لقد أحدث التقدم التكنولوجي المستمر تغييرات كثيرة في عناصر البيئة، نتج عنه مشاكل بيئية في العالم المتقدم والنامي على حد سواء، مثل تدهور مصادر المياه، والإخلال بالتنوع البيولوجي، والإخلال بالمناخ، وانتشرت وزادت نتيجة لذلك؛ الأمراض الناجمة عن التلوث البيئي، وغيرها من المشكلات البيئية التي لها علاقة بنوعية الحياة السائدة التي يعيشها الإنسان المعاصر. والبيئة لها علاقة بشتى أنواع الكائنات والتربة والغلاف الجوي والمياه.. أيْ أن البيئة هي المجال الحيوي الذي يعيش فيه الإنسان ويحيا ويتفاعل معه.
والعلاقة وطيدة بين الإنسان والبيئة. ومن هنا كان الاهتمام الإسلامي بالعناية بالبيئة، لكون الإسلام دينًا شاملاً متكاملاً؛ فلقد اهتم بتهيئة البيئة ونقائها وتنقيتها، واهتم بكافة الموضوعات والمحاور البيئية، تأكيدًا لحق البشر في بيئة نظيفة خالية من التلوث، ومنها خلافة الإنسان في الأرض، وتسخير الأرض وتمهيدها، وتسخير البحار والأنهار، وتسخير الأنعام وغيرها من المخلوقات، والعلاقة الخاصة بين الإنسان والأنعام، وتسخير الرياح والحفاظ على الماء كعصب للحياة، وحفظ النوع والسلالة، وصحة البيئة، وغيرها من الموضوعات.
والبيئة في المفهوم الإسلامي، تعني جملة الموارد التي خلقها الله لينتفع بها الإنسان من أرض وسماء وهواء، وأنهار وبحار وأشجار، وبالجملة فهي شاملة للنعم الظاهرة والباطنة. وانطلاقًا من هذا المنظور، فإن مفهوم البيئة في الإسلام يتجاوز الأبعاد الزمانية والمكانية والإنسانية، فهو شامل لكل الموارد الكونية التي تنتظم في إطار العلاقة التي حددتها الشريعة الإسلامية لتنظيم أصول التعامل الإنساني مع المكونات البيئية.
إذن، ليس ثمة شك أن الرسالة الإسلامية الخالدة -من منطلق كونها خاتمة الرسالات السماوية إلى البشرية كافة- اهتمت بالبيئة اهتمامًا كبيرًا، من منطلق أنها ميراث الأجيال المتلاحقة، حيث أودع الله فيها كل مقومات الحياة للإنسان المستخلف فيها.. كما أرسى الإسلام الأسس والقواعد والمبادئ التي تضبط وتقنن علاقة الإنسان ببيئته، لتتحقق من خلالها العلاقة السوية والمتوازنة التي تصون البيئة من ناحية، وتساعدها على أداء دورها المحدد -من قبل الخالق العليم- في إعالة الحياة من ناحية أخرى.
لقد أضحى تفاقم المشكلات البيئية في العالم أجمع، وما ترتب عليها من مخاطر، تهدد كل الكائنات على السواء، أصبح من الأمور التي تستوجب من الجميع المشاركة الفاعلة في مواجهة تلك المشكلات البيئية، سواء أكانت مشكلات بيئية على المستوى المادي؛ مثل تلوث الهواء، وتلوث الماء، والتلوث الإشعاعي، والتلوث الضوضائي، وتلوث التربة، وتلوث الغذاء.. أم مشكلات معنوية مثل التلوث الخلقي، وتلوث الثقافي، وتلوث السياسي، وتلوث الاجتماعي.. ومع تسليمنا بأن النمط الثاني (التلوث المعنوي) يعتبر الأساس بل والأخطر على البيئة من كل الأنواع الأخرى، بل ويستوجب اهتمامًا خاصًّا من كل الجهات المعنية على مستوى الحكومات، أو مستوى الهيئات الرسمية وغير الرسمية.
حقوق البشر البيئية
لقد نزل القرآن في عصر انتشار الجهل وشيوع الخرافة، والكهانة، والسحر، والتنجيم في العالم كله، وكان للعرب النصيب الأوفى من هذه الجاهلية والأمية.. وعندما دخل الإنسان في عصر الاكتشافات العلمية، وامتلك أدق أجهزة البحث العلمي، وتمكن من حشد جيوش من الباحثين في شتى المجالات، يبحثون عن الأسرار المحجوبة في آفاق الأرض والسماء، وفي مجالات النفس البشرية، يجمعون المقدمات ويرصدون النتائج في رحلة طويلة عبر القرون، ولما أخذت الصورة في الاكتمال والحقيقة في التجلي، وقعت المفاجأة الكبرى بتجلي أنوار الوحي الإلهي، الذي نزل على محمد رسول الله صلى الله قبل أكثر من ألف وأربعمائة عام بذكر تلك الحقيقة في آية من القرآن أو بعض آية، أو في حديث لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو بعض حديث؛ بدقة علمية وبيئية معجزة، وعبارات مشرقة وعلمية وبلاغية في الوقت نفسه، وأكد على حقوق البشر والكائنات الحية في البيئة النظيفة، وبهذا أنبأنا القرآن، حيث قال تعالى: (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ * سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ)(فصلت:52-53). لنتدبر معاني هذا النص القرآني العظيم: فما ظهر من نواحي الفلك وأطراف الأرض وآفاق السماء (نواحيها)، وآيات الله في آفاق الأرض والسماء تحمل معاني ثلاثة:
المعنى الأول: المخلوقات التي خلقها الله في شتى آفاق الأرض والسماء، مثل قوله تعالى: (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ)(الشورى:29).
المعنى الثاني: آيات القرآن التي تخبر وتصف أنواع المخلوقات، وهي آيات كثيرة.
المعنى الثالث: البينات والمعجزات التي يظهرها الله تصديقًا لرسوله الأكرم في شتى آفاق الأرض والسماء برؤية مصداقها من حقائق الخلق حينًا بعد حين، قال الشوكاني عند تفسير الآية: سنريهم صدق دلالات صدق القرآن، وعلامة كونه من عند الله في الآفاق -أي في النواحي- وفي أنفسهم.. وقال ابن كثير: أي سنظهر لهم دلالاتنا وحججنا على كون القرآن حقًّا منزّلاً من عند الله على رسول الله صلى الله عليه وسلم بدلائل خارجية في الآفاق.. وقال الزمخشري: ومعناه أن هذا الموعود من إظهار آيات الله في الآفاق وفي أنفسهم سيرونه ويشاهدونه، فيتبينون عند ذلك أن القرآن تنزيل عالم الغيب، الذي هو على كل شيء شهيد، أي مطلع ومهيمن يستوي عنده غيبه وشهادته، فيكفيهم ذلك دليلاً على أنه حق وأنه من عنده(1).

أرسى الإسلام الأسس والقواعد والمبادئ التي تضبط وتقنن علاقة الإنسان ببيئته، لتتحقق من خلالها العلاقة السوية والمتوازنة التي تصون البيئة من ناحية، وتساعدها على أداء دورها المحدد في إعالة الحياة من ناحية أخرى

وبهذا قال كثير من المفسرين عند تفسير قوله تعالى: (حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ)( فصلت:52)، وقال أبو العباس بن تيمية: وأما الطريق العياني فهو أن يرى العباد من الآيات الآفاقية والنفسية، ما يبين لهم أن الوحي الذي بلغته الرسل عن الله حق، كما قال تعالى في هذه الآية. وقال عطاء وابن زيد أيضًا: في “الآفاق” يعني أقطار السموات والأرض من الشمس والقمر والنجوم والليل والنهار، والرياح والأمطار، والرعد والبرق والصواعق والنبات والأشجار والجبال والبحار وغيرها.. وكلها آيات بيئية. فهذه آيات الله في كتابه تتحدث عن آياته في مخلوقاته، وتتجلى بمعجزة علمية بينة تسطع في عصر الكشوف العلمية في آفاق الكون.
وإذا كان القرآن الكريم والسنة النبوية قد بينت بوضوح، الحقوق البيئية للإنسان والحيوان والطير والنبات، وتصدت لأي إفساد أو تلوث للبيئة الطبيعية الخلابة التي خلقها لنا ربنا سبحانه، فإن الهمّ البيئي لم يعد أمرًا داخليًّا يخص دولة بعينها، ولكنه أصبح أمرًا له بعد عالمي؛ فالبيئة لا تعرف حدودًا سياسية، ولقد أصبح لزامًا على المجتمع الدولي، أن يتعامل مع قضايا البيئة خارج إطار حدود الدول والأطر السياسية(2).. ولهذا، كانت البيئة ومكافحة الأوبئة، ومكافحة المخدرات، وحقوق الإنسان، من ضمن مميزات عصر العولمة التي تتكاتف فيها جميع الدول لمعالجتها، لأنها أصبحت قضايا ذات طابع عالمي تتطلب مواجهتها التكاتف العالمي.. ومن هنا تظهر الآية الكريمة: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)(الروم:41)؛ ففساد البيئة لم يظهر إلا بأيدي الناس، ولن ينتهي إلا بالرجوع الإنساني إلى الحق وعدم الفساد، أي بالتكاتف العالمي الذي يتطلبه عصر العولمة.

(*) رئيس تحرير مجلة مجلتنا، ووكيل وزارة بالهيئة العامة للاستعلامات وزارة الإعلام / مصر.
الهوامش
(1) العلم كما أعرفه (وقل رب زدني علما)، أبو الوفا أحمد عبد الآخر، القاهرة، مجلة المسلم، مجلة العشيرة المحمدية، العدد: الثالث، السنة: الأربعون (مارس-إبريل 1996م)، ص:25-27.
(2) البيئة وقضايا التنمية والتصنيع، أسامة الخولي، تقديم مصطفى طلبة، الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، سلسلة عالم المعرفة، رقم:285، سبتمبر 2002، ص:22-23.