من معاني وأهداف التجديد في الفكر الإسلامي، الرجوع بالدين الإسلامي إلى سابق عهده نصًّا وفهمًا والتزامًا وتبليغًا، من أجل تحقيق مراد الله تعالى ورسوله، وفق نموذج تطبيقي عرفته الأمة الإسلامية، وهو أنموذج الرعيل الأول من الصحابة بشهادة الرسول صلى الله عليه وسلم نفسه في قوله: “أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن تأمّر عليكم عبد، فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا، فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين، عضّوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل بدعة ضلالة” (رواه أبو داود).

الحاجة إلى التجديد

فالأمة الإسلامية دائمًا في أمس الحاجة إلى مجددين ومصلحين في كل زمان ومكان، يجددون أمر الدين والعقيدة، تجديدًا يخص مواطن الانحراف والفساد والضلال، وإحياء منهج خاتم الأنبياء في الدعوة إلى الإيمان بالمفهوم القرآني، ووضع منهجية جديدة تساير العصر الحديث، دون المساس بالثوابت القطعية التي أقرها القرآن والسنة وإجماع الأمة.

ومما ثبت في الأثر عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دِينها” (رواه أبو داود).

وما يقوم به المصلح والمجدد فتح الله كولن في هذه الأيام من عطاء متجدد، يدخل في معنى الحديث النبوي؛ حيث تتعرض الأمة الإسلامية لتحديات عويصة من الداخل والخارج. منهجية فتح الله كولن في العمل، هي التركيز على الأفكار الصحيحة والابتعاد عن المسائل الخلافية. وقد تميز خطابه بالبساطة والسهولة، ليكون أنفع وأسرع إلى الأذهان، وأبعد عن الملل والسآمة. ويتناول خطابه جوانب مختلفة، كالجانب الاعتقادي، والجانب الفكري، والجانب الاجتماعي، والجانب التعليمي.. مع شمولية في الخطاب لمختلف فئات المخاطبين رجالاً ونساءً، صغارًا وكبارًا. كما أن خطاب الأستاذ كولن خطاب عملي، فالأستاذ في الوقت الذي يكتب أفكاره، يدعو محبّيه إلى التطبيق الميداني. فقدوته في ذلك، النبي صلى الله عليه وسلم الذي يقول: “إن الله لم يبعثني معنتًا ولا متعنتًا، ولكن بعثني معلمًا ميسّرًا” (رواه مسلم).

فكان خطابه يحمل عدة خصائص في الوقت نفسه، حيث يتميز بالانفتاح والتجديد، ويجافي الجمود والانغلاق، ويحافظ على الهوية التي ينتمي إليها، إضافة إلى الانتماء إلى الأمة الإسلامية وما تمتاز به من خصائص تشترك فيها كل الأعراق والأجناس مهما كانت ما دام الإسلام يجمعها.

العقيدة الفاعلة

والخطاب العقدي عند الأستاذ فتح الله كولن، يستمد خصوصيته من الخطاب القرآني والنبوي؛ يخاطب الجماهير بما يفهمون، ويعجل بالتغيير والإصلاح كمن يعجل بالدواء للمريض؛ لإحياء القلوب اليائسة والحائرة، وبعث روح الإيمان الصحيح المولد للطاقة الفاعلة في المجتمع، وتطهير العقيدة مما علق بها من الشرك والأوهام والأباطيل التي شوهتها وجعلت الدين كما لو كان مضادًا للعقل.

فهو يدعو من خلال خطبه في المساجد والنوادي، ومقالاته التي ينشرها في الصحف والمجلات، إلى إصلاح العقائد الإسلامية، وشرح المصطلحات، وحل القضايا، على نمط القرآن والسنة بوضوح، وبمنهجية علمية بعيدة عن الآراء الفلسفية التي تَعب الأوائل في وضعها وأتعبوا الناس في فهمها.

فالمصلح فتح الله كولن، يعتبر أن إصلاح فهم العقيدة هو جوهر كل أنواع الإصلاح. إنه إصلاح فهم المسلمين لعقيدتهم، وربط هذا الفهم بالواقع. وأكثر من ذلك، فهو لا يريد تعريف المسلمين بعقيدتهم فحسب، وإنما يريد أن يسترجع فاعليتها وقوتها الإيجابية، وتأثيرها الاجتماعي. فهو يرسخ العقيدة الإسلامية في النفوس، باعتبار أن الإيمان هو المحرك الفاعل في تكوين الذات وبلورة الشخصية التي تنطلق لتحقيق أهداف العملية التربوية والتعلمية برمتها، ويتحول المسلم إلى عنصر إيجابي في مجتمعه، ينهض في بناء حضارة أمته.

وما يميز الخطابَ العقدي عن غيره، كونه خطابًا يعتمد على الحجة والبرهان والأدلة النقلية والعقلية، فهو يجمع بين المعرفة العقلية والمعرفة الوجدانية، كما أنه يزيل التعارض بين الوحي والعقل.

ومن هنا نستطيع أن نقول: إن هاجس فتح الله كولن في دراسته قضايا ومسائل العقيدة والتوحيد، كان هاجسًا إصلاحيًّا تغييريًّا عمليًّا، ولم يكن هاجسًا معرفيًّا محضًا مثل معظم الدعاة والمصلحين. وأهم ما تميز به في إصلاحه العقدي، استفتاح خطاباته بالحمد والشكر لله تعالى على نعمة العقيدة الإسلامية والقرآن الكريم، والصلاة والسلام على النبي صاحب الرسالة وأكرم الرسل. وفي معرض حديثه لا يلجأ إلى حشد المصطلحات الكلامية أو الفلسفية التي لا يفهمها الناس، وهذا ما جعل الناس يلتفون من حوله، ويقرؤون مقالاته وكتاباته لما لها من فائدة عامة. ونلاحظ في أسلوبه الاهتمام -بالدرجة الأولى- بإصلاح فهم المسلمين لعقيدتهم، وتنبيه الناس إلى فاعليتها ودورها الفعال في تغيير الإنسان، بأسلوب علمي عملي عميق.

مفتاح القلوب

فالإيمان عنده يتعلق بالكلمة المفتاحية لفتح القلوب فيقول: “إن الكلمة المفتاحية لفتح القلوب هي “لا إله إلا الله، محمد رسول الله”، فكل الخصائص الإيمانية -حسب الإسلام- تتأسس على هاتين الجملتين الوجيزتين اللتين هما تعبير عن حقيقة لها وجهان؛ أحدهما: غاية، والآخر: وسيلة. فالإيمان الذي هو كـ”شجرة طوبى” تنشأ من هذه البذرة، فتغطي -بما تؤتيه من ثمار المعرفة- سماءَ أحاسيسِ الإنسان وشعوره وإدراكه، ثم تتحول العلوم والمعارف كلها عشقًا واشتياقًا وحرصًا بدفق وهمّة باطنيتين وشعورٍ وحسٍ داخليين، ليلف كل ذلك الإنسانَ من كل جهة، فيحوِّله إلى إنسان جديد مرتكز على محور الوجدان.. فتنعكس هذه الحالُ على كل سلوكيات هذا الإنسان العاشق المشتاق. وتَحمل عبادتُه وطاعتُه سماتٍ ترتسم بخطوط هذه العلاقة والرابطة وذلك العشقِ والاشتياق، وتصير مناسباتُه البشرية انعكاساتٍ لهذه اللدنية”.. وهكذا يواصل كلامه بأسلوب يمزج فيه حقيقة الإيمان بوجدان الإنسان لإزالة التلبد الذي يغشى الفطرة السليمة”.

تلك هي خطة ومنهجية فتح الله كولن في الإصلاح والتغيير، وذلك هو خطابه العقدي المستمد من القرآن والسنة. وكان له صدى في أوساط المجتمع التركي، وساهم مساهمة فعالة في تنويره وإخراجه من أزمته التربوية والفكرية، وما زال صداه يتردد خارج تركيا إلى الآن.

مقررات مادة العقيدة

والسؤال الذي يطرح نفسه على المجتمعات العربية على الخصوص؛ متى ننظر من حولنا نظرة استقرائية فاحصة، ونستفيد من هذه التجارب الناجحة لننتقل من التخلف والحرمان، إلى المجد والحضارة والتقدم؟ ذلك لأن الواقع يشير إلى أن تحصيل علم العقيدة في جامعاتنا، أمسى مطلوبًا للوظيفة لا للعلم. ولو اطلعنا على المقررات الدراسية -وخاصة مقررات العقيدة- نجد أنها أكثر صعوبة من مقررات الرياضيات، والفيزياء، والكيمياء.. وأمست العقيدة في حس الكثيرين تعني التعقيد بسبب مصطلحاتها الفلسفية، ولم تعد العقيدة تبعث في كثير من الأحيان على الاطمئنان القلبي والاستقرار الفكري والتفاعُل السُّلوكي، بل على الشك والتردُّد الذي عاناه كثير من الفلاسفة والمتكلِّمين قديمًا، وسجلوا اعترافاتهم بذلك. فمادة العقيدة عبارة عن جدل ونقاش لا يكاد ينتهي، وافتراضات لا يكاد يتصوَّرها عقل، ثم أجوبة واعتراضات، وأجوبة تلك الاعتراضات، واعتراضات تلك الأجوبة وأجوبتها.. وهكذا إلى ما لا نهاية. فإغفال جانب التأسيس العقدي لكثير من الأمور العملية السلوكية، كان سببًا في هذا الواقع المرير الذي يعيشه المسلمون، المتمثل في إقصاء العقيدة الصحيحة عن كثير من مظاهر الحياة الاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية، حتى صار لديهم استعداد نفسي لتقبل الفلسفة العلمانية.

وهذا الأمر ينذر بانهيار المجتمع والتخلف الحضاري. فما أحوجنا إلى الاقتداء بمنهج فتح الله كولن في الإصلاح التربوي والتعليمي في مدارسنا ومعاهدنا، خصوصًا وقد أثبت نجاحه في واقع الناس، واستطاع أن يؤثر في الفرد والمجتمع، وأن يخرج على يديه نخبة من مجتمع الخدمة، الذين ساهموا في نشر العقيدة الإسلامية تأثيرًا وجدانيًّا وسلوكًا عمليًّا، بالإضافة إلى نشر العلم والمعرفة في أرجاء العالم.

 

(*) باحث في الدراسات الإسلامية والإعجاز / الجزائر.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.