الوحي من اللّٰه عز وجل إلى مخلوقاته في القرآن المجيد على ثلاثة أقسام: 1-وحي منه تعالى إلى الملائكة. 2-وحي منه سبحانه إلى الإنسان. 3-ووحي منه عز وجل إلى المخلوقات الكونية. ولكل من هذه الأقسام طبيعته وشاكلته التي يعمل بحسبها.
فالوحي الذي للملائكة أمر منه سبحانه ولا يدخل في بنيتها الخلقية إمكان عصيانه، قال تعالى:﴿لاَ يَعْصُونَ اللّٰهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾(التحريم:6)، والذي للإنسان هداية تبليغ، يملك هذا المخلوق اتباعها، كما يملك التنكّب عنها، قال تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾(الشمس:7-10)، وقال: ﴿سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى * وَيَتَجَنَّبُهَا الأَشْقَى﴾(الأعلى:10-11).

إن انسلاك الإنسان في موكب الساجدين للّٰه عز وجل أمر لا يمكن البتة بدون الوحي. فكما أن أمر الكون لا ينصلح بدون الوحي إلى السماوات والأرض ومختلف الكائنات 

والوحي الذي للكون هداية تسخير لا يملك التنكب عنها، قال تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾(فصلت:12)، وقال: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾(النحل:68).
إن طبيعة عمل الوحي في المجال الإنساني تنسجم وتحمّل الإنسان للأمانة، كما أن طبيعة عمل الوحي في المجال الكوني تنسجم وإباء الكون تحمل الأمانة وإشفاقه منها، وهو ما يتضح في قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾(الأحزاب:72-73).
وبناء على هذا، فإن طبيعة عمل الوحي في المجال الكوني كانت هي الطوع والهداية المبنية على التقدير، قال تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾(فصلت:11)، وقال:
﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى * الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى * وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾(الأعلى:1-3)، وقال سبحانه على لسان سيدنا موسى عليه السلام في معرض جوابه على أسئلة فرعون، معبّرًا عليه السلام عن إدراك نبوي عميق لهذه الحقيقة: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾(طه:50)، وقال: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾(يس:38-39). بيد أن طبيعة عمل الوحي في المجال الإنساني بمقتضى حمل الأمانة، تنبني على الكدح والمكابدة وهو قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي كَبَدٍ﴾(البلد:4)، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلاَقِيهِ﴾(الانشقاق:6).
ويتضح الفرق بين شاكلتي عمل الوحي في كلا المجالين انطلاقًا من المصطلح المفتاح “السبل”. فالسبل في المجال الكوني تسلك ذُللا (أي بيسر) وهو ما يتجلى من خلال قوله تعالى في معرض الكلام عن طبيعة عمل الوحي في المجال الكوني: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا﴾(النحل:68-69). في حين أن السبل في المجال الإنساني تسلك مكابدة وكدحًا كما يتّضح من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللّٰهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾(العنكبوت:69)، ومن قوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللّٰهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللّٰهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلاَمِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾(المائدة:15-16).

انسلاك الإنسان في موكب الساجدين

ويبرز في القرآن المجيد أن نتيجة عمل الوحي في المجالين هي السجود، غير أن السجود في المجال الكوني –ولطبيعة عمل الوحي فيه- يتم تلقائيًا تقديرًا وهداية، في حين أنه لا يتم في المجال الإنساني إلا بالكدح والمكابدة، يقول تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللّٰهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللّٰهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللّٰهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾(الحج:18)، ويقول: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاَهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا * وَالأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾(الشمس:1-10)، حيث جاءت كل الكائنات المذكورة في هذه الآيات معرّفة إلا النفس الإنسانية، فقد جاءت نكرة، وذلك لأن كل الكائنات -بناء على ما سلف- تولد ووحيها معها، ولذلك هي معرّفة، بيد أن الإنسان هو المسؤول عن إدخال الوحي إلى مجاله، ولذلك فهو المسؤول عن وضع ألف لام التعريف التي تناسب مسلكه أمام نفسه، لتكون إما “النفس المطمئنة” أو “النفس اللوامة” أو “النفس الأمارة بالسوء”.
إن انسلاك الإنسان في موكب الساجدين للّٰه عز وجل أمر لا يمكن البتة بدون الوحي. فكما أن أمر الكون لا ينصلح بدون الوحي إلى السماوات والأرض ومختلف الكائنات وكذا التقدير والهداية، فإن أمر الإنسان فردًا وجماعة لا ينصلح بدون الوحي، ومن هنا محورية النبوة في حياة الإنسان، يقول تعالى:
﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا * وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللّٰهُ مُوسَى تَكْلِيمًا * رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّٰهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللّٰهُ عَزِيزًا حَكِيمًا * لَكِنِ اللّٰهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلاَئِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللّٰهِ شَهِيدًا * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلاَلًا بَعِيدًا * إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللّٰهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا * إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّٰهِ يَسِيرًا * يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَكَانَ اللّٰهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾(النساء:163-170).

إحلال الوحي في واقع العالمين

وإن إحلال الوحي في واقع العالمين كان هو العمل الذي قام به سيدنا رسول اللّٰه صلى الله عليه وسلم مع الجماعة المسلمة الأولى التي تعتبر جنين الأمة الفرد/الجسد،(1) الأمة التي تكتمل عبر الزمن، حيث تركها عليه أزكى الصلاة والتسليم مقياسًا شاخصًا لا تتخوّفه الأحداث. فقد بدأ زرعه عليه الصلاة والسلام للآيات من نفسه الشريفة؛ “كان خلُقه القرآن” (رواه البخاري)، ثم زرعها في نفوس أصحابه الكرام رضي الله عنهم، قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللّٰهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللّٰهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللّٰهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾(الفتح:29)، ليرفعها الأصحاب الكرام رضي الله عنهم علامات وبصائر في واقعهم، واقع المدينة المنورة والذي استحق أن يكون الوحدة القياسية وحالة السواء التي تقاس عليها التجمعات البشرية.
لقد شبه نبي الهدى صلى الله عليه وسلم عمله بعمل الفلاّح البصير الذي يعالج الأرض الصالحة متحينًا أوقات الحراثة والنقش والتنقية والسقي، مترصدًا تقلب الأنواء، محددًا -عبر الموسم- أنواع الوظائف والمهام التي يرتبها على نفسه لاستخراج أحسن ما يمكنه -بقدر اللّٰه- من هذه الأرض. فعن ابن مسعود رضي الله عنه قال: “كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخولنا بالموعظة في الأيام كراهة السآمة علينا” (رواه البخاري ومسلم).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: “مثل ما بعثني اللّٰه به من الهدى والعلم كمثل الغيث الكثير أصاب أرضًا، فكان منها نقية قبلت الماء، فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب، أمسكت الماء، فنفع اللّٰه بها الناس فشربوا وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ، فذلك مثل من فقه في دين اللّٰه، ونفعه ما بعثني اللّٰه به فعلم وعلّم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا ولم يقبل هدى اللّٰه الذي أرسلت به” (رواه البخاري). فرسول اللّٰه صلى الله عليه وسلم كان يبث الآيات في نفوس أصحابه الكرام رضي الله عنهم بطريقة رباعية الأبعاد.
البعد الأول: تلاوة الآيات وتأوّلها واتّباعها بين ظهرانيهم ليروا ذلك ويحيوا نورانيته، قال صلى الله عليه وسلم: “صلّوا كما رأيتموني أصلي” (رواه البيهقي)، وهي سنته الفعلية.
البعد الثاني: تعليمهم الكتاب ومعانيه العلمية والعملية فقهًا وتمثلا.
البعد الثالث: بناء مهارات في أنفسهم تمكّنهم من الفرقان والتمييز وتعلمهم وضع الأشياء والأقوال والمقدّرات في مواضعها، وتلكم الحكمة.
البعد الرابع: تزكيتهم وتنويرهم تخلية وتحلية وهو البعد الأخص.

إن في كتاب اللّٰه كما في سنة سيدنا رسول اللّٰه صلى الله عليه وسلم، البيّنات الوافرة على السلط والمراكز والأدوار والتدبيرات والوظائف والعلائق والنماذج والأخلاق والقيم التي ينبغي أن تَشْخَصَ في المجتمع الشاهد، في حالة السراء وفي حالة الضراء، في حالة الشدة، وفي حالة الرخاء، في حالة السلم، وفي حالة الخوف، وكذا الحرب واللأواء. مما ليس ينتظر إلا العقول المتمرسة الخبيرة لطرح الأسئلة المنهجية، من أجل رفع صرح علم التأسي على الصعيد الاجتماعي.
وقد كانت وراثته صلى الله عليه وسلم في البعدين الأول والثاني عامة وفي البعد الثالث أقل عمومًا، أما وراثته في البعد الرابع فكانت خصوص الخصوص. وهذه الأبعاد هي التي يجمعها قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ﴾(الجمعة:2). والصحابة الكرام رضي الله عنهم كانوا هم مستودع هذه الأسرار وجماعها وتجلي أنواره النبوية تلاوة، وتزكية، وتعليمًا للكتاب، وتعليمًا للحكمة. وخرم دائرتهم النورانية بسب أو بقذف خرم للكل النوراني المجموعي التمامي الذي شكلوه رضي الله عنهم، ولعل حرص سيدنا عمر رضي الله عنه على بقائهم في المدينة وعدم ترخيصه رضوان اللّٰه عليه لهم بمغادرتها أثناء حياته كان صادرًا عن هذا الوعي، وكان تجليًا لحرصه المبارك على استكمال البناء واستتباب الدين قبل الانطلاق في عملية بثه في الآفاق.

تجريد الوحدة القياسية

إن تجريد الوحدة القياسية على الصعيدين الفردي والجماعي أمر في غاية المحورية في حياة الإنسان فردًا واجتماعًا. فقد عانت البشرية كثيرًا -ولا تزال- في مجال العلوم الإنسانية والاجتماعية من جراء عدم الاستبصار بمعالم وسمات الإنسان السوي والمجتمع السوي، المشكّلين للوحدة القياسية التي يجب أن يُتيمّم شطرها بالمناهج والبرامج التربوية، وكذا بمختلف أنواع الكسب العلمي والعملي في المجالات الاجتماعية والنفسية.
ولذلك نرصد في مختلف حقب تاريخ البشرية المعروف، كثيرًا من التخبطات وأضرب الخرص في المجالات التربوية والاجتماعية والإنسانية بسبب غياب هذا الوعي الأساس.
وتأتي الأهمية البالغة للوحدة القياسية الدالة على حالة السواء، من كون التعرف على حالات الاختلال والانحراف لا يمكن بدونها، كما لا تمكن بدونها معالجة هذه الاختلالات والانحرافات. وهذه حقيقة ماثلة في مختلف مجالات العلوم المادية والإنسانية، غير أنها اليوم أجلى وأظهر في العلوم المادية البحتة منها في العلوم الإنسانية.
لقد حاولت البشرية في مختلف مواقعها عبر تاريخها الممتد، أن تحل إشكال الوحدة القياسية على الصعيد الاجتماعي من خلال إنتاج يوطبيات (Utopias) حول طبيعة مكونات المجتمع الفاضل والمدنية الفاضلة، وعلى الصعيد التربوي من خلال إنتاج مفهوم البطل.
أنموذجًا على المحاولات في الجانب الاجتماعي، جهود أفلاطون في “المدينة الفاضلة” وجهود القديس أغوسطين في “مدينة الإله” وجهود الفارابي في “المدينة الفاضلة” أيضًا، وكذا جهود كارل ماركس وبعده لنين، وكذا تصورات كل من ستالين وهيتلر وموسوليني للمجتمع الفاضل، وهي يوطبيات جرت لعدم مواءمتها لطبيعة الإنسان والكون على العالمين وبالًا غير قليل.
وأنموذجًا على المحاولات في الجانب الفردي، ما يوجد في الأعراف المصرية والإغريقية والهندية والصينية وفي حضارات بلاد الرافدين، وكذا في الحضارة الرومانية من إقامة النصب والتماثيل لأشخاص مختارين يرفعون إلى مصاف الأبطال ليكونوا مُثلاً تربوية يعاد إنتاجها، غير أن ضعف المؤهلات الإدراكية والآليات التفكيكية، لم يمكّن من الرسم العلمي والوظيفي لمعالم شخصياتهم وسمات نفسياتهم ومراحل مساراتهم، مما كان يؤدي في كثير من الحالات إلى الانحسار في التقديس. وقد استمر هذا الخط في الحضارة المعاصرة، إذ يلحظ استمرار البحث عن الأبطال لإرسائهم نماذج تحتذى، وصب سمات شخصياتهم الأساسية في المناهج التربوية. غير أن هذا النهج -كذلك- لم يحقق إلا نتائج جزئية لغياب الاستبصار بحقيقة الإنسان السوي ودوره الكوني.

الإسلام وردم الهوة بين المتأسي والمتأسى به

حين نبحث إشكال التأسي في القرآن المجيد وفي السنة النبوية المطهرة، نجد تمحورًا حول المحاور الكبرى الآتية:
1- النبي بشر عبدٌ لله مثل البشر، غير أنه اصطُفي بعلم اللّٰه ليوحى إليه. ونجد ذلك في آيات كثيرة من كتاب اللّٰه منها قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلاَ يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾(الكهف:110).
2- التأسي في القرآن المجيد يتم بالنظر إلى النبي المثال فبالنظر إلى الحال ثم العمل على الانتقال من الحال إلى المثال. قال تعالى في معرض الكلام عن نبيه إبراهيم عليه السلام وعن أتباعه الخُلَّص: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللّٰهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللّٰهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾(الممتحنة:6)، وقال عن خاتم النبيين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللّٰهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللّٰهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللّٰهَ كَثِيرًا﴾(الأحزاب:21).
فالأنبياء إذن، مثال هاد لمن قام في قلوبهم الشوق والتوق إلى ما عند اللّٰه سبحانه، وتجلى هذا الشوق وذاك التوق بالذكر الكثير له سبحانه. والأنبياء هم الوحدة القياسية المرجع التي تمثل حالة السواء الشاهدة التي ينبغي أن يرصد من خلالها الحال، لكي يتم العمل للعالم المهتدي على نقله إليها. فهو إذن، شوق وتوق وذكر كثير ونبي شاهد وعمل دؤوب عالِم، ففضل من اللّٰه كبير، مع وجوب الانتباه إلى العقابيل الحائلة دون هذا الإنجاز الضخم -التأسي- الذي عليه يقوم تحصيل السعادتين في النشأتين بالتوكل على اللّٰه تعالى.
وهذه المعاني كلها قد جمعها قول اللّٰه سبحانه وتعالى في سورة الأحزاب، إذ قال: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللّٰهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللّٰهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللّٰهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا * هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلاَئِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا * تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلاَمٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا * يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا * وَدَاعِيًا إِلَى اللّٰهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا * وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللّٰهِ فَضْلًا كَبِيرًا * وَلاَ تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّٰهِ وَكَفَى بِاللّٰهِ وَكِيلًا﴾(الأحزاب:40-48).
3- النبي شاهد وشهيد مُؤيد: النبي هو الوحدة القياسية الشاهدة التي تمثل حالة السواء في المجال الإنساني، والتي بالنظر الواعي إليها يتم التعرف على الاختلالات التي في هذا المجال جمعًا وإفرادًا. بذلك يحصل إمكان العمل على ردها إلى حالة السواء.(2) وتلك نعمة من اللّٰه جُلَّى.. حتى إذا تمت إفادة الأمة من النبي صلى الله عليه وسلم، فإنها بدورها تصبح وحدة قياسية على الصعيد الاجتماعي والحضاري، يمكّن التعرّفُ عليها من التعرّف على الاختلالات في هذه الأصعدة، ومن ثم يمكن التعرف على ما يلزم من العمل لرد هذه الاختلالات إلى حالة السواء، وهذا هو ما يتجلى في قوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللّٰهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللّٰهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾(الحج:78)، وفي قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾(البقرة:143).
وحتى يكون النبي بعد اصطفائه لهذه الوظيفة التكوينية الخطيرة قادرًا على الاضطلاع بها، يكون إنعام اللّٰه بالتأييد. قال تعالى عن نبي الختم صلى الله عليه وسلم: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللّٰهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ﴾(الأنفال:62). كما أن النبي لهذا القصد -قصد أن تمثل فيه الوحدة القياسية الشاهدة- يصنع ظاهرًا وباطنًا على عين اللّٰه سبحانه وتعالى، وقال سبحانه عن نبيه موسى عليه السلام: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾(طه:39)، وقال تعالى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾(طه:41)، وقال سبحانه عن خاتم النبيين: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ * وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ * الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ * وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾(الشرح:1-4). وقال صلى الله عليه وسلم في هذا المعنى: “أدّبني ربي فأحسن تأديبي” (كشف الخفاء). فكانت النتيجة في حقه عليه الصلاة والسلام هي قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾(القلم:4). ومن أجل ذلك كان اتباعه والتأسي به صلى الله عليه وسلم هو المرقاة إلى مرضاة اللّٰه ومحبته. وقال جل وجلاله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللّٰهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّٰهُ﴾(آل عمران:31).

الوحدة القياسية على المستوى الفردي

لقد ساد بين المسلمين في الأزمنة الأخيرة من تاريخهم، على خلاف ما كان عليه الأمر في عهد الصحابة الكرام رضي الله عنهم، التعامل التبركي مع آثار ودلائل النبوة وشمائل النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته العطرة عليه الصلاة والسلام. وفي ذلك خير كثير في ذاته، غير أنه لو شُفِع بالوظيفية لكان الخير أعم وأتم. ونقصد بالوظيفية هنا، أن يتم طرح الأسئلة العملية على آثار النبوة، من أجل تبين أوجه الشهادة النبوية في مجال مخصوص، وتحديد منهجية الرد بخصوصه إلى الوحدة القياسية. وهي أسئلة لا يمكن طرحها بطريقة سليمة إلا من لدن العالمين بالمجال قيد الدرس، إذ العلم بالمجال هو الذي يمكن من تلمس مواطن الهدي النبوي فيه، للتأهيل الناجم عن استتباب التضاريس المعرفية والمركبات المفاهيمية والأنساق القياسية ذات الصلة بالمجال في أذهان المشتغلين به. مما لا ينتج إلا بطول الممارسة للبحث في مجال معين والتعاطي مع المشاكل المنهجية التي فيه. ففي التربية مثلًا، لن يكون أقدر على مساءلة آثار النبوة في هذا المجال من التربويين، لمكابدتهم له ولمعاناتهم البحثية داخله، معاناة تنشئ الشوق والتوق، وكذا الاستعداد لوجدان الحلول.
إن التعرف على الإنسان الشاهد -الوحدة القياسية- الذي يمثل حالة السواء، والذي من خلال التعرف على بنائه النفسي والشخصي والقصدي، هو المدخل لإنتاج العلوم الوظيفية والمناهج العلمية الممكنة من رد الاختلالات إلى حالة السواء، وهنا الدور المحوري الخطير لوظيفة النبوة ووظيفة الذكر الذي تأتي به متى ما حلّ الرشد في التعامل معهما والتأسي بهما. فالتعرف على حالة السواء -كما تقدم- يمكن من تجريد المثال التفصيلي الذي ينبغي أن يشمّر من خلال البرامج والمناهج، للسير بالمتربين نحوه بغير عِوج ولا أَمْت. وهذا مضمار -في العلوم التربوية- للبحث والإبداع فسيح خصيب.
ودائمًا في علاقة بالوحدة القياسية على المستوى الفردي، فإن علم النفس وعلم النفس السلوكي وعلم التحليل النفسي، كلها علوم تعاني الأمرَّين لغياب العلم بماهية حالة السواء. ولا شك أن أهل هذه المجالات، إن أعملوا عقولهم ووجداناتهم لاستبانتها من آثار النبوة، فسوف يحلُّون إشكالات أليمة ومكلِّفة. لقد أنعم اللّٰه على العالمين بأن تولَّى سبحانه في مرحلة الختم بذاته العليّة حفظ الذكر: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾(الحجر:9). فحفظت بذلك آثار النبوة المنيرة، واستمر إمكان التعرف على النبي الشاهد وعلى حالة السواء من خلاله. إن هذه النعمة الجُلَّى إن شكرت بحسن التوظيف والتثمير، ولم تُكفر بالإنكار والاستهتار، لمن شأنها أن تهدي العالمين إلى مستقبلات أكثر إشراقًا.

الوحدة القياسية على المستوى الجماعي

ويبرز في القرآن المجيد أن نتيجة عمل الوحي في المجالين هي السجود، غير أن السجود في المجال الكوني –ولطبيعة عمل الوحي فيه- يتم تلقائيًا تقديرًا وهداية، في حين أنه لا يتم في المجال الإنساني إلا بالكدح والمكابدة.

لقد عانت البشرية كثيرًا على الصعيد الاجتماعي من آثار الجهود الخارصة، لتبيّن معالم وسمات العمران البشري الأمثل، كما عانت عبر تاريخها من إملاءات وتحكمات المستبدّين أفرادًا وجماعات. وقد كانت الذعائر والتكاليف باهظة، إذ كم قُدم ويقدّم من الأبرياء الذين لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلًا حطبا لهذه المشاريع اليوطوبية، ليُتَبَيَّن بعد حين أنها لم تكن سوى سراب يباب، ولات حين مناص، وما الحالة السوفياتية منا ببعيد.
وبما رحمة من اللّٰه تعالى، فقد جعل سبحانه الوحدة القياسية على المستوى الاجتماعي، تتمثل في المجتمع النبوي، حيث تمكن النبي الخاتم صلى الله عليه وسلم، من جعله بهداية اللّٰه وتوفيقه يَنُثُّ كله بالهداية للتي هي أقوم، فضاء وعمرانا وإنسانا ووظائف ومراكز وعلائق. وقد كان البدء بأن تم تغيير اسم مهاجر الرسول الخاتم صلى الله عليه وسلم من طيبة ويثرب إلى المدينة -بألف ولام التعريف- ليفهم أن العمران الشاهد كان هو ذاك. ولئن تكلم الفلاسفة عن المدينة الفاضلة، وتاقوا إلى التعرف على الوحدة القياسية بهذا الخصوص، فإن النبوة -بأمر اللّٰه وفضله- قد أنشأتها واقعًا حيًا نابضًا حفظت معالمه المركزية رغم كل التفريط والتقويض الذي يَبْدُر مثله عن البشر.
فالنبي الخاتم صلى الله عليه وسلم كما تقدم، قد زرع آيات الوحي وعلاماته وبصائره في نفوس أصحابه الكرام رضي الله عنهم، فاندَهَقَتْ منها إلى واقعهم لتكون هاديات خالدة للمحجة البيضاء التي ليلها كنهارها، ولا يزيغ عنها إلا هالك. إن في كتاب اللّٰه كما في سنة سيدنا رسول اللّٰه صلى الله عليه وسلم، البيّنات الوافرة على السلط والمراكز والأدوار والتدبيرات والوظائف والعلائق والنماذج والأخلاق والقيم التي ينبغي أن تَشْخَصَ في المجتمع الشاهد، في حالة السراء وفي حالة الضراء، في حالة الشدة، وفي حالة الرخاء، في حالة السلم، وفي حالة الخوف، وكذا الحرب واللأواء.(3) مما ليس ينتظر إلا العقول المتمرسة الخبيرة لطرح الأسئلة المنهجية، من أجل رفع صرح علم التأسي على الصعيد الاجتماعي.

خاتمة

وجب ختامًا التنبيه إلى بعض الأسس المهمة من أسس علم التأسي وآكدها.
1- استدماج الوعي بأنه صلى الله عليه وسلم قد طبّق القرآن المجيد التطبيق الأمثل.
2- أن يتم التعرّف العقلي والوجداني والعلمي على نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم، إذ إن هذه المداخل التعرفية متكاملة فيما بينها ويفضي بعضها إلى بعض، ولا تتصور معرفة كاملة بسيد الخلق عليه الصلاة والسلام بدون اعتمادها جميعًا. فجماع العلم أن يضحى العالم قادرًا في كل حين أن يسأل نفسه السؤال الآتي: لو كان رسول اللّٰه صلى الله عليه وسلم في مقامي ماذا كان سوف يصنع؟ ثم يكون قادرًا على الإجابة.
3- أن يعلم المتأسي حيثيات السياق الزماني والعمراني الذي يوجد فيه، وحيثيات سياق المتأسى به صلى الله عليه وسلم، الزمانية والعمرانية والبيداغوجية.(4)
4- أن يعلم المتأسي الفروق الأنتروبولوجية والثقافية والعُرفية وغيرها بين السياقين، حتى إذا ساءل في أي مجال من المجالات، استدمج هذه الفروق ليكون التنزيل سليمًا، ولا يخفى ما يقتضيه هذا من جهد بحثي ممنهج.
5- أن يستدمج المتأسي العلم بالمقاصد العامة للنبوة، رحمتها وجمالها وشرائعها، حتى لا يفرط في الأصول لحساب الفروع أو يقدم ما من شأنه أن يؤخر أو العكس. وهذا داخل ضمن فقه الموازنات والترجيحات، وقد قام علماء الأمة -جزاهم اللّٰه خيرًا- بجهود وضيئة في هذه المضامير.
6- أن يستحضر المتأسي وجوب النظر في المآلات واعتبارها، حتى لا يكون جالبًا لمفاسد على نفسه ومحيطه من حيث يريد جلب المصالح، وكثيرًا ما يحصل ذلك إذا أغفل البعد المستقبلي في التنزيل.
7- كما أن من آكد الشروط أيضًا، وجوب المقاربة التكاملية التي لا تهمل جانبًا من الجوانب أو تطغيه، بل تحرص على حضورها ومراعاتها جميعًا بشكل مقدّر متوازن.
وبدون مراعاة هذه الشروط، فإنه لا يمكن تفعيل وظيفة ودور الشهادة كما جاءت في مثل قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾(البقرة:143).
بقيت الإشارة أخيرًا إلى أن في تراثنا جهودًا مباركة وجب استئنافها في هذا الاتجاه لعلماء أفاضل هم بسبق حائزون تفضيلا، مستوجبون من أمتهم ثناءها الجميلا، كأمثال القاضي عياض السبتي في “شفائه”، والشاطبي في “موافقاته” و”اعتصامه”، وابن القيم في “زاد المعاد”، والصالحي في “سبل الهدى والرشاد”، وشاه ولي اللّٰه الدهلوي في “الحجة البالغة”، وسعيد النورسي بديع الزمان في “رسائل النور”، وعبد الحي الكتاني في “التراتيب الإدارية في الحكومة النبوية” والأستاذ فتح اللّٰه كولن في “النور الخالد” وغيرهم ممن وجب البناء على جهودهم وتثميرها.
كل ذا دون فقدان الاستبصار بأنه رغم كل ما يمكن أن يبذل في مجال علم التأسي، فإنه يبقى مجالًا متجددًا بتجدد الأزمنة والأمكنة والأحوال والأعراف والعادات.. ويرحم اللّٰه الإمام السهيلي إذ سمى سيرة رسول اللّٰه صلى الله عليه وسلم: “الروض الأُنُف”.(5)
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش
(1) ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد، إذا اشتكى عضوًا تداعى له سائرُ جسده بالسهر والحُمَّى”، (صحيح البخاري)، كتاب الأدب، باب رحمة الناس والبهائم، حديث رقم:5581.
(2) يلاحظ أن حالة السواء في كتاب اللّٰه، نسق مفتوح آخذ بعين الاعتبار للخصوصيات والسياقات، وهو ما نرجو بعون اللّٰه تفصيل القول فيه في بحث لاحق.
(3) وما أروع الصورة المشرقة التي يعرضها كتاب اللّٰه لمجتمع المدينة الشاهد وهو بعد في طور التكوين في مثل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ وَلاَ تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾(الحشر:9-10).
وفي سورة البقرة وآل عمران والنساء والمائدة والفرقان والطلاق والمجادلة وغيرها غرر بهذا الصدد لا تنتظر إلا التجلية المتجددة.
ولعل تنبّه الإمام مالك بن أنس الأصبحي رضي الله عنه إلى هذه الحقيقة بشكل عام وراء افتراعه لأصل من أصول مذهبه المبارك، حيث جعل “عمل أهل المدينة” أصلا من أصول التشريع لما تضمنه هذا المجتمع الشاهد من هاديات لن تتكشَّف كل حقائقها إلا عبر الزمن.
كما أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه لتنبُّهه إلى أهمية حفظ هذه الوحدة القياسية الاجتماعية في مرحلة التكوين حتى تثبت أركانها، كان قد نهى الصحابة رضي الله عنهم عن مغادرة المدينة المنورة حتى يستتب البناء وتُحفظ الشهادة، فلم يتمكنوا من مغادرتها إلا بعد وفاته رضي الله عنه.
(4) لأنه صلى الله عليه وسلم جاء معلمًا للناس: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾(البقرة:151). فوجب أن يؤخذ هذا الجانب التعليمي أيضًا بعين الاعتبار حين التأسي.
(5) أي الروض البكر الذي لم يُدخل قط!