مما لا شك فيه أن الاضطراب النفسي إن هو إلا نمط سيكولوجي أو سلوكي ينتج عن الشعور بالضيق أو العجز الذي يصيب الفرد، وهو لا يعد جزءًا من النمو الطبيعي للمهارات العقلية أو الثقافية، وقد تغيرت أساليب إدراك وفهم حالات الصحة النفسية على مر الأزمنة وعبر الثقافات، وما زالت هناك اختلافات في تصنيف الاضرابات النفسية وتعريفها وتقييمها، وذلك على الرغم من أن المعايير الإرشادية القياسية مقبولة على نطاق واسع في الوقت الحالي، كما يتم تصوير الاضطرابات النفسية على أنها اضطرابات في عصبونات الدماغ،
من المرجح أن تكون ناتجة عن العمليات الارتقائية التي يشكلها التفاعل المعقد بين العوامل الوراثية
أو التجارب الحياتية.

الجينات الوراثية ونمو العقل

من المعلوم أن الجينات المورثة للمرض العقلي أو النفسي يمكن أن تكون هي الجينات المسؤولة عن نمو العقل، والتي من المحتمل أن يكون لها نتائج مختلفة بناء على المحيط البيولوجي والبيئي، وقد ذكر أن أكثر من ثلث سكان العالم تعرضوا للإصابة بأحد الفئات الرئيسية من الأمراض النفسية في مرحلة ما من حياتهم، وكثيرًا ما يتم تفسير تلك الأسباب من خلال نموذج الاستعداد والضغط والنموذج الحيوي النفسي الاجتماعي، ويمكن أن يتلقى المصابون بأمراض نفسية الرعاية الصحية اللازمة في مستشفيات الأمراض النفسية أو في المجتمع أي خارج المصحات.

ويقوم الأطباء النفسيون أو الأخصائيون النفسيون الإكلينيكيون بتشخيص الأمراض النفسية بالاستعانة بعدة أساليب، وكثيرًا ما يعتمدون على الملاحظة وطرح الأسئلة في المقابلات التي تتم مع المرضى، ويقدم العلاج للأمراض النفسية الكثير من أخصائي الصحة النفسية، علمًا بأن العلاج النفسي وأدوية الأمراض النفسية خياران رئيسيان لعلاج المريض النفسي مثلهما مثل العلاج الاجتماعي ودعم الأصدقاء والمساعدة الذاتية. وفي بعض الحالات قد يكون هناك احتجاز إجباري للمريض أو علاج إجباري حسبما يسمح القانون بذلك، كما تزيد الوصمة الاجتماعية والتمييز ضد المرضى النفسيين من المعاناة الناجمة عن الاضطرابات النفسية، وقد أدت هذه السلبيات إلى الكثير من حملات الحركات الاجتماعية الداعية إلى تغيير تلك المفاهيم.

اختلافات نفسية بين المجرمين

أكدت إحدى الدراسات الأميركية أن هناك اختلافات نفسية ومعرفية وفكرية واضحة بين المجرمين الانفعاليين الذين يرتكبون جرائمهم تحت تأثير الغضب وفقدان السيطرة على النفس، وبين أولئك المجرمين الذين يخططون لجريمتهم بحذر ودهاء، وقد بينت تلك الدراسة أن المجرمين الانفعاليين لديهم مشاكل عقلية ومعرفية، وخاصة في ما يتعلق بالذكاء والقدرة على محاكمة الأمور، في حين لم يظهر المجرمون المحترفون أو الذين يرتكبون جرائمهم عن سبق الإصرار أي مشاكل عقلية أو فكرية أو معرفية.

وقد شملت الدراسة أكثر من سبعين سجينًا، وتم من خلالها تقييمهم بدقة، حيث قضى الباحثون ساعات معهم، وقاموا بإجراء اختبارات الذكاء والصحة النفسية والعصبية والذاكرة والانتباه، وكذلك المقدرة على تنفيذ المهام، وبينت نتائج تلك الدراسة أن معدل اضطرابات المزاج أو المشاكل النفسية كانت لدى المجرمين المحترفين الذين يخططون لجريمتهم ضعف المجرمين الانفعاليين الذين بدورهم كانوا يعانون أكثر من نقص في المقدرات الفكرية ومعدلات الذكاء.

علاوة على ذلك كان لدى الغالبية العظمى 93 بالمائة من المجرمين الانفعاليين سوابق مثل الإدمان على الكحول وتعاطي المخدرات، وأشار الباحثون إلى أن الهدف من تلك الدراسة هو معرفة أكبر قدر ممكن عن طبيعة تفكير المجرمين ومشاكلهم النفسية والعصبية، والاضطرابات العقلية التي يعانون منها والتي تدفعهم لارتكاب الجرائم، لأن ذلك يساعد في الوقاية من حدوثها، بالإضافة لمساعدة المحاكم وزيادة معارف وإمكانيات القضاة وهيئات المحلفين حول دوافع المجرمين النفسية والعقلية لارتكاب مثل هذه الجرائم العنيفة.

وقد أشارت الدراسات إلى أن الجينات كثيرًا ما تلعب دورًا مهمًا في الإصابة بالاضطرابات النفسية، وذلك على الرغم من صعوبة إثبات وجود ارتباط بين جينات معينة وفئات بعينها من الاضطرابات، ويذكر كذلك أن للأحداث البيئية المحيطة بفترة الحمل والولادة دخل أيضًا في الإصابة بالاضطرابات النفسية، ويمكن أن تزيد إصابات الدماغ المرضية من خطر الإصابة باضطرابات نفسية محدده، وقد تم اكتشاف أن هناك ارتباطًا غير مؤكد بين الاضطرابات النفسية وأنواع معينة من العدوى الفيروسية، وإساءة استخدام العقاقير والصحة البدنية العامة.

اضطراب السيطرة على الدوافع

بات من الواضح أن الأشخاص غير القادرين على نحو غير سوي على مقاومة دوافع معينة أو محفزات يمكن أن تكون ضارة لهم أو لغيرهم، فيمكن تصنيفهم على أنهم يعانون من اضطراب السيطرة على الدوافع، والذي يتضمن أنواعًا متعددة من الاضطرابات الحركية اللاإرادية، مثل مرض السرقة أو اضطراب هوس إشعال الحرائق، هذا بالإضافة إلى أنه توجد أنواع متعددة من الإدمان السلوكي مثل الإدمان على القمار التي يمكن تصنيفها على أنها اضطراب، كما يمكن أن يتضمن اضطراب الوسواس القهري أحيانًا عدم القدرة على مقاومة أفعال معينة، ولكن يتم تصنيفه بشكل منفصل على أنه في المقام الأول اضطراب قلق.

فعندما يستمر تعاطي العقاقير بشكل قانوني أو غير قانوني على الرغم من وجود أضرار بالغة من الاستخدام يمكن تعريفه على أنه اضطراب نفسي ويسمى الاعتياد على المواد المخدرة أو تعاطي المواد المخدرة، وهي فئة أكبر من سوء استخدام العقاقير، ولا يستخدم الدليل التشخيصي والإحصائي للأمراض النفسية في الوقت الراهن مصطلح إدمان المخدرات، ويتحدث التصنيف الدولي للأمراض ببساطة عن التعاطي الضار، قد يكون الاستخدام المضطرب للمواد المخدرة راجع لنمط من الاستخدام القهري أو المتكرر للمخدر ينتج عنه تحمل لآثارها وأعراض انسحابها عندما يقل الاستخدام أو يتوقف.

أرقام حول الاضطراب النفسي

كشفت دراسة مفصلة في أوروبا أجريت في عام 2004م أن حوالي شخص من كل أربعة أشخاص تنطبق عليه أحد معايير الاضطرابات الموجودة في الدليل التشخيصي والإحصائي الرابع للاضطرابات النفسية في مرحلة ما من حياته، وقد تضمنت تلك الدراسة اضطرابات المزاج 13.9 بالمائة، أو اضطرابات القلق 13.6 بالمائة، أو اضطراب الكحول 5.2 بالمائة، وقد انطبق معيار تشخيصي واحد على شخص من كل عشرة أشخاص تقريبًا في غضون عام، وقد ظهرت المزيد من حالات الاضطراب في النساء والشباب من كلا الجنسين، كما كشفت مراجعة أجريت في عام 2005م لمجموعة من المسوح العلمية في 16 دولة أوروبية أن 27 بالمائة من البالغين في هذه الدول يعانون من أحد أنواع الاضطراب النفسي على الأقل خلال فترة لا تتجاوز العام.

الضيق والعجز يستدعيان العلاج

تتداخل المفاهيم الإكلينيكية للمرض النفسي مع القيم الشخصية والثقافية في مجال الأخلاق بقدر كبير، لدرجة أنه في بعض الأحيان يقال إنه من المستحيل الفصل بين الاثنين، دون إعادة تعريف ماهية أن تكون شخص بعينه في مجتمع ما في الطب النفسي الإكلينيكي. يشير الشعور المستمر بالضيق والعجز إلى وجود اضطراب داخلي يستدعي العلاج، ولكن في سياق آخر يمكن أن ينظر إلى شعور الضيق والعجز نفسه على أنه مؤشر على وجود صراع عاطفي، وحاجة إلى التعامل مع المشاكل الاجتماعية والبنيوية.

وقد أدى هذا الانقسام إلى قيام بعض الأكاديميين والأخصائيين الإكلينكيين بتأييد مفهوم ما بعد الحداثة عن الكرب النفسي والصحة النفسية، إذ إن مثل هذه المناهج إلى جانب علم النفس عبر الثقافي ركزت على خبرات وهويات قائمة على الجنس والعرق والثقافة البديلة، وقد وقفت في وضع مغاير لموقف مجتمع الطب النفسي السائد الذي يتجنب دائمًا التعامل مع الأخلاق أو الثقافة. وهناك محاولات في العديد من الدول للوقوف في وجه التعصب الواضح ضد جماعات الأقلية، بما في ذلك العنصرية المؤسسية داخل مراكز خدمات الطب النفسي.

المرضى النفسيون هم الضحايا

لقد ظهر أن عامة الناس لديهم صورة نمطية راسخة عن خطورة الأشخاص الذين يتم وصفهم على أنهم مختلون عقليًّا، والرغبة في البعد الاجتماعي عنهم. وكشف مسح علمي أجري في الولايات المتحدة الأمريكية عن أن نسبة كبيرة من الناس تعتقد أن الأفراد الذين تظهر عليهم أعراض الاضطراب النفسي، من المحتمل أن يتصرفوا بعنف تجاه الآخرين. وهي نسبة أكبر إذا ما تم مقارنتها بنسبة الناس الذين يعتبرون مثل هؤلاء الأفراد مضطربين، وذلك على الرغم من اختلاف الرأي العام أو رأي وسائل الإعلام حولهم. كما أن الدراسات الوطنية أشارت إلى أن المرض النفسي الحاد لا يعني بالضرورة صدور سلوك عنيف في المستقبل من المريض النفسي، وهو في المعتاد لا يشكل سببًا رئيسيًا من أسباب العنف في المجتمعات.

هناك علاقة إحصائية بين المرض النفسي والعوامل المختلفة التي ترتبط بالعنف عند أي شخص، وعلى سبيل المثال تعاطي المواد المخدرة بالإضافة إلى العديد من العوامل الشخصية والاجتماعية والاقتصادية، كما تشير نتائج الأبحاث باستمرار إلى أن الأشخاص المصابين بمرض نفسي أو عقلي حاد ويعيشون في المجتمع سيكونون هم الضحايا لأعمال العنف لا مرتكبيها.

المريض النفسي أقل مصداقية

في دراسة عن الأشخاص الذين تم تشخيص حالتهم على أنها مرض نفسي حاد ويعيشون في قلب المدن الأمريكية، أشارت النتائج إلى أن ربع هؤلاء كانوا ضحايا لجريمة عنف واحدة على الأقل على مدار عام، وهي تعتبر نسبة أعلى 11 مرة من متوسط معدل الجرائم التي يتعرض لها الفرد في مراكز المدن وأعلى من كل فئات الجرائم، بما في ذلك الاعتداءات العنيفة والسرقة. ومع ذلك فإن الأشخاص الذين يعانون من أمراض نفسية أو عقلية يمكن أن يجدوا صعوبة أكبر من غيرهم في ضمان إقامة دعاوى قضائية ضد من اعتدوا عليهم؛ ويرجع ذلك جزئيًا إلى التحيز ضدهم والنظر إليهم على أنهم أقل مصداقية وأقل ثقة. وعلى الرغم من ذلك فإن هناك تشخيصات محدده مثل اضطراب السلوك في الطفولة، أو اضطراب الشخصية المعادية للمجتمع عند الراشدين أو الاضطراب النفسي.

وهي اضطرابات تم تحديدها أو ربطها بالمشاكل السلوكية والعنف، وتوجد نتائج متضاربة حول مدى ارتباط أعراض معينة لاضطرابات بعينها بزيادة احتمالات حدوث أعمال عنف شديد في المتوسط. ومن أمثلة تلك الاضطرابات بعض أنواع الهلاوس أو الأوهام التي يمكن أن تحدث في صورة اضطرابات، مثل الفصام أو الاضطراب التوهمي أو اضطراب المزاج، إلا أنه قد وجد باستمرار أن أغلبية العوامل الوسيطة المؤدية لأعمال العنف تكون في الغالب عوامل اجتماعية ديموغرافية واجتماعية اقتصادية، مثل أن يكون الشخص صغير السن وذكر، أو أن تكون الحالة الاجتماعية والاقتصادية للفرد متدنية للغاية وخاصة مع تعاطي المواد المخدرة بما في ذلك إدمان الكحوليات، وكلها عوامل يمكن أن يكون بعض الناس أكثر عرضة لها.

وتجدر الإشارة إلى أن القضايا المهمة والأكثر شهرة أدت إلى الخوف من أن الجرائم الخطيرة مثل القتل قد زادت بسبب التحرر من المؤسسات، ولكن الأدلة والبراهين لا تدعم هذا الاستنتاج أن أعمال العنف التي تقع، والتي لها علاقة بالاضطراب النفسي ضد المختل عقليًا أو الصادرة عنه تحدث عادة في سياق التفاعلات الاجتماعية المعقدة، وكثيرًا ما تكون في محيط الأسرة وليس بين الغرباء. كما أن أعمال العنف باتت تمثل مشكلة أيضًا في أماكن الرعاية الصحية وفي المجتمع بوجه عام.

(*) كاتب وباحث / مصر.

المصادر

(1) الإرشاد النفسي، د. عبد الرحمن العيسوي، دار الفكر الجامعي، الإسكندرية 1990م.

(2) أسس بناء القيم الخلقية في مرحلة الطفولة، أميرة الديب، مكتبة الأسرة، القاهرة 2002م.

(3) الأمراض النفسية في سؤال وجواب، د. لطفي الشربيني، دار النهضة، بيروت 1995م.

(4) الاكتئاب النفسي مرض العصر، د. لطفي الشربيني، المركز العربي، الإسكندرية 1991م.

(5) علم النفس والجريمة، محمد حسن غانم، الدار الدولية للاستثمارات الثقافية، القاهرة 2008م.

(6) الاتجاهات النظرية في دراسة الجريمة والانحراف، د. عبد العاطي فرج علي، مجلة العلوم الاجتماعية 9 / 2013م.

(7) http://www.ask.com/question/what-is-criminal behavior.

(8) http://annabaa.org/nba52/selook.htm.

(9) http://www.csun.edu/~hcchs006/16.html.

(10) http://en.wikipedia.org/wiki/Crime.

Related Posts

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.