يعدّ البحث في العلاقة التفاعلية بين البلاستيك والغذاء، موضوعًا بالغ الأهمية والخطورة، وهذا يتطلب منا الانتباه والحذر. أينما نظرنا نجد المواد البلاستيكية تحيط بأطعمتنا، لذلك من الضرورة بمكان أن نفهم طبيعة هذه العلاقة وإطارها، بحيث نتمكن من وضع حدود فاصلة بين ما هو مسموح وما هو ممنوع. فالمواد البلاستيكية تتميز بأنها زهيدة الثمن، خفيفة الوزن، وغير قابلة للانكسار، وسهلة التشكل إذا ما قورنت بالمواد الزجاجية أو المعدنية أو الخشبية.. ولعل أهم خاصية توفرها المواد البلاستيكية، هي قدرتها على الحفاظ على جودة المنتج الغذائي وحمايته من العوامل التي قد تتسبب في فساده وذهاب نكهته، فهي تصنع جدارًا يمنع حدوث أي تبادل غازي ما بين الوسط المحيط والمادة الغذائية. كذلك يمتاز البلاستيك عن غيره من المواد، في الصمود أمام العوامل الجوية المتغيرة، فهو لا يتآكل ولا يصدأ، فضلاً عن سهولة إنتاجه غير المعقدة، كما أنه غير مكلف في عمليات النقل والاستخدام.. لكن في مقابل هذه الميزات، لا بد من القلق بشأن المخاطر المحتملة من تلوث الأغذية لدى تغليفها وحفظها بالمواد البلاستيكية. لذا هل فكرت يومًا ما أثر ذلك على صحتك وعلى البيئة من حولك؟ هل فكرت من أي مادة أولية يصنع البلاستيك؟ وهل علمت يومًا أن هناك أنواعًا يجب عليك الحذر منها قبل استخدامها لأنها صنعت من أجل استخدام محدد؟

البلاستيك وعلاقته بالأغذية

في دراسة صادمة جديدة، أكد باحثون أن البشر باتوا يتناولون البلاستيك بشكل كبير في حياتهم، حيث يأكل الإنسان البالغ ما لا يقل عن ٧٠ ألف جزيء دقيق من البلاستيك في السنة، فيما أكدت مصادر أخرى، أن هذا الرقم قد يكون بسيطًا جدًّا، وأن الرقم الحقيقي أكبر بكثير من هذه التقديرات، حيث إن العدد الذي تم تحليله من الأطعمة والمشروبات قليل للغاية. وذكر العلماء أن شرب المياه المعبأة في زجاجات زاد بشكل كبير من الجسيمات المستهلكة. وما تزال الآثار الجانبية لتناول البلاستيك غير معروفة حتى الآن حيث لم تأت دراسة قطعية على الأمر، لكن المشكلة تكمن في بعض القطع الصغيرة للغاية التي قد تخترق الأنسجة، مما يؤدي إلى تفاعلات مناعية أو إطلاق مواد سامة.

الدراسة التي عمل عليها باحثون من المملكة المتحدة، راجعت حوالي ٢٦ دراسة سابقة، حللت كميات الجزيئات البلاستيكية الدقيقة في المأكولات البحرية، والسكريات المضافة، والأملاح، والكحول، ومياه الصنبور، والمياه المعبأة في زجاجات، والهواء، ثم قام الفريق بتقييم كمية الطعام التي يتناولها الإنسان تقريبًا في المتوسط؛ وجدت بعض هذه النتائج أن البشر يستهلكون كل عام ما بين ٧٤ ألفا و١٢١ ألف جزيء بلاستيكي دقيق.

يصنع البلاستيك من مواد أولية تدعى البوليمرات، ولهذه البوليمرات أنواع عديدة منها البولي ايثيلين، والبولي بروبيلين، وبولي كلوريد فينول، ومادة “الباي اسيفينول أ” التي تعطي البلاستيك الشفافية والصلابة، والملدنات التي تعطي البلاستيك الليونة وغيرها، كما يضاف إلى هذه المواد، مواد كيماوية أخرى لأهداف كثيرة، منها الملونات التي تعطي العبوات البلاستيكية الألوان المختلفة، حيث تضاف أحيانًا إلى بعض المواد البلاستيكية أصباغ لإكسابها اللون المرغوب، يكون بعضها تركيبة غير ثابتة فتتسرب إلى السلع الغذائية، أو تذوب في بعض مكوناتهاـ وتسبب حدوث مشكلات صحية للإنسان.

يستخدم في صناعة عديد من عبوات الأغذية البلاستيك كلور الفينايل، ويتصف النوع الصلب منه بمقاومته لنفاذية الرطوبة والغازات والدهون، ولا يتحمل التسخين على درجات حرارة تزيد عن ١٠٠ مئوية، التي يبدأ عندها بالتحلل واختلاط مكوناته مع الأغذية المعبأة فيه، ويعيق استخدام المواد البلاستيكية قليلة الثبات الحراري في تعبئة الأغذية الساخنة، حدوث هجرة بعض مكوناتها، خاصة من المواد المضافة المستخدمة في صناعتها كالأصباغ أو المركبات المانعة للأكسدة إلى الأغذية، لذا يحظر استعمال العبوات المصنوعة من هذا النوع من اللدائن في تعبئة الأغذية الساخنة.

وقد شاع استخدام البلاستيك من نوع بوليمر ميلامين فورمالدهيد في صناعة أدوات منزلية، كأطباق الطعام والصواني وغيرها، بأشكالها المزخرفة الجميلة. ويمكن للمستهلك العادي اكتشاف تأثر أطباق الطعام المصنوعة منه بالأغذية الساخنة من تغير لونها بطول فترة استخدامها. ويعزي البعض حدوث هذا التغير إلى حدوث تفاعلات بين بعض مكونات الأغذية الساخنة مع الملامين، لكن يمكن استخدام العبوات المصنوعة من الملامين في حفظ وتقديم الأغذية غير الساخنة بأنواعها كالفواكه والخضراوات، دون أن تحدث تغيرات فيه، ويفضل استخدام أطباق الخزف الصيني والزجاج في تقديم أطباق الطعام الساخن، لسلامة استخداماتها على صحة الإنسان.

كذلك شاع استخدام الغشاء البلاستيكي اللاصق للأغذية لدى ربات البيوت في تغليف بعض الأغذية قبل حفظها في الثلاجة، وهو مصنوع من عديد كلور الفينايل أو عديد فينسيلدين مع مواد كيماوية تكسبه مرونته المميزة وهي الملدنات. وقد اكتشف العلماء تسرب هذه المركبات المضاغة إلى البوليمر المستخدم في صناعته، إلى الأغذية التي تلاصقه، وأدى حصول الفئران على جرعة كبيرة منها، إلى إصابتها بالسرطان، ولحسن الحظ لم يلاحظوا حدوث ذلك في الإنسان. وقد حذّرت السلطات الصحية البريطانية، من استخدام هذا النوع فى تغليف الأغذية، تفاديًّا لنقل بعض مكوناته إلى الطعام، خاصة عند احتوائه على الدهون كالجبن والزبدة التي قد تذوب الملدنات فيها.

الأكياس البلاستيكية

تُعد أكياس البلاستيك من الاختراعات التي سَهلت حياة الإنسان منذ عقود، فقد تم اكتشاف مادة البولي إثيلين -المستخدمة في صنع أكياس البلاستيك- عن طريق الخطأ سنة ١٩٣٣، إذ كان بعض العلماء يعملون على تجربة كيميائية، فظهرت فجأة مادة شمعية بيضاء اللون لم تكن إحدى النتائج المتوقعة من التجربة، وفيما بعد عُرف أن تلك المادة هي البولي إثيلين. ويُصنف البلاستيك ضمن ٢٠ منتجًا من أخطر المواد أثناء عملية التصنيع، لأن جميع أنواع أكياس البلاستيك المستعملة في التسوُّق أو حفظ المواد الغذائية، وفي كل الاحتياجات المنزلية، مصنّعة من مشتقات البترول والمواد الكيميائية.

بدأ تصنيع أكياس البلاستيك في السويد سنة ١٩٦٥، ومنذ ذلك الوقت استبدل الناس الأكياس القماشية والورقية بالأكياس البلاستيكية، ويُنتج حاليًّا ما يُقارب تريليون كيس في السنة. ويُعد استخدام الأكياس البلاستيكية سلاحًا ذا حدين، وبالرغم من فوائدها إلا أن هناك أضرارًا لا يُمكن تجاهلها.

وقد بدأ استخدام أكياس البلاستيك الأولى التي كانت تستعمل للخبز والسندويتشات والفواكه والخضار في الولايات المتحدة الأمريكية في عام ١٩٥٧، وبدأت أكياس القمامة البلاستيكية بالظهور في المنازل في أواخر ستينيات القرن الماضي. يستعمل العالم تريليون كيس بلاستيك سنويًّا، لكن تلك الأكياس تحولت من وسيلة استخدام عادية إلى قنابل موقوتة وأصبحت مصدر إزعاج كبير، بعد اكتشاف خطورتها وضررها البالغ على الإنسان وعلى البيئة والكائنات الحية التي تتعرض لها.

وقد بدأت بلدان عديدة بحظر أكياس التسوق البلاستيكية كليًّا أو جزئيًّا، وفرضت بلدان أخرى ضرائب على استخدامها، فقد فرضت الدانمارك ضريبة توضيب عام ١٩٩٤، وانخفض استهلاك أكياس الورق والبلاستيك بنسبة ٦٦٪. وفي عام ٢٠٠١ حظرت تايوان توزيع أكياس البلاستيك المجانية التي ترمى بعد الاستعمال من قبل الدوائر الحكومية والمدراس، أما بنغلاديش ففرضت حظرًا تامًّا على جميع أكياس البلاستيك الرقيقة عام ٢٠٠٢. وفي عام ٢٠٠٣ تم توسيع الحظر ليشمل محلات السوبر ماركت ومطاعم الوجبات السريعة والمتاجر الكبرى، كما منعت تايوان استعمال الصحون والأكواب والملاعق والشوك والسكاكين البلاستيكية الاستعمال. وفرضت إيرلندا ضريبة على استعمال الأكياس البلاستيكية في المتاجر. ومنعت رواندا أكياس البلاستيك التي تقل سماكتها عن ١٠٠ ميكرون. وفي أوغندا منع استعمال الأكياس البلاستيكية الرقيقة وفرضت ضريبة على الأكياس السميكة عام ٢٠٠٧ لخفض أكوام النفايات. وتؤكد الدراسات أن هناك بدائل للتقليل من الاعتماد على هذه الأكياس، ومنها الأكياس الورقية وهي ذات رواج عالمي خاصة في السنوات العشر الماضية، ومن البدائل الورقية أيضًا استخدام الأكياس القماشية التي انتشرت مؤخرًا في الجمعيات التي تبيع بالجملة.

أضرار استخدام البلاستيك في حفظ الأغذية

بوجه عام، هناك الكثير من المواد الكيميائية في البلاستيك والتي تعتبر مثيرة للقلق؛ لأنها تترك آثارًا ضارة على البشر على المدى الطويل حيث تجتاز هذه الكيماويات المشيمة، وبالتالي فإنها تثير قلقًا بالغًا للسيدات الحوامل والأجنّة. وهناك عدة أضرار لاستخدام البلاستيك، أهمها حفظ الأطعمة في الأكياس البلاستيكية خصوصًا إذا كانت ساخنة؛ يؤدي إلى تحرر بعض المواد الضارة التي تسبب تغيرات واضطرابات هرمونية في الجسم مثل اضطرابات الغدد الصماء. كما أن مادة الديوكسين المكون الرئيسي للأكياس البلاستيك، التي تدخل في تصنيعه، هي أكثر المواد الكيميائية العضوية السامة، وتصنف من المواد المسرطنة، لذا عندما تتحلل تلك المادة فإنها ترفع خطر الإصابة بالأمراض السرطانية، مثل سرطان الرحم والثدي.

تأثيرات مسرطنة

دقت منظمة الصحة العالمية ناقوس الخطر من استخدام المنتجات البلاستيكية، وذلك بعد إدراج مادة “الستايرين” التي تستخدم في صناعة المطاط، والمنتجات المطاطية، ومنتجات البوليسترين التي تصنع العبوات البلاستيكية ضمن المواد الـمسرطنة للبشر من قبل المنظمة.

وأثبتت دراسة بحثية في إحدى مجلات مشفى جونز هوبكنز الدورية، الذي يعتبر من المشافي الرائدة في مجال الأمراض المستعصية، خاصة أمراض السرطان في الولايات المتحدة الأمريكية، أن البلاستيك في العموم لا يصلح للتسخين، وأنه إن تعرض للحرارة تحول لمادة تسمى الدايوكسين الكيميائية التي تسبب مرض السرطان خاصة سرطان الثدي التي تسمم أيضًا خلايا الجسم، فالحرارة تذيب السموم الموجودة بالبلاستيك، وتختلط هذه السموم مع الطعام.

صفوة القول، يجب أن يعلم كل فرد منا أنه قد يستنشق بخار البلاستيك مع كل شهيق وزفير، أو قد تحتك بشرته به في لباس يرتديه، أو قد يأكله في وجباته اليومية التي تتشربه من الأوعية الحافظة.. لذا من الضروري أن نميز بين نوع وآخر من المواد البلاستيكية لتحديد درجة ضرر كل منها. والحقيقة أنه يتم يومًا بعد يوم، اكتشاف أن بعض هذه المواد يسبب السرطان، وبعضها قد يحدث طفحًا جلديًّا قد تخاله تافهًا لكنه في الواقع ينم عن خلل ما.

وعندما نتكلم عن البلاستيك وتأثيره على الصحة، فإن الأصل الذي يقول إنه لا خطورة من استخدام البلاستيك في أغلفة وعبوات الطعام وغيرها من المنتجات الكثيرة، باق في عمومه.. فالبلاستيك مادة آمنة مع استثناءات بسيطة جدًّا ولظروف معينة، وهي ما أثبتها العلم أنها تسبب مشاكل صحية. فالمواد المصنوعة من الفينيل هي من أخطر المواد البلاستيكية بما فيها الكلوريد المتعدد الفينيل، أيضًا المواد البلاستيكية المصنوعة من “الستايرين” و”البوليوريثين” و”الإكريليك”، لكنها لو استخدمت بدون تسخين أو حرق -أعني بطريقة صحيحة- فإنها لا تسبب أيه مشكلات صحية، رغم أننا مع التوجه الذي يطالب بتقليص استخدام المنتجات البلاستيكية التدريجي والسريع، وذلك بهدف المحافظة على البيئة على المدى الطويل.

(*) استشاري في طب وجراحة العيون / مصر.

المراجع

(١) البلاستيك والغذاء، د. فارس بن دباس السويلم.

(٢) جريدة البيان الإماراتية، العدد:٢٥، ربيع الأول ١٤٤٢هـ-١١ نوفمبر ٢٠٢٠م.

(٣) جريدة الرياض السعودية، العدد:١٦٢٩٨، الأربعاء ٢٥ ربيع الأول ١٤٣٤هـ-٦ فبراير ٢٠١٣م.