا الفيلسوف المغربي إلى دفعها، الأولى؛ فصل الحداثة لكثير من المقولات والمسائل التربوية عن أصلها الديني. فالحداثة الغربية تشكل مظهرًا من مظاهر القطيعة مع الدين في الشؤون التي أنتجتها الحداثة، وعليه فقد اتخذ هذا الخروج عن الدين شكلين؛ إما الخروج الاختياري، أو الخروج الاضطراري. وبالنسبة لهذا الأخير يخضع لمنطق التاريخ، أما الخروج الاختياري يكون قد تقرر بموجب الثورة على المؤسسات”الكنيسة”، وبالتالي إيجاد مؤسسات بديلة لا دين فيها.

كل منقول حداثي معترض عليه حتى تعاد صلته بالحقيقة الدينية؛ وهنا ينحت طه عبد الرحمن مفهومًا يقابل مفهوم المواطنة وهو مفهوم “المخالقة”، الذي يعدُّ بالنسبة إليه مفهومًا مأصولاً ينهض بمقتضيات تربوية لا ينهض بها مفهوم المواطنة، كما نجده يحفظ الصلة بالدين وهي “المخالقة” في نظر طه عبد الرحمن، أنسب لسياق العولمة. في حين يرى أن المواطنة “لا تناسب توجهات النظرية التربوية الإسلامية، فيحتاج إلى أن تنقد هذا المفهوم ببيان وجوه انفصاله عن الدين”، وإذا كانت المواطنة تتقيد بوطن معين، فإن “المخالقة” لا تخضع لهذا التخصيص، وبالتالي يكون الحل هو “الدعوة إلى إيجاد أخلاق عالمية تكون قوام هذه المواطنة، مما يجعل مصطلح “المخالقة” أوفى بغرضهم من المصطلح الرواقي”، وهنا يقصد المواطنة العالمية باعتباره مفهومًا رواقيًّا أعيد إنتاجه.

الثاني “إهمال جملة من المفاهيم والأحكام التربوية الواردة في النصوص الدينية”، هذه المفاهيم ذكر منها -لا على سبيل الحصر- “الحكمة”، و”التدبر”، و”التفكر”، و”التذكر” و”الاعتبار” و”التطهر” و”الوقر”، و”الغشاوة” و”البصيرة”، و”الرؤية” و”الملكوتية” و”أولوا الألباب” و”الصراط” و”الميزان”.

ينتقل بنا الفيلسوف المجدد إلى مبدأ آخر، وهو تجاهل التحريفات التي لحقت جملة من المفاهيم والأحكام الدينية الأساسية، وهو بذلك يقصد دور الاتصال بالثقافات، فيه من أسباب تفتح العقول، وتوسع الصدور الشيء الكثير. ولكن هذا قد يلحقه ضرر على مستوى أصول هذه الثقافة، مع بروز ثنائية التأثير والتأثر. وهذا ما يظهر جليًّا من خلال الانفتاح الذي شهدته الثقافة الإسلامية على الغرب، حتى إنها أصبحت تسلم بإصلاحات كأنها مقررة في الشرع. صاغ طه عبد الرحمن مبدأ أعلى ثالث، ومضمونه أنه ينبغي أن تجدد النظرية التربوية الإسلامية في المتعلم المسلم، الإنسان بكليته، فالنظرية التربوية الإسلامية تنظر إلى الإنسان نظرة شمولية على اعتبار أن تكريم الإنسان يرفعه إلى حمل رسالة وُجودية، الشيء الذي جعله متميزًا “بالتسديد الإلهي”، ومن هنا يمكننا الحديث عن “الإنسان الكوثر” وليس “الإنسان متعدد الأدوار” الذي نُقل عن الترجمة من اللغة الأجنبية، “فالإنسان الكوثر يجعل للإيمان دورًا جوهريًّا، بل ينزله منزلة الأصل الذي تتفرع عنه الأدوار”، ومنه فالخاصية المميزة للإنسان الكوثر، هي “الإيمان الدفاق”، كما أن إبداع هذا الإنسان الجديد إبداع مثور.

فقه الفسفة تنظير علمي

لا يختلف اثنان حول تفشي التقليد والتبعية في الفكر الإسلامي اليوم، حيث بات السمة الأساسية التي يتسم بها، وطه عبد الرحمن يدعو إلى ضرورة صياغة رؤية علمية كونية جديدة تقدمها النظرية العلمية الإسلامية إلى الإنسان، لتجاوز النمط الإتباعي، والقطع مع “الأفول الفلسفي” الذي يهدد الفكر الإسلامي، حتى يستعيد رونقه الذي غاب عنه قرونًا من الزمن، ومن خلال “علم القول الفلسفي” الذي يعنى بظواهر القول الفلسفي، يمكننا الوقوف على مدى أهمية “المناهج المقررة في مجال المعرفة”، من خلال الاعتماد على التعليل السبب والتعليل الآلي، وهما آليتان وظفهما طه عبد الرحمن للإحاطة بظروف إنتاج القول الفلسفي من جهة، والأدوات التي تستثمر في إنتاج القول الفلسفي من جهة أخرى، والمقصد عند طه عبد الرحمن من إنشاء قول فلسفي جديد، هو “مواجهة الفكر الفلسفي الذي يصادم المنظور الإسلامي للحياة، وامتحانه بالنقد من منظور مسلمات الرؤية الإسلامية”.

ورغم اشتغال الفلسفة الإسلامية بعلم القول الفلسفي بشقيه القول الفلسفي وفقه القول الفلسفي، إلا أنها بقيت في منأى عن بلوغ الاستقلال والإبداع، وهذا راجع إلى اختلاف المجال التداولي الإسلامي عن المجال التداولي غير الإسلامي، “وعلى هذا، فإن القول الفلسفي من حيث هو قول لا يتخذ في المجال التداولي للمتفلسف المسلم نفس الصورة التي يتخذها في المجال أو المجالات التداولية التي ينقل عنها كالمجال اليوناني قديمًا والمجالات الغربية حاليًّا، وهو ينزل في مجاله نفس الرتبة التي ينزلها في هذا المجال أو المجالات الثانية، تبيان ذلك أن أحد مقتضيات مجال التداول الإسلامي، هو أن القول فيه لا ينفك عن الفعل”، وهنا تكمن صعوبة تحقيق الاستقلال في الفكر الإسلامي.

قدم طه عبد الرحمن “فقه الفلسفة” على “فهم الفلسفة”، على اعتبار أن فقه الفلسفة يولد في النفس مهارة صناعية قد تنعدم في فهم الفلسفة بمعنى الجانب المضموني، كما أن فقه الفلسفة -بالنسبة إليه- هو من صميم التداول الإسلامي، بالإضافة إلى أنه يجد فيه نوعًا من الدربة التي تأخذ منحى آخر يميل إلى التطبيق. وهذا الجنوح إلى ما هو عملي، لا شك في أنه يسهم في بناء فلسفة تكتسي طابعًا إسلاميًّا، ولا تخرج عن المجال التداولي العربي الإسلامي.

الإنسان الكوثر

منذ القرون الوسطى إلى اليوم، نجد الفكر الإسلامي قد مر بفترات متباينة، ولعل أبرز هذه التحولات هي الانتقال من الإنتاج إلى الاستهلاك وبنهم؛ كل ما يأتينا من الغرب جازمين برصانته وبصدقية تنظيراته، وظل هذا التقهقُر يطبع مسار الفكر الإسلامي في مختلف مجالاته، الأمر الذي جعل مجموعة من المفكرين والفلاسفة على مر التاريخ الإسلامي يطرحون السؤال القديم الجديد: لماذا تأخرنا وتقدم غيرنا؟ فتنوعت التفسيرات واختلفت الرؤى بين من يدعو إلى التقليد، وبين من يعارض فكرة التقليد، ويدعو بدوره إلى إرساء معالم التجديد، والخروج من هذه الربقة التي ظلت تلازمنا.

وغير بعيد عن هذا، نجد طه عبد الرحمن يطرح سؤالاً على درجة عالية من الأهمية، وهو “ما السبيل إلى رفع تحدي جديد عقل الأمة والإبداع في قولها، وتجاوز وضعية التأخر الثقافي والحضاري التي أصابتها منذ زمن بعيد؟”. وهو سؤال قدم له الفيلسوف المغربي جوابًا مستفيضًا يمكن أن نقف عليه من خلال قسمين، الأول أنه لا سبيل إلى رفع التقليد الذي يخرج المسلم اليوم من وضع “الإنسان الأبتر”، المنقطع العطاء إلا باستقلال قوته التطورية من خلال إبداعه مفاهيمه الخاصة”، قصد بناء وتجديد تكوينه العقلي، و الثاني “أنه لا سبيل إلى دفع التقليد إلا بالكشف عن سر الإبداع وأسباب وقوعه في الأمم وعن آليات اشتغاله في النظر، مع بناء نموذج حي لفلسفة إسلامية أصيلة”.

وقبل الشروع في تناول الإنسان الكوثر، يكون من الأجدر بنا الوقوف على مفهوم الإنسان الأبتر الذي يعرفه طه عبد الرحمن على أنه “الإنسان الذي لا يستثمر من قواه ولا يحقق من إمكاناته إلا قدرًا ضئيلاً، إما لتعطل بعض قدراته واستعداداته، أو لصرفها كلها في وجهة مخصوصة، أو لوجود ضيق في تصوره لمكنونات الإنسان الواسعة”. أما الإنسان الكوثر فهو “بخلاف الإنسان الأبتر لا يكتفي بأن يستثمر كل قواه وملكاته، إحساسًا وجدانيًّا، بل يذهب بهذا الاستثمار للقوى والتحقق للإمكانات إلى أقصاها، بحيث يتاح له أن يتقلب في أطوار سلوكية مختلفة، وينهض بوظائف عملية متعددة، كل ذلك يورثه القدرة على أن يحقق التكامل لذاته”.

وفي الختام، لا يمكننا إلا التنويه لهذا الجهد الذي بذله الفيلسوف المجدد طه عبد الرحمن في إرساء معالم “النظرية التربوية الإسلامية”. فما أحوجنا اليوم إلى قطيعة إبستمولوجية مع الفكر الغربي في مجال النظرية التربوية، لبناء هذه الأخيرة على شروط تحفظ للدين الإسلامي مبدأ الشمولية والثبات.. ويرجع لطه عبد الرحمن الفضل في وضعه للأسس الفلسفية التي تغني النظرية التربوية الإسلامية، وهذا ما نجده في الفكر الطاهائي، من خلال دعوته إلى نهضة جديدة من داخل الدين لا من خارجه، حتى يتحقق الاستقلال من تبعات الآخر، وبالتالي يتحقق الإبداع الذي نفتقره اليوم في شتى المجالات، ويتحقق بذلك الهدف الأسمى، ألا وهو حمل الرسالة الوجودية والأمانة.

(*) باحث في الفلسفة والعلوم الإنسانية / المغرب.

المرجع

(1) من الإنسان الأبتر إلى الإنسان الكوثر، طه عبد الرحمن، المؤسسة العربية للفكر والإبداع، 2016