إن أسسًا كثيرة يجب أن تُوقظ وتُنظم في ضمير الفرد وفي سلوكه، ليقوم التكافل الاجتماعي على أساسها، بل لينبعث التكافل منها، والمنظومة التربوية التي اعتمدها الإسلام هي المنوطة بتحقيق هذا كله في الحقيقة.

وتتألف المنظومة التربوية التي اعتمدها الإسلام قصد تحقيق العمل الاجتماعي من الأسس التربوية التالية:

– ترسيخ الإيمان الصحيح

إن ارتباط الضمير الإنساني بالله، هو الركيزة الأساس في أي تربية خلقية ناجحة وعميقة الجذور، وهذا يقتضي أن نتخذ العقيدة الدينية الصحيحة قاعدة أساسية للتربية الفردية أو الجماعية في سبيل تحقيق مجتمع متكافل على الطريقة الإسلامية.

فبناء الإيمان الصحيح هي الخطوة الأولى إذا أردنا أن يكون مجتمعنا مجتمعًا متكافلاً على الطريقة الإسلامية، “فلا يمكن تركيب الإحسان بمفهومه الإسلامي في مجتمع مادي إيمانه بالله مهزوز ولا يخاف الله، ولا يترقب يوم البعث ولا يقيم الصلاة”.

وغرس الإيمان الصحيح أول ما ركز عليه الأنبياء ــ عليهم السلام ــ ونصحوا بها أتباعهم، قال تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ)(سورة النحل- 36) .

إن الإسلام اعتمد منظومة تربوية لتحقيق التكافل الاجتماعي وهي ترسيخ العقيدة الصحيحة، وتربية نفس الإنسان على التقوى والرحمة والإيثار، وغرس الشعور بالأخوة بين المؤمنين، وتربية الفرد على التوسط في النفقات وعدم التبذير، وتحريم الظلم بين العباد.

 

وهذا هو الفارق الجوهري بين نظام التكافل الاجتماعي في الإسلام ونظيره في الأنظمة الوضعية؛ فالتكافل في الإسلام إيماني رباني والمسؤولية فيه مزدوجة دنيوية وأخروية. بينما التكافل في النظام الوضعي مادي بدون روح، اللهم إلا ما فيه من شعور إنساني يحضر ويغيب ولا يترتب عليه شيء.

– تربية نفس الإنسان

من الأسس التربوية الإسلامية تحقيق خدمة التكافل الاجتماعي كتربية نفس الإنسان على الحب، والرحمة، والشفقة والحنان والأخوة في الله، حتى إذا تمكنت هذه المشاعر اللطيفة من نفس الإنسان كانت أقرب إلى التعاون، وأدنى إلى التكافل.

وقد تولى القرآن الكريم خدمة هذه المقاصد النفيسة في آيات كثيرة: منها حرصه على تذكير الناس بالتقوى التي هي رأس الأمر كله فقال تعالى في سورة النساء: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا)(النساء – 1).

وفي ظل الحب والرحمة وتمكن التقوى من القلوب حرص القرآن الكريم على ترسيخ خلق الإيثار والتضحية بما هو عزيز على النفوس في سبيل إسعاد الآخرين، فلابد للتكافل من قوم يؤثرون على أنفسهم، ويضحون بالغالي والعزيز عليهم، فالمجتمع فيه الواجدون والمحرومون، وإذا لم يؤثر الواجدون على أنفسهم، وإذا لم يضحوا بما يملكون لم يقم التكافل، ولم يقم التعاون.

ولقد رسم القرآن الكريم صورة مشرقة للإيثار في نفوس الانصار من أهل المدينة، فقال تعالى: (وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)(الحشر -9).

إن ارتباط الضمير الإنساني بالله، هو الركيزة الأساس في أي تربية خلقية ناجحة وعميقة الجذور، وهذا يقتضي أن نتخذ العقيدة الدينية الصحيحة قاعدة أساسية للتربية الفردية أو الجماعية في سبيل تحقيق مجتمع متكافل على الطريقة الإسلامية.

كما حرص القرآن الكريم على تطهير النفس الإنسانية من الرياء، حتى يكون العمل الخيري التطوعي خالصا لوجه الله لا سمعة فيه ولا رياء، فقال تعالى في سورة الإنسان: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا)، وقال في سورة البقرة:(الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلَا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) .ثم إن الإسلام جاء بمفهوم واسع للإحسان لا يقتصر على الأغنياء وحدهم، بل حتى الفقراء أمامهم مجال واسع للإسهام في التكافل، وطلب الآخرة والثواب.

وهكذا صرح الرسول (صلى الله عليه وسلم) بأن “كل معروف صدقة”  وروى عنه أنه، قال: “كل سلامى من الناس صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس قال تعدل بين الاثنين صدقة وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة قال والكلمة الطبية صدقة وكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة وتميط الأذى عن الطريق صدقة”.

– غرس الشعور بالأخوة بين المؤمنين

ومن الأسس التربوية الخادمة للتكافل الاجتماعي غرس الشعور بالأخوة بين المؤمنين، فالأخوة في الله، رابطة توجد بين شخصين أو أكثر بمجرد اشتراكهما في الانتماء إلى المنهج الرباني، فقال تعالى :(فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ)(التوبة- 11)، كما جعل من الأخوة العلاقة الوحيدة بين المؤمنين، قال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ). وقال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): “أنا شهيد. أن العباد كلهم أخوة”.

كما وصف النبي (صلى الله عليه وسلم) أن من آثار هذه الأخوة والمحبة أن تخفي مشاعر الأنانية والأثرة، فقال (صلى الله عليه وسلم): “والله لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه”، وشبه الرسول (صلى الله عليه وسلم) مجتمع المؤمنين في توادهم وتراحمهم كالجسد الذي إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. وقد جسد الرسول (صلى الله عليه وسلم) هذه الأخوة بين المؤمنين من خلال مؤاخاته بين المهاجرين والأنصار ليعلم الناس أن الأخوة ليست مجرد شعار، ولا عواطف ومجاملات وإنما هي أخوة حقيقية تصل في وقت الشدة والحاجة إلى اقتسام الثروة والقوة.

– تربية الفرد على التوسط في النفقات

إن من الأسس التربوية التي جاءت بها الشريعة الإسلامية هو تربية الأمة على التوسط والاقتصاد في النفقات، وعدم الإسراف والتبذير حتى يتم توفر ما تسد به الحاجات. قال الله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا)(البقرة-143)، وروي أن الخليفة عمر بن الخطاب سأل رجلاً كيف نفقتك في أهلك؟ قال حسنة بين سيئتين كما قال تعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا)(الفرقان-67)، فالتبذير سيئة والإقتار سيئة والقوام بينهما حسنة. قال (صلى الله عليه وسلم): “إن الهدى الصالح والسمت الصالح والاقتصاد جزء من خمسة وعشرين جزء من النبوة”.

فالمجتمع الإسلامي مبني على البساطة والتوسط والاقتصاد في النفقات الشيء الذي يقضي على الطبقية، ويجعل التكافل ضعيف الكلفة، خفيف العبء على الناس.

– تحريم الظلم بين العباد

ومن الأسس التربوية الخادمة للتكافل الاجتماعي تحريم الظلم بين العباد، وذلك أن الظلم مناقض للتكافل قال الله تعالى : “يا عبادي إني حرمت الظلم على نفس وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا”.  وأكد الشرع العزيز في آية جامعة كما ذكر عبد الله بن عباس على الأمر بالعدل والنهي عن البغي والظلم، وربط العدل بالإحسان تنبيها لتلازمهما فقال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ)(النحل-90).

وفي ختام هذه الدراسة يمكن أن نقول إن الإسلام اعتمد منظومة تربوية لتحقيق التكافل الاجتماعي قائمة على الأسس الآتية: ترسيخ العقيدة الصحيحة، وتربية نفس الإنسان على التقوى والرحمة والإيثار، وغرس الشعور بالأخوة بين المؤمنين، وتربية الفرد على التوسط في النفقات وعدم التبذير، وتحريم الظلم بين العباد.

 

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.