للحب ثلاثة أسباب؛ الجمال والكمال والإحسان، ومن هذا المنطلق تعامل المسلمون مع شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن هذا المنطلق أيضًا وجدنا اهتمام العلماء بكل ما يجلي أمام المسلم المحب هذه الأسباب في شخصيته، فأنت تجد كتابات السيرة في أغلبها تدور حول هذه المعاني.
وكلها في النهاية غايتها أن تجلي محل القدوة في الشخصية النبوية، كي يتمكن المسلم من التحقق بمفهوم الاستقامة على الحق، إذ لا دليل إلى ذلك أوضح من شخصيته صلى الله عليه وسلم، وإلى هذا يشير الحق عز وجل بقوله: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ)(الأحزاب:21).
قال الشيخ الطاهر بن عاشور: “فالأصل: رسول الله أسوة، فقيل: في رسول الله أسوة، وجعل متعلق الائتساء ذات الرسول صلى الله عليه وسلم دون وصف خاص، ليشمل الائتساء به في أقواله، بامتثال أوامره واجتناب ما ينهى عنه، والائتساء بأفعاله من الصبر والشجاعة والثبات”.

الوظيفة البنائية للرسالة المحمدية

لا شك أن فهم سيرة الرسول إنما يتوقف على مدى إدراكنا للغاية من رسالته، والقرآن يرسم لنا غاية الرسالة المحمدية. وقد ذُكرت مقاصد الوظيفة النبوية إجمالاً في تلاوة الآيات، والتزكية، وتعليم الكتاب، وتعليم الحكمة. وهذه الوظائف تقتضي بناء شخصية المتلقي من جديد، وهي عملية بناء نفسي عسيرة ومتطاولة ودقيقة”.
لقد بنى النبي صلى الله عليه وسلم صحابته وتعهدهم بالرعاية كما يتعهد المزارع زرعه، فلا غرابة أن يصف القرآن الصحابة بالزرع، وأن يوضح للناس مراحل نموهم وتطورهم على يد المصطفى عليه الصلاة والسلام: )ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ)(الفتح:29).
ولا غرابة أيضًا أن تُربط الرسالة النبوية بتربية وبناء الشخصية الإنسانية؛ لأن الإنسان هو المعني بها، ولا يمكنه أن يتفاعل مع مقاصدها ما لم يُبْنَ بناءً خاصًّا يفي بذلك. وفي عملية البناء تتجه الأنظار إلى من يقوم على عملية البناء وهو هنا النبي صلى الله عليه وسلم والمنهج المستخدم في البناء، وسمات الشخصية التي أنتجها البناء.

إن مفتاح فهم السيرة النبوية، يكمن في طريقة نظرتنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإدراكنا لحقيقة رسالته وجوهرها

معالم المنهج النبوي في بناء الشخصية

هي ذاتها المشار إليها أعلاه (التلاوة، التزكية، تعليم الكتاب، تعليم الحكمة)، فالمنهج -أساسًا- منهج رباني المصدر، رباني المفردات، رباني الغاية، ولذلك مَثُل الإسلام في تعامله وتطابقه مع الفطرة الإنسانية، فقد كان هو اللمسة المناسبة التي حركت فطرة الإنسان العربي، فنقلته في فترة وجيزة من حال إلى حال، وأخرجته من ظلمات الجاهلية إلى نور الإسلام، من هامش التاريخ إلى أن يكون في مركزه فاعلاً ومنتجًا للحضارة. وعلى هذا يعلق الشيخ أبو الحسن الندوي بقوله: “لقد وضع محمد صلى الله عليه وسلم مفتاح النبوة على قفل الطبيعة البشرية، فانفتح على ما فيها من كنوز وعجائب وقوى ومواهب”.
وما معالمه؟ إن بحثنا له عن معالم تفصيلاً لن تكون في الحقيقة سوى انعكاس لربانيته، وهذه المعالم هي:
أ- الشمولية: ونعني بها النظرة الشاملة للنفس البشرية بكل أبعادها عقلاً وروحًا وجسدًا، فهو منهج لا يتعامل مع الإنسان ببعد واحد.
بـ- التكاملية: فالأبعاد الملاحظة في النفس البشرية من خلال الشمولية، تتكامل في البناء النبوي ولا تتنافى، تتساند ولا تتصادم، فلا يجور طرف على آخر، ولا يهمل جانب لحساب جانب، كل ذلك محكوم بالقاعدة أو الميزان الذي نبه إليه النبي صلى الله عليه وسلم كما في قوله لابن عمر رضي الله عنه: “صم وأفطر، وقم ونم، فإن لجسدك عليك حقًّا، وإن لعينيك عليك حقًّا، وإن لزوجك عليك حقًّا، وإن لزورك عليك حقًّا” (رواه البخاري).
ومن هنا وجدناه صلى الله عليه وسلم يعالج ما يراه إخلالاً بهذه التكاملية، ويعتبر مخالفتها خروجًا عن المنهج الذي جاء به، كما في حديث الثلاثة الذين استقلُّوا عبادتهم، فقال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم: “أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني” (رواه البخاري).
فالمسألة لها ارتباط بالمنهج، وليست مجرد انحراف في السلوك، وانسياق وراء رغبة وإن بدت في ظاهرها خيّرة. يقول الحافظ ابن حجر تعليقًا على الحديث: المراد بالسنة الطريقة، لا التي تقابل الفرض، والرغبة عن الشيء الإعراض عنه إلى غيره، والمراد من ترك طريقتي وأخذ بطريقة غيري فليس مني، ولمح بذلك إلى طريق الرهبانية، وطريقة النبي الحنفية السمحة”.
جـ- الواقعية: فالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يبني شخصية الصحابة رضي الله عنهم، كان دائمًا يفعل ذلك من خلال الميزان القرآني الذي يتعامل مع الإنسان باعتباره إنسانًا.
وتحتفظ لنا كتب السنن والسيرة بنماذج متعددة من التعاملات النبوية، تُجلِي لنا هذا المعلم الخطير فتضعنا أمام المربي العظيم، وهو يلامس نفوس من يربيهم بلمسات تربوية غاية في العمق، لأنها تنطلق من واقعهم كبشر لترفعهم إلى الغايات السامية، فتراه صلى الله عليه وسلم وهو يعامل تلك الأنفس في لحظات قوتها ولحظات ضعفها. ونكتفي بالإشارة إلى مثالين عن كل حالة:
1- في حال الضعف
المثال الأول: قصة الشاب الذي جاء للنبي صلى الله عليه وسلم يطلب الإذن بالزنا، فوضع يده الشريفة عليه وقال: “اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصِّن فرجه”، فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء. (رواه أحمد)
إن وقفة تحليلية مع هذه القصة، تكشف بجلاء مدى واقعية النبي في علاج لحظات الضعف الإنساني أمام تسلط الشهوة وفوران الرغبة. ويمكن بحسب ما يسمح به المقام أن نشير إلى ما يلي:
في الحديث لمسات نفسية عميقة، راعى من خلالها النبي صلى الله عليه وسلم واقع هذا الشاب الذي أتاه، وقد سدت الشهوة عليه مداركه، فلم يعد لميزان الحلال والحرام دور في ضبط رغبته، فليس من الحكمة ولا الواقعية -في هذه الوضعية- أن نخاطبه من منطلق “يجوز أو لا يجوز”، أو أن نتجاهل حالته بالإهمال أو القمع حفاظًا على الانضباط الاجتماعي والالتزام الأخلاقي الظاهري كما يسعى إلى ذلك بعض السطحيين غالبًا.
وهنا تكمن روعة العلاج النبوي وواقعيته؛ فلم يؤنب الشاب ولم يمنعه من الحديث، وإنما رحم ضعفه، وسعى لأن يجد حلاًّ ناجحًا لمشكلته عن طريق الحوار. وقد كان بإمكان النبي أن يبدأ بالدعاء له، وتنتهي القصة. ولكن المسألة هنا مسألة منهج يعلمنا من خلاله -صلوات الله وسلامه عليه- كيف نتعامل بواقعية مع مشكلاتنا ومشكلات من نربيهم.
المثال الثاني: قصة عن ضعف الإنسان، وبراعة المربي العظيم في احتواء هذا الضعف، ومساعدة صاحبه على النهوض وتجاوز الكبوة.

كان النبي يربي الجيل الذي يستمع إليه تربية خاصة. كيف؟! إنه مرسل للناس كافة، ومرسل لبني آدم ما بقي على ظهر الأرض منهم أحد، ولا نبوة بعد بعثته

القصة رواها الطبراني عن جرير بن حازم قال: سمعت زيد بن أسلم يحدث أن خوّات بن جبير قال: نزلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمر الظهران، قال: فخرجت من خبائي فإذا أنا بنسوة يتحدثن فأعجبنني، فرجعت، فاستخرجت عيبتي، فاستخرجت منها حلة فلبستها، وجئت فجلست معهن، وخرج رسول الله من قبته فقال: “أبا عبد الله، ما يجلسك معهن؟” فلما رأيت رسول الله هبته فاختلطت، قلت: يا رسول الله جملٌ لي شرد، فأنا أبتغي له قيدًا فمضى واتبعته، فألقى إلي رداءه ودخل الأراك، كأني أنظر إلى بياض متنه في خضرة الأراك، فقضى حاجته وتوضأ، فأقبل والماء يسيل من لحيته على صدره، أو قال: يقطر من لحيته على صدره، فقال: “أبا عبد الله، ما فعل شراد جملك؟” ثم ارتحلنا، فجعل لا يلحقني في المسير إلا قال: “السلام عليك أبا عبد الله، ما فعل شراد ذلك الجمل؟” فلما رأيت ذلك تعجلت إلى المدينة، واجتنبت المسجد والمجالسة إلى النبي، فلما طال ذلك، تحينت ساعة خلوة المسجد، فأتيت المسجد فقمت أصلي، وخرج رسول الله من بعض حجره، فجاء فصلى ركعتين خفيفتين، وطولت رجاء أن يذهب ويدعني، فقال: “طول أبا عبد الله، ما شئت أن تطول، فلست قائمًا حتى تنصرف”، فقلت في نفسي: والله لأعتذرن إلى رسول الله ولأبرئن صدره، فلما انصرفت قال: “السلام عليك أبا عبد الله، ما فعل شراد ذلك الجمل؟” فقلت: والذي بعثك بالحق، ما شرد ذلك الجمل منذ أسلمت، فقال: “رحمك الله ثلاثا”، ثم لم يعد لشيء مما كان”.
2- في حال القوة
المثال الأول: دف نعلي بلال في الجنة: عن أبي هريرة رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبلال عند صلاة الفجر: “يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام، فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة”، قال: ما عملت عملاً أرجى عندي أني لم أتطهر طهورًا في ساعة ليل أو نهار إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي، قال أبو عبد الله: دف نعليك يعني تحريك. (رواه البخاري)
المثال الثاني: ذَهبٌ لحسن ثنائك على الله صلى الله عليه وسلم: عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بأعرابي وهو يدعو في صلاته وهو يقول: يا من لا تراه العيون، ولا تخالطه الظنون، ولا يصفه الواصفون، ولا تغيره الحوادث، ولا يخشى الدوائر، يعلم مثاقيل الجبال، ومكاييل البحار، وعدد قطر الأمطار، وعدد ورق الأشجار، وعدد ما أظلم عليه الليل وأشرق عليه النهار، ولا تواري منه سماء سماء، ولا أرض أرضًا، ولا بحر ما في قعره، ولا جبل ما في وعره، اجعل خير عمري آخره، وخير عملي خواتيمه، وخير أيامي يوم ألقاك فيه. فوكل رسول الله بالأعرابي رجلاً فقال: “إذا صلّى فائتني به”. فلما أتاه وقد كان أُهدي للرسول ذهب من بعض المعادن، فلما أتاه الأعرابي وهب له الذهب وقال: “ممن أنت يا أعرابي؟” قال: من بني عامر بن صعصعة يا رسول الله، قال: “هل تدري لِمَ وهبتُ لك الذهب؟” قال: للرحم بيننا وبينك يا رسول الله. قال: “إن للرحم حقًّا، ولكن وهبت لك الذهب بحسن ثنائك على الله عز وجل”. (رواه الطبراني)

سمات الشخصية المتميزة التي بناها الرسول

إجمالاً يمكن القول بأن الشخصية التي بناها النبي صلى الله عليه وسلم، هي الشخصية الحضارية التي استطاعت أن تتفاعل مع وحي السماء وتحمل النور لأهل الأرض.
يقول الشيخ الغزالي: “كان النبي يربي الجيل الذي يستمع إليه تربية خاصة. كيف؟! إنه مرسل للناس كافة، ومرسل لبني آدم ما بقي على ظهر الأرض منهم أحد، ولا نبوة بعد بعثته.
وهو عليه الصلاة والسلام، يدرك أنه لن يعمِّر حتى يطوف القارات ويهدي العصور المتطاولة، فسبيله إلى إبلاغ رسالته أن يربي قادة يرثون الكتاب ويضيئون به المكان والزمان، ويؤدون عنه متطلبات العموم والخلود في رسالته. والمعلم الذي يهدي جماعة من الحيارى محدود الجهد دون غمط لفضله، ولكنه دون المعلم الذي يصنع أساتذة وينشئ نجوما حية”.
أما تفصيلاً، فيمكننا أن نسجل السمات التالية:
1- الربانية: وهي السمة الأساس في الشخصية التي رباها النبي صلى الله عليه وسلم، ونعني بها بروز الارتباط الوثيق بين الإنسان وخالقه عقيدة وتصورًا وسلوكًا.
فالصحابة صنيعة الرسول صلى الله عليه وسلم أنبتهم بالقرآن إنباتًا، وأنشأهم على عينه، فكانوا ذلك الجيل الفريد الذي لم يعرف له التاريخ مثيلاً، وقد لا يتاح للبشرية في مستقبلها أن ترى له أيضًا مثيلاً.

لقد بنى النبي صلى الله عليه وسلم صحابته وتعهدهم بالرعاية كما يتعهد المزارع زرعه

يقول الشيخ الندوي: “ولم يزل الرسول يربيهم تربية دقيقة عميقة، ولم يزل القرآن يسمو بنفوسهم ويذكي جمرة قلوبهم، ولم تزل مجالس الرسول تزيدهم رسوخًا في الدين وعزوفًا عن الشهوات، وتفانيًا في سبيل المرضاة، وحنينًا إلى الجنة، وحرصًا على العلم، وفهمًا في الدين ومحاسبة للنفس، يطيعون الرسول في المنشط والمكره، وينفرون في سبيل الله خفافًا وثقالاً، حتى إذا خرج حظ الشيطان من نفوسهم، بل خرج حظ نفوسهم من نفوسهم، وأنصفوا من أنفسهم إنصافهم من غيرهم، وأصبحوا في الدنيا رجال الآخرة وفي اليوم رجال الغد، لا تزعجهم مصيبة ولا يبطرهم نعمة ولا يشغلهم فقر ولا يطغيهم غنى ولا تلهيهم تجارة ولا تستخفهم قوة، لا يريدون علوًّا في الأرض ولا فسادًا، وأصبحوا للناس القسطاس المستقيم، قوامين بالقسط شهداء ولو على أنفسهم”.
ونتبين هذه الربانية في مواقف عديدة حفلت بها سير الصحابة رضوان الله عليهم كتلك التي نجد فيها:
1- سرعة الاستجابة لأمر الله (قضية الخمر والحجاب)، وسرعة العودة عند الخطأ والمعصية وتقبل العقوبة طمعًا في المغفرة (قصة الثلاثة الذين خلّفوا)، وجعل الآخرة هي الغاية (مواقف الإنفاق والتضحية)، ويقظة الضمير وإن غابت رقابة القانون (ماعز الغامدية)، والعفة عند المغنم.
2- المبدئية: ونعني بها في هذا المقام أمرين، الأول أن النبي صلى الله عليه وسلم ربى الشخصية التي تجعل المصلحة في خدمة المبدأ، وتضحي عند الاقتضاء بالمصالح نصرة للمبادئ.
والثاني أنه ربط الذين يربيهم بالفكرة لا بالأشخاص ولو كان شخصه الكريم، وهذه في الحقيقة تربية قرآنية، أعلنها القرآن وأكدتها ممارسته صلى الله عليه وسلم في واقع تعامله مع أصحابه، قال تعالى: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ)(آل عمران:144).
3- الإيجابية: فالشخصية التي رباها الرسول صلى الله عليه وسلم إيجابية في تعاملها مع أوجه الحياة المختلفة، وهذا هو مضمون قوله صلى الله عليه وسلم: “عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له” (رواه مسلم).
فأنت أمام شخصية قوية لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تنكسر أمام عاديات الحياة أو مسراتها، بل لا يمكن -وهذا مهم جدًّا- أن تجعل من القدر مبررًا للرضا بالضعف والاستكانة إلى الدون. وكأني بالفيلسوف محمد إقبال -رحمه الله- كان يتحدث عن شخصية الصحابة حين قال: “المسلم الضعيف يعتذر دومًا بالقضاء والقدر، أما المؤمن القوي فهو بنفسه قضاء الله الغالب وقدره الذي لا يرد”.

لا شك أن فهم سيرة الرسول إنما يتوقف على مدى إدراكنا للغاية من رسالته، والقرآن يرسم لنا غاية الرسالة المحمدية.

4- الإنتاجية: فالمسلم الذي رباه النبي صلى الله عليه وسلم ليس عالة على الحياة، وإنما هو شخص منتج يقدّر الحياة حق قدرها باعتبارها مزرعة للآخرة، ويسعى دائمًا ليضيف إليها شيئًا ويترك فيها أثرًا من الخير وإن ظن أنه لن يستفيد من خيره أحد، أو أن الحياة ذاتها لن تستمر، وهذا هو المعنى الذي استفاده من قوله صلى الله عليه وسلم: “إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليفعل” (رواه أحمد).
5- المسؤولية الاجتماعية: فالمسلم الذي رباه النبي صلى الله عليه وسلم له شعور بالمسؤولية تجاه مجتمعه، ويدرك أن مصيره مرتبط بمصيرهم، وهو ما يحقق مفهوم الولاية الحقيقية “بعضهم أولياء بعض”. فهو لا يمكن أن يرسم لنفسه حدودًا من الأنانية، ولا يمكن أن يحبس نفسه خلف أسوار المصالح الخاصة والمنافع الذاتية له ولأسرته القريبة، وإنما يعيش بنفسية من تربَّى على المعنى المذكور في قوله صلى الله عليه وسلم: “مثل القائم على حدود الله والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فأصاب بعضهم أعلاها وأصاب بعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا ولم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعًا” (رواه البخاري).
الخاتمة
إذن، إن مفتاح فهم السيرة النبوية، يكمن في طريقة نظرتنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم وإدراكنا لحقيقة رسالته وجوهرها، والذي نراه أساسًا في تربية الإنسان وبنائه البناء النفسي المنسجم مع المنهج الرباني الذي أنزله الحق عز وجل على قلب المصطفى صلى الله عليه وسلم.

(*) كاتب وباحث جزائري.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.