ظهرت عدة تعريفات واستخدامات للتنمية المستدامة، فالبعض يتعامل مع التنمية المستدامة كرؤية أخلاقية تناسب اهتمامات وأولويات النظام العالمي الجديد، والبعض يرى أن التنمية المستدامة نموذج تنموي وبديل عن النموذج الصناعي الرأسمالي، أو ربما أسلوباً لإصلاح أخطاء وتعثرات هذا النموذج في علاقته بالبيئة. ولكن هناك من يتعامل مع التنمية المستدامة كقضية إدارية وفنية بحتة للتدليل على حاجة المجتمعات الإنسانية المتقدمة والنامية إلى إدارة بيئية واعية وتخطيط جديد لاستغلال الموارد.

والتنمية المستدامة كما عرفها برنامج الأمم المتحدة للبيئة فهي: “التنمية التي تلبي حاجات الحاضر دون المساومة على قدرة الأجيال المقبلة في تلبية حاجاتهم. وهى تحتوي على مفهومين أساسيين، الأول: مفهوم الحاجات وخصوصاً الحاجات الأساسية لفقراء العالم، والتي ينبغي أن تعطى الأولوية المطلقة، والثاني: فكرة القيود التي تفرضها حالة التكنولوجيا والتنظيم الاجتماعي على قدرة البيئة للاستجابة لحاجات الحاضر والمستقبل”.

أهداف التنمية المستدامة:

  • صيانة قاعدة الموارد الطبيعية وحمايتها، من منطلق أنها تعتبر الرصيد الاستراتيجي للتنمية المستدامة .
  • إنعاش النمو الاقتصادي، مما يتسنى له الاستمرارية والتواصل، من خلال تغيير أنماطه وتوجهاته في الإطار البيئي السليم .
  • إعادة توجيه التقنيات المعاصرة، بما يحقق ما يمكن أن يطلق عليه التقانة الحميدة أو المرشِّدة بيئياً.
  • تلبية الحاجات الأساسية للإنسان من غذاء وطاقة وموارد مياه عذبة وغيرها، بالقدر الذي لا يفسد البيئة، ولا يؤدي في الوقت ذاته إلى تدهورها واستنزافها من أجل الأجيال القادمة.

وجاء المنهج الإسلامي في التنمية ليعيد الأشياء في المجتمع الإنساني إلى طبيعتها، ويرد قضية التنمية إلى عمادها وغايتها، وهو الإنسان؛ لكي يستطيع باستمرار القيام بتبعة العبادة، التي تشمل جميع أعمال الإنسان، وعلى رأسها إعمار الأرض وفقاً لشرع الله، وهو ما يصبغ عملية التنمية وفقاً لهذا المنهج بالاستمرارية المستمدة من استمرارية وجود الإنسان.

 

تدابير التنمية المستدامة وفقًا للمنهج الإسلامي:

  1. تدابير حفـظ وصيانة الموارد البيئية: ومنها حماية البيئية من الأذى والسلوكيات الضارة، ومكافحة التلوث، والنهي عن الإسراف والاستخدام في غير حاجة الإنسان ونفعه.
  2. تدابير إدارة وتنمية وتكثير الموارد البيئية: ومنها الحث على العمارة والتعمير، والغرس والتشجير، وإحياء الأرض الموات، وإنشاء الحمى والمحميات.
  3. تدابير تحقيق المساواة والعدل في توزيع الموارد والثروات ومراعاة حقوق الأجيال القادمة في الانتفاع بموارد البيئية، من خلال التأكيد على صفة الإنسان كخليفة منتفع بالموارد، والصدقات الجارية، والوقف الخيري…

ويلاحظ أن عملية التنمية وفقًا لهذا المنهج لم تؤسس على الأبعاد المادية والمؤشرات الاقتصادية المجردة فحسب، وإنما تجاوزتها إلى الأبعاد الروحية ذات المنطلقات الإيمانية. فقد روى الإمام أحمد في مسنده والبخاري في الأدب المفرد عن أنس رضي الله عنه قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إذا قامت الساعة، وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها فاليغرسها”، وكما روى الإمام مسلم عن جابر مرفوعًا في صحيحه: “ما من مسلم يغرس غرسًا، إلا كان ما أكل منه له صدقة، وما سرق منه له صدقة، وما أكل السبع منه له صدقة، وما أكلت الطير فهو له صدقة، ولا يرزأه (يأخذ منه) أحد إلا كان له صدقة” وفي رواية “إلى يوم القيامة”.

الرؤية المقاصدية للتنمية المستدامة:

وتدخل الاستدامة في نظرية المقاصد بتحقيق العدل وحفظ المال بمراتبه، من حفظ بقاء لحفظ أداء لحفظ نماء. والقيم الأخلاقية لا تقتصر على المسؤولية تجاه الأجيال بل المسئولية أمام الله بالأساس عن الموارد والكائنات، يقول ابن كثير في تفسير قول الله تعالى: (كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي)(طه:81)، أي كلوا من هذا الرزق الذي رزقتكم، ولا تطغوا في رزقي فتأخذوه من غير حاجة. وروى الأمام البخاري عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: “لولا آخر الناس ما فتحت قرية إلا قسّمتها كما قسّم رسول الله صلى الله عليه وسلم،خيبر”، وروى أبو عبيد في كتاب الأموال، أنه حينما طٌلب من عمر رضي الله عنه أن يُقسّم سواد العراق أبَى وقال:”فما لمن جاء بعدكم من المسلمين؟”.

وهناك معاني كالشراكة والمساواة والتواصل تظهر واضحة جلية في قول الله تعالى في سورة فصلت:(وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ)(فصلت:10). فالموارد مقدرة، والانتفاع بها مكفول لجميع الناس؛ ولذا فإنه ينبغي أن تراعى فيها مصالح الشراكة، التي لا يغيب عنها حقوق الأجيال القادمة في البقاء والانتفاع.

سورة يوسف ودروس في التنمية المستدامة

وقد نقل القرآن عدة إشارات مهمة في تخطيط إدارة الموارد والأزمات البيئية وتحقيق أهداف التنمية المستدامة في سورة يوسف، فقد تضمنت السورة عدة إشارات مهمة للأهداف التي ترنو إليها التنمية المستدامة حيث مرت مصر بأزمة بيئية استمرت زهاء خمسة عشر عاماً إبان حكم الهكسوس الذين شمل حكمهم الأسرتين الخامسة عشر والسادسة عشر(1774-1567ق.م.

وتضمنت الآيات إشارات مهمة لتدابير وركائز التنمية الاستدامة في ثوبها المعاصر، فألمحت إلى أسس علم الاستشراف الاقتصادي، والتي تمثلت في: النظرة أو الرؤية، والاستراتيجيات، ورسم السيناريو المرغوب، والتنبؤ؛ وكلها مركبات لعلم الاستشراف مقدم في “خلاصة تامة” هي مبتغى الدراسات الاستشرافية  La Synthèse FT، كما تجدر الإشارة إلى أن السيناريو المقدم من طرف نبي الله يوسف عليه السلام هو من السيناريوهات الحديثة المعروفة باسم: “السيناريو المستدام”. ومن التدابير المهمة التي ركزت عليها الآيات:

أ- العمل الدائب الذي لا ينقطع: كما جاء في قوله تعالى: (تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا)(يوسف:47).

ب- حفظ الموارد بترشيد الاستهلاك وحفظها من التلف: كما قال تعالى:)فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ)، وهذا من شأنه تقليل الاستهلاك إلى أدنى حد ممكن، وكذلك حفظ الحبوب من التسوس والعوامل الجوية بطريقة مبتكرة بما يتفق وتوجيهات التنمية المستدامة للأخذ بالتقنيات الحميدة في حماية وإثمار الموارد البيئية، فقد ثبت أن التخزين بإبقاء الحبوب في سنابلها هو أحسن التقنيات والأساليب المستخدمة في حفظها من غير أن ينال منها الزمن.

ج- إدارة الموارد وتنميتها بتحقيق فائض إنتاجي: كما جاء في قوله تعالى: (يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ) وتحقيق هذا الفائض ليس هدفًا في ذاته، وإنما لابد من حسن توظيف لهذا الفائض في العملية الإنتاجية، لتوليد مزيد من الفائض يساعد بدوره على إعادة الإنتاج وتحقيق الرخاء، يقول تعالى:(ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ)(يوسف:49).

د-تلبية الاحتياجات وعدالة التوزيع: فقد قسّم يوسف عليه السلام المكاييل بالعدل، وكان يشرف بنفسه على توزيع الأقوات، ولم ينس أهل البلدان التي امتدت إليها المجاعة،كما كان يوسف عليه السلام يشارك الناس في ما هم فيه، فكان يأكل ولا يشبع، وكان يقول: أخشى إن شبعت أن أنسى الجياع!.

البعد الإيماني للتنمية المستدامة

ويتجلى البعد الإيماني في خطط التنمية المستدامة، وهو ما يضفي على الرؤية  الإسلامية تفردًا وخصوصية مقارنة بالرؤى المادية الوضعية والاقتصادية البحتة، فحفظ حقوق الأبناء في الموارد والثروات يرتهن أحيانًا بصلاح آبائهم، يظهر ذلك بجلاء في آيات سورة الكهف، قال تعالى:(وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا)(الكهف:82). فالموارد ليست حقوق مكتسبة وإنما هبات ونعم، من أجراها وحفظها هو وحده الذي يستطيع حبسها وسلبها، وهذه النعم حين لا يقارنها الشكر فهي مهددة بالزوال، قال تعالى: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ)(إبراهيم:7). وهذه سنة الله ووعده الصادق، الذي لابد أن يتحقق على أية حال.

وقدجعلت الشريعة الإسلامية جريان الأجر للميت متعلق بمنفعة الأجيال القادمة، فالمسلم نفعه متحقق في حياته ومماته، وما يتركه في الدنيا من منافع عامة قبل موته مثال واقعي وعملي للاستدامة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال:  قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:”إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له” (صحيح مسلم)، والجريان هنا بمعنى الاستدامة، والصدقة الجارية هي كل صدقة يجري نفعُها ويدوم أجرُها، كالوَقف وحفر الآبار وغيرهما من وجوه الخير.