كثر الكلام عن المشروع الإسلامي، وأثير حوله خلال الفترة الماضية جدل ولغط وصياح وتدافع، وروَّج له بعض الناس، ورفضه بعض الناس، وبدأت التهم تُرمى هنا وهناك؛ فهذا عدوّ لله ولرسوله لأنه معارض للمشروع الإسلامي، وذاك مناصر للمشروع الإسلامي.. فأحببت أن أرجع خطوة إلى الوراء، لأسأل ما هو المشروع الإسلامي أولاً قبل البحث عن أحكامه ومتعلقاته؛ إذ لا بد من وضوح المعنى قبل الحكم عليه بأي حكم.

إن الشرع الشريف يشبه منجمًا حافلاً بالمعادن النفيسة والجواهر النادرة، لكن سريان هذا الجواهر إلى واقع الناس يحتاج إلى صناعة ثقيلة وإلى علوم ومهارات متعددة التي هي الأجوبة النهائية على مشكلات العصر.

المشروع الإسلامي هو تقديم أجوبة عينية جزئية تفصيلية محددة على أسئلة العصر ومشكلاته في النواحي الديبلوماسية، والإدارية، والسياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والفلسفية، والمعرفية.. وأن يكون ذلك منطلقًا من النموذج المعرفي المسلم المكوَّن من نصوص الشرع ومقاصده وإجماعاته وأحكامه وتشريعاته وأخلاقه وقيمه، وقواعده الأصولية والفقهية، وسننه الإلهية وآدابه وفنونه.. وذلك عن طريق توليد العلوم والمناهج والتنظيرات، التي يمكن تحويلها إلى برامج عمل ومناهج تطبيق تؤول إلى مؤسسات ونظم إدارة.

مشروع ينتج قيمًا إنسانية

أما غاية هذا المشروع الإسلامي، هو إنتاج تطبيقات معرفية وخدمية صانعة للمؤسسات والحضارة، تسري فيها روح مقاصد الشريعة؛ من حفظ النفس والعقل، والعرض والدين والمال، ومحبة العمران والسعي في صناعته، واحترام الإنسان، وتعظيم الأصل والأساس الأخلاقي، والانفتاح على العالم وإفادته والاستفادة منه، وبروز قيمة الطفولة وقيمة المرأة، وحفظ البيئة وحقوق الأكوان (إنسانًا وحيوانًا ونباتًا وجمادًا) وسريان معنى الربانية في ذلك كله بحيث يفضي بالإنسان إلى ربه سبحانه.. وهو نمط من الحضارة وتطبيقاتها، تتسع للمسلم ولسائر الملل والنحل.. لا يشعر فيه أحد في شؤون المعاملة أنه مكره ولا مكروه ولا مضطهد.. ومن لم يدخل فيه فإنه يستظل برحمته وعدله وشفقته وإنصافه، لأن هذا المشروع منتِج للقيم وناقل لها، وهو يصدِّرها إلى الجميع.

إن أساس هذا المشروع الإسلامي وأصله ومحوره وجوهره، هو منظومة الأخلاق والمكارم الإنسانية، والقيم الرفيعة واحترام الإنسانية، والسعي في إسعاد الإنسان في الدنيا والآخرة..

إن أساس هذا المشروع الإسلامي وأصله ومحوره وجوهره، هو منظومة الأخلاق والمكارم الإنسانية، والقيم الرفيعة واحترام الإنسانية، والسعي في إسعاد الإنسان في الدنيا والآخرة، وشعاره “إنما بعثتُ متممًا لمكارم الأخلاق”. فكل تطبيق أو منتج يشوش على هذا المقصد أو يفسده أو ينحرف عنه أو يفارقه، فهو باطل.

وهذا كله، من قبيل تخريج الفروع على الأصول، وهذه وظيفة المجتهد أو المجامع الفقهية. والاجتهاد يتجزأ، وأعني بذلك تخريج الفروع والعلوم الإنسانية والإدارية والاقتصادية على أصول الإسلام وينابيعه ونموذجه المعرفي، وفق مناهج الاستنباط المعتمدة في أصول الفقه وعلوم المعقول. وكيفية ذلك مثلاً بمنظومة من الإجراءات، تشتمل على مراكز أبحاث وحلقات نقاش، وَوُرَش عمل تضم الفقهاء المحققين في الفقه والأصول ومقاصد الشريعة وواقع العصر، مع جهابذة العمل الديبلوماسي خبرائه مثلاً، بحيث تفضي تلك الإجراءات إلى رؤية، وخطة ومعايير للتقييم يتم بها استخراج كافة الإشكاليات والتصرفات والتطبيقات والأسئلة الجزئية التي تعترض الديبلوماسيين في عملهم، مع فهم آفاقها ومشكلاتها ومآلاتها وأثرها على علاقة الوطن بالقوى الدولية والأعراف الديبلوماسية المحيطة بنا في العالم.. ثم يتم التداول في كل ذلك، وتخريجه على أصول أهل الإسلام، بحيث يتم إيجاد رؤية وتحليل ومقترحات، تسري من خلالها مقاصد الدين وقيمه، إلى هذا المجال عن وعي واستنباط واستخراج دقيق لما يقدمه الشرع الشريف من أجوبة.

ولا تتم الإجراءات المذكورة من حلقات النقاش، وَوُرَش العمل وغيرها، إلا في جوٍّ من الثقة المتبادلة، والصداقة الحميمة، والتقدير المتبادل، والحرص على تبادل العلوم والمعارف من كل الأطراف فيما بينهم مهما تباينت الرؤى والمفاهيم، بل إن الذي يدفع الجميع إلى ذلك، هو الحرص الكبير على بناء الوطن ومشاركة كافة الطوائف في ذلك.

مشروع متجدد يتوافق مع العصر

ثم يتم مثل ذلك في النظم السياسية، ومفهوم الدولة، وشبكة علاقاتها بالأفراد وبمؤسسات المجتمع، ومعرفة وظائف الدولة المنوطة بها، التقاطعات بينها وبين الحريات المختلفة مع استيعاب للنظم السياسية المعاصرة وخلفياتها الفلسفية عند توماس هوبز وجون لوك، وهيجل وغيرهم.. ثم الرجوع بكل ذلك إلى معادن الشريعة وينابيعها، مع دراسةٍ وتطويرٍ وتمديدٍ وتوليدٍ لكتابات إمام الحرمين، والماوردي، وابن خلدون وأمثالهم، حتى تتخرج هذه الفروع على أصول الشرع الشريف وتحقق مقاصده، فيتم بذلك صناعة مشروع تفصيلي جزئي عيني، يشتمل على  أجوبة جزئية، بالقدر الذي يكفي لبناء العمل والتطبيقات عليها على إشكالات العصر والمتعلقة بذلك المجال. ثم إن النقد العملي والتطبيق الواقعي لهذه النظريات، سوف يسهم في توسيع آفاقها، وحَبْكِها، وتدارك الجزئيات التي لم يقع الالتفات إليها، ثم يبدأ طور آخر من الدراسة في كيفية اتساق هذه المواد والقوانين والإجراءات مع النظم السياسية والقائمة في العالم من حولنا.

إن هذا المشروع الإسلامي هو اجتهاد المسلمين في تنزيل الشرع الشريف على واقع زماننا، ويقوم المسلمون فيه بواجب زمانهم؛ فإن من وظيفة الشرع الشريف أن يقدم الحلول للحوادث الممكنة شرعًا.

ويتم مثل ذلك في كافة النواحي الفلسفية، والمعرفية، والعلمية التجريبية، والاقتصادية والإدارية، والخدمية، بحيث عندما يتكامل ذلك، فإن الناتج النهائي هو الذي يمكن أن يسمى مشروعًا إسلاميًّا.

ولا بأس بأن تتعدد المشاريع الإسلامية، إما لأن بعض الأصول النظرية التي بنيت عليها ظنِّية، أو أن مناهج الاستنباط ظنية، أو لأن كثيرًا منها من قبيل الفروع والأمور العلمية التطبيقية، التي يمكن أن تتعدد في ذاتها، فينتج من ذلك ثراء وبدائل وخيارات واسعة، وعدد من الأطروحات والحلول للقضية الواحدة، يرى الناس من خلالها اتساع الشرع والشريف لاحتياجات المكلفين وما أودعه الله تعالى فيه من سعة.

ثم إن هذا المشروع الإسلامي هو اجتهاد المسلمين في تنزيل الشرع الشريف على واقع زماننا، ويقوم المسلمون فيه بواجب زمانهم؛ فإن من وظيفة الشرع الشريف أن يقدم الحلول للحوادث الممكنة شرعًا، مع محاولة إيجاد البديل لما لا يمكن شرعًا، أو مع تقويم الجهة التي انحرفت في الواقع عن الشرع الشريف.. ولا بد في ذلك كله من الرصد والتتبع والملاحقة لما يطرأ من تطور وتغير في المفاهيم والفلسفات، حتى لا يتجمد المشروع عند جزئية بعينها، بل يظل قابلاً لتوليد أجوبة جديدة بمقدار كل تغير طارئ على المحالِّ والمجالات التي يتم بها تسيير حركة الحياة.. لا يمكن صناعة ذلك كله، إلا على أرضية بحثية ومعرفية دقيقة من العلوم الإنسانية، حتى تنهض تلك الأطروحات على أساس منير ومستبصر بالخصائص النفسية، والتفاعلات الاجتماعية للإنسان، وهذه الأرضية المعرفية لم نقم بصناعتها إلى الآن.

منتَجٌ صنعتْه حضارة أخرى

الأسلمة القائمة على جلب منتج ديبلوماسي أو إداري صنعته حضارة أخرى وقد استلهمت فيه أصولاً فلسفية مختلفة عنا، ثم نتكلف نحن تركيبة على خصائص نفسية واجتماعية مغايرة، ثم نقوم بتجميله ببعض الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، ثم ندَّعي أنه قد تمت أسلمته، وننادي بجعله مشروعًا إسلاميًّا؛ فيكون له شكل خارجي إسلامي، بينما تعمل كل مكوناته وجزئياته وأصوله المعرفية ومنطلقاته النفسية وفق طرح فلسفي مغاير لهويتنا وحضارتنا.. فإن كل ذلك يمثل جناية كبرى على الإسلام وعلومه، ويؤدي إلى الفشل أو إلى مزيد من الانفصام وعدم الاتساق بين المفهوم القيمي الكامن في النفس وبين التطبيق المعيشي، يؤدي بصاحبه إلى صراع نفسي، أو انفصام في الشخصية، أو حَوَلٍ معرفي ونفسي. وهنا لا بد من الإشارة إلى الفارق الدقيق بين مسيرة الأديان ومسيرة المذاهب الوضعية؛ إن الأديان قبل أن تستقر  في الدساتير والقوانين، فإنها تكتب في القلوب والضمائر، وينشأ بها سلوك إنساني أخلاقي.

لا بأس بأن تتعدد المشاريع الإسلامية، إما لأن بعض الأصول النظرية التي بنيت عليها ظنِّية، أو أن مناهج الاستنباط ظنية، أو لأن كثيرًا منها من قبيل الفروع والأمور العلمية التطبيقية..

لا يمكن لنا أن نصنع أي شيء من ذلك إلا بتنشيط البحث العلمي، وتشغيل الطاقات العلمية والبحثية الهائلة المبعثرة، وتحريك العقول العبقرية الخاملة التي أصابها اليأس والإحباط والاختناق من طول الإهمال وشدة الفقر والتعقيد في الوسط العلمي، مما آل إلى وجود جو خانق للإبداع والأمل، طاردٍ للخبرات العلمية؛ لأن العمل الموصوف هنا، مشروع قومي تنخرط فيه أجيال من الباحثين بعد أن يتم توفير كل الأدوات والإمكانيات العلمية والبحثية لهم.. ولا بد لكل هذا، من تمويل ضخم جدًّا، لا يمكن وجوده في ظل اقتصاد منهار، فصار واجب الوقت -أولاً وقبل كل شيء- هو توجيه كافة الفصائل والتيارات والقوى، إلى إنعاش الاقتصاد، وتنشيط الوقفيات العلمية للإنفاق على البحث العلمي.. ومن هنا يبرز دور مؤسسات المجتمع المدني في هذا الحراك الحضاري.

ترويجٌ يفضي إلى التشكك

والدعوة والإعلان والترويج لما يسمى بالمشروع الإسلامي -قبل تصنيعه واستنباطه من ينابيعه- أمر في غاية الخطورة؛ لأنه يدعو الناس إلى شيء، ثم عند إقبالهم وقبولهم يفاجؤون بأنه لا إجابة لمشكلات  عصرهم، أو يفاجؤون بإجابات مرتجلة هزيلة، أو بجهل مطبق بالواقع، مما يفضي بالناس إلى التكذيب والتشكك في وجود أي طرح إسلامي صالح لتسيير حركة المجتمع وحياة البشر، ويجعل الناس غير قابلين لتصديق أي طرح إسلامي آخر بعد ذلك. إن الدعاية لشيء قبل تصنيعه، يمثل خطرًا كبيرًا جدًّا.

كل هذا، في ظل وجود تجارب في مناطق مختلفة، آلت في معظمها إلى الخراب والدمار والتفكك والتراجع لمجتمعاتها وأوطانها، وجعلت كثيرًا من المفكرين والباحثين ينفرون من أيِّ أطروحة تتكلم عن مشروع إسلامي؛ لأن كل التجارب السابقة كانت نتائجها مريرة.. والسبب؛ في عدم قيامنا حتى الآن بصناعة المنتج الفلسفي والفكري والتنظيري والتطبيقي، للأصول التي يمكن أن تنهض على أساسها أمة، مع اعتمادنا على شدة حضور أصولها في نصوص هذا الدين وأطروحاته، فحصل عندنا انتقال ذهني من حضور أصولها في ينابيع الدين ومعادنه العليا، إلى مظنة أن مجرد أصولها يكفي في ترويجنا لها، وغفلنا عما يستوجبه ذلك من قيامنا كأمة، بالتصنيع والتنزيل والتخريج والتشييد لكافة إشكاليات العصر وفق تلك الأصول.

غياب الأخلاق والقيم

يضاف إلى ما سبق -من العجز الذي وقعت فيه الأمة منذ زمن عن تنزيل معالم الدين بما يكفل استخراج أجوبة عن كافة إشكاليات العصر- أمر آخر شديد الأهمية، ألا وهو الغياب التام لأخلاق هذا الدين وقيمه، وبروز شراسة النفوس المريضة التي تلوح لبقية المجتمع بالتنكيل والويل والثبور في الوقت الذي تدعي فيه تقديم المشروع الإسلامي، مع العجز عن صناعة جزئياته، مما صنع عند المجتمع صورة شديدة السلبية، آلت عند بعض الناس إلى تكذيب الله ورسوله، ودفعت البعض إلى الإلحاد.

إن الشرع الشريف يشبه منجمًا حافلاً بالمعادن النفيسة والجواهر النادرة، لكن سريان هذا الجواهر إلى واقع الناس يحتاج إلى صناعة ثقيلة وإلى علوم ومهارات متعددة؛ فيحتاج إلى الحفر والتنقيب، وإلى عمال المناجم، وإلى النقل وإلى التعدين والصهر، والطرق والسحب، انتهاء بتصنيع الأدوات الدقيقة، والآلات الصغيرة التي هي الأجوبة النهائية على مشكلات العصر. فنحن في حاجة إلى إعادة تشغيل التروس والماكينات والمصانع التي تأخذ هذه المواد الخام -المتمثلة في نصوص الوحيين- وتقوم بتصنيعها، لإخراج المنتج الذي يلبي احتياجات العصر.

ومشكلتنا هي أن التروس والآلات التي تصنع المنتج، قد امتلأت بالصدأ ولم تعمل منذ زمن، والذي يشير إلى ذلك كله هو قول الله تعالى: (وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ)(النساء:83)؛ فالاستنباط صناعة ثقيلة قائمة على التوليد والتصنيع والتخريج والإلحاق، حتى تتولد وتتأسس وتنشأ الإجابة عن أسئلة العصر ومشكلاته، بما يحقق مقاصد الشرع الشريف، ويحقق رخاء  الإنسان وإسعاده في الدارين، ويسترسل به نور العلم على المجالات المختلفة، والعلم الذي خوطب به العباد رحمة وراحة.

التجارب السابقة اجتهدت في القيام بواجب زمانها، ونحن نحتاج اليوم إلى الوقوف على مناهجهم دون مسائلهم فقط، لأن كثيرًا من تلك المسائل مرتبط بظروف عصرهم فلا تقدم أجوبة لإشكالات عصرنا هذا، لكنها مشتملة على مناهج صالحة للتعامل مع الوحي المجرد المتعالي على الزمان. ثم لا بد أيضًا من الاستفادة من تجارب العلماء الأجلاء الذين سلكوا هذا المسلك، ووقفوا على  هذا البرزخ الفاصل، والذين اجتهدوا قدر وسعهم في القيام بواجب زمانهم.

هذا العمل الضخم الواسع المترامي الأطراف، يشبه مراحل الصعود في تاريخ الأمم كلها، حيث تكون فترة طويلة ممتدة، ومرهقة وشاقة، تعكف فيها كل أمة أو حضارة على استرجاع هويتها وأصولها، وتعكف على الاختيار والانتقاء مما هو محيط بنا من التراث العالمي، وذلك من خلال عيونها المتمثلة في الخبراء والعلماء والكفاءات الكبيرة النادرة، في كافة المعارف والعلوم مع براعة في تركيب نتاجهم، بحيث يتأيد بعضه ببعض، ويفضي إلى صناعة رؤية واختيار لهذه الأمة، صالح للتفاعل مع نظم العالم من حولنا.

(*) مستشار رئيس الجمهورية للشؤون الدينية / مصر.

 

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.