في أنهار ومستنقعات وسط أفريقيا، وفي منطقة نهر الأمازون الجنوبية، تعيش بعض أنواع “الأسماك الرئوية”. وعند حلول موسم الحرارة والجفاف، تلجأ لصنع كهوف أو ملاجئ في وحْل القاع، وتظل صائمة خلال الموسم مُخفضة عملياتها الأيضية لأدنى مستوياتها.

وفي مراحل صباها الباكرة، تعيش أسماك “السالمون الأحمر” في مياه الأنهار العذبة، لكنها في موسم معيّن تهجر الأنهارَ إلى مياه البحار والمحيطات. وفي عرض البحار تقضي جزءًا من حياتها (نحو 4-7 سنوات). وعند النضج الجنسي والتكاثر؛ تتجمع في شمال الأطلسي بعد سباحة شاقة، تقطع خلالها 4-5 آلاف كيلو متر، لتكمل رحلتها -عدة أشهر- إلى مصبات الأنهار، فيتجه كل نوع إلى موطنه الأصلي.

 

وتبدأ هذه الأسماك صيامها الوحيد بمجرد ترك المياه المالحة. وفي أمكنة مناسبة في النهر تحفر لتضع بيضها، ثم يتم إخصابه خارجيًّا، فتطمره الإناث من طين القاع. وتظل قابعة إلى جواره حتى يفقس.

ثم تلقي الأمهات والآباء نظرات الوداع على صغارها، وتودِّع الدنيا صائمة.
أما السلاحف، فتمارس -على اختلاف أنواعها- نمطًا من الصيام تمتنع فيه عن الغذاء لأشهرٍ كلَّ عام؛ حيث تسكن في أماكن مناسبة، وتعلن بدء الصوم و”موسم البيات”.

لأنها مُزودة بخزانات مائية تعتمد عليها في سباتها الطويل.
ومتنوعة هي طيور البطريق، حيث تختلف في سلوك وضع البيض وتفريخه؛ فبطاريق أديلي -مثلاً- تقضي فصل الشتاء في المنطقة الجنوبية، ومع حلول الربيع تعود قافلة إلى وطنها في الشمال، حتى تصل إلى منطقة التكاثر، وتخرج إلى اليابسة لتبني أعشاشها من الحجارة. وبعد نحو ثلاثة أسابيع تكون قد أتمت التكاثر، فتضع الأنثى بيضتين يتولى الذكر حضانتهما صائمًا لأسبوعين.

وعند فقس البيض وخروج الأفراخ، ينطلق إلى البحر ليفض صومه، في حين ترجع الأنثى فتغذِّي صغارها. أما بطاريق “الإمبراطور” (Aplenodytes Forsteri)، فتقضي فترة الشتاء في المناطق المتجمدة الشمالية، وتضع الإناث بيضها، لا على الثلج ولكن على قدميها، لتعزلها وتدفئها بجسمها. وتستمر على هذا الوضع صائمة، حتى تتم الحضانة بصورة كافية ويذوب الجليد.

وعند نمو الصغار، فإنها تصوم أيضًا عن الطعام حتى يسقط عنها الزغب ويكتسي جسمها بالريش؛ وبعد ذلك تنزل الماء وتعلن نهاية صومها. أما الطيور الكبيرة فتصوم مرة ثانية عند استبدال ريشها القديم بآخر جديد؛ فتعود إلى البحر بحلتها الجديدة.

وتقوم طيور “القطقاط الذهبي” بالهجرة من موطنها في كندا إلى أمريكا، في رحلة متصلة تبلغ نحو ثلاثة آلاف ميل فوق المحيط الهادي. ولمواصلة هذه الرحلة الشاقة، تدخل في “صيام إجباري” ليل نهار ولمدة تصل لثلاثة عشر يومًا. وما إن تصل لبغيتها حتى تستريح بعض الوقت وتستعيد أنفاسها، ثم تتناول طعامها بشهية زائدة، وتدّخر القوة لرحلة العودة من جديد.

المصدر: مجلة حراء العدد 54

About The Author

ناصر أحمد سنه

أستاذ الجراحة والتخدير والأشعة ـ كلية الطب البيطري ـ جامعة القاهرة.

Related Posts

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.