كانت وثيقة المدينة بمنزلة أول دستور وُضع في الإسلام، يعيش في ظله المسلمون وأهل الكتاب والوثنيون من سكان المدينة على السواء؛ ينظم الحياة العامة في المدينة، ويمثل الدستور والسياسة الداخلية للدولة التي أنشأها النبي صلى الله عليه وسلم ، إذ يحدد العلاقات بين الأطراف السياسية المختلفة، وأصحاب الانتماءات الدينية المتباينة من المسلمين واليهود والوثنيين، وهو ما يسمى في العصر الحديث بـ”القانون الدولي الخاص”، كما يحدد العلاقات بين دولة المدينة وجيرانها، فيمثل نظامًا متكاملاً للعلاقات الخارجية مع القبائل والشعوب والدول، وهو ما اصطلح عليه فيما بعد بـ”القانون الدولي العام”.
وأحدثت هذه الوثيقة تغييرًا جذريًّا في المجتمع المدني؛ حيث نقلت المتساكنين من نظام الأسرة والقبيلة والعشيرة والطائفة إلى نظام الأمة الواحدة، كما عملت على تدعيم روح الإخاء الإنساني بين سكان المدينة، ونزع أسباب الفرقة والتناحر التي كانت سائدة في المدينة قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم إليها. وبذلك حققت هذه الوثيقة مبدأ التسامح الديني المفضي إلى التعايش السلمي والتعاون بين الأفراد، وقضت على العصبية القبلية والنزعة الطائفية والثارات الجاهلية.
إرساء قيم المواطنة
لقد أسست وثيقة المدينة لقيم المواطنة والتعايش السلمي بين المسلمين وغيرهم، وكان مما جاء في بنود تلك الوثيقة: “أنهم (المؤمنين والمسلمين من قريش وأهل يثرب، ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم) أمة واحدة من دون الناس” (البند رقم:2). “وأن يهود بني عوف (واليهود الذين حالفوا المسلمين) أمة مع المؤمنين، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم إلا من ظلم وأثم، فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته” (البند رقم:25-35).
تدل البنود المذكورة صريحة على أن “الأمة” التي أنشأتها وثيقة المدينة، هي أمة تعاقدية متنوعة في انتمائها الديني؛ أمة تستقطب وتقود الأمشاج المختلفة وتجمع بين المهاجرين والأنصار من جهة، ومن تبعهم ولحق بهم وجاهد معهم من اليهود والأعراب والمنافقين المؤلفة قلوبهم، الذين يحاربون للأجر لا للعقيدة من جهة أخرى.. تجمعهم جميعًا وفق تصور جديد قائم على مفهوم الأمة ذي الطابع السياسي والمدني لا العقدي الديني.
فالأمة التي أنشأتها الوثيقة كانت تتمثل في مجموعة من الأفراد والمجموعات يشعرون أنهم متحدون، تربطهم صلات مادية ومعنوية، وتجمع بينهم الرغبة المشتركة في العيش معًا. ولم يكن هذا الكيان قائمًا على أساس العقيدة، ولا على أساس الدم واللغة والجنس والوطن، بل على أسس اجتماعية وسياسية؛ نظرًا للمصالح المشتركة التي تقتضي وضع الروابط مع من يريد الانضمام إلى هذه “الأمة”، وترك الروابط مع من يتركها باختياره.
إن هذا التعايش السلمي الذي تم بين المسلمين وغير المسلمين في المدينة، يؤكد السماحة الإسلامية وقبول الآخر واحترامه، وأن الإسلام يعمل على تفعيل المشتركات الإنسانية بين الناس، ليتعايشوا بعيدًا عن التعصب ومحاولات الإقصاء الديني والمذهبي والفكري، التي يمارسها من لا يفهمون فلسفة التعايش السلمي في المنظور الإسلامي.
إن هذا التعايش السلمي في ظل الإسلام، حدث لأول مرة في تاريخ جزيرة العرب؛ فقد حدث مبدأ “الاعتراف بالآخر” بصفته وحدة واحدة في أمة واحدة بالمعنى السياسي والاجتماعي، رغم كونه أمة أخرى بالمعنى الديني والعقدي. كما تَقرر بهذه الوثيقة مبدأ جواز الانضمام لكل من يريد الالتحاق بالأمة ولو من خارج حدود الدولة، لأن كلمة “الأمة” هنا ليست اسمًا للجماعة العربية القديمة التي تربطها رابطة النسب، بل هي تدل على الجماعة بالمعنى المطلق.
إن المواطنة في الدولة التي أقامها النبيصلى الله عليه وسلم لم تكن منحصرة في المسلمين وحدهم، بل امتدت لتشمل غير المسلمين من أبناء الوطن الأصليين واليهود المقيمين في المدينة، حيث عدَّتْهم الوثيقة أمة مع المؤمنين وأولئك الذين يختارون أن ينضموا إلى الدولة.
فقررت الوثيقة في الفقريتن الأولى والثانية من البند رقم (25)، الذي قرر المواطنة المتساوية لليهود وغيرهم مع المسلمين تحت لواء دولة المسلمين، أن يعيشوا معصومين دمًا وعرضًا ومالاً بحكم مواطنتهم، وأن لهم ما للمسلمين وعليهم ما عليهم. وعلى من يكتسب هذا الحق أن يقوم -نظير ذلك- بواجبات مؤداها تحقيق التكافل مع الدولة، والولاء لها ولحفظ كيانها وسلامها.
وقد حذر الإسلام من اضطهاد المسلم لغير المسلم، فقال صلى الله عليه وسلم : “ألا مَن ظلم مُعاهَدًا أو انتقصه، أو كلَّفه فوق طاقته، أو أخذ منه شيئًا بغير طيبِ نفسٍ، فأنا حجيجُه يوم القيامة” (رواه أبو داود). وبهذا وفرت الوثيقة لهم حصانة الدين والمال والنفس والعرض. وأعطتهم حق الحرية وحق المساواة وحق الأمن وحق المسكن وحق مرافق الحياة، وغيرها من الحقوق التي لا سبيل لحياة الناس بدونها.
فقررت الوثيقة إذن، أن المسلم وغير المسلم، والرجل والمرأة، كلهم سواء في حرمة الدم واستحقاق الحياة، وأن إزهاق الروح بغير حق جريمة ضد الإنسانية جمعاء. كما أصَّلت الوثيقة في بنودها 25 إلى 35 حرية العقيدة ومبدأ السلام والتسامح مع أهل الأديان الأخرى، وهو من المبادئ الرئيسة التي قامت عليها دولة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وبها وفّرت الوثيقة لغير المسلم في المجتمع الإسلامي وجودًا اندماجيًّا يحافظ فيه على جميع مكونات شخصيته، وفي طليعتها الهوية الدينية وما يرتبط بها من ممارسات وعادات. وأكد البند رقم 15 -بالإضافة إلى بنود أخرى عديدة- حق المساواة بين المسلمين وغيرهم في الحقوق والواجبات العامة، كما كفلت الفقرة الرابعة من البند 37 حق إبداء الرأي للمواطنين فيما يؤدي إلى خير المجتمع.
إن الإسلام أرسى مبادئ المواطنة العالمية من خلال هذا النموذج الحضاري في العيش المشترك الذي حدد رسول الله صلى الله عليه وسلم معالمه، فقرر حقوق المواطنة، وبيَّن واجباتها، لينعم غير المسلمين بالعيش الكريم مع المسلمين على أسس ثابتة تعمل على صيانة الكرامة الإنسانية، وتعمل على دمج كل المواطنين في النسيج الوطني، بعيدًا عن تصنيفات “الأقلية” أو “الأكثرية” وما يتعلق بذلك من محددات التسمية أو غير ذلك من التقسيمات والتصنيفات.
ولذا، فإن الإسلام لا يعترف ولا يقرُّ مصطلح “الأقلية” الذي ينطوي على عمليات الإقصاء والفرز والرفض للآخر، وإنما يعمل على عملية دمج المواطنين من غير المسلمين مع المسلمين؛ من خلال ترسيخ قيم المواطنة التي تقوم على احترام التعددية الدينية، والمذهبية والفكرية في ظل المواطنة التي تكفل الحقوق وتبيِّن الواجبات، وهذا من جوانب عظمة الإسلام في التعامل مع غير المسلمين. وإن الإسلام تميَّز بمنهجية علمية عملية، فحينما بيّن منهجه في التعامل مع غير المسلمين من خلال ما ورد في القرآن الكريم والسنة النبوية، لم يكتف بمجرد التقرير النظري المجرد، ولكن تمت الترجمة العملية من خلال الحياة التي عاشها الناس جميعًا؛ المسلمون وغير المسلمين في الدولة التي أقامها النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة، والتي استشعر فيها غير المسلمين قيم المواطنة وحقوقها وواجباتها، بعيدًا عن محاولات الإقصاء والفرز والرفض للآخر، أو تهميشه بدعوى “الأقلية”، بل تم التأسيس للمواطنة العالمية والأخوة والزمالة الإنسانية. ولا شك أن تلك النماذج العملية في التعايش السلمي، تكشف عوار الأنظمة الدولية الحديثة التي تعد نفسها أول من نادى وقرر حقوق الإنسان، من خلال المواثيق والمعاهدات التي أثبتت التجارب العملية أنها لا تعدو كونها حبرًا على ورق في ظل ازدواجية المعايير والكيل بمكيالين.
ضمان الأمن والأمان لطوائف المجتمع
انعكست بنود الوثيقة التشريعية بشكل إيجابي وملحوظ على الواقع السياسي والاجتماعي والحقوقي للمدينة؛ ففي وقتٍ انعدم فيه الأمن والسلام في صفوف المواطنين القاطنين بها، ظهرت الوثيقة بتشريعاتها العامة والشاملة للمسلمين وغيرهم من اليهود والمشركين، مبشرة بعهد جديد لم تألفه البشرية في تاريخها، يحفظ لها أمنها ويسترد حقوقها، فحلَّ معها وبفضلها “السلم الأهلي”، وأصبح الأمن في ظل قوانينها وتشريعاتها واقعًا معيشًا، حيث قدَّم النبي صلى الله عليه وسلم من خلال هذه الوثيقة ضمانات تشريعية وقوانين مهمة، ليزرع قيم الأمن والأمان والسلام بين مختلف طوائف المجمتع المدني دون تمييز.
إن الحفاظ على قيم الأمن والأمان والسلام الاجتماعي، مطلب إنساني في كل زمان ومكان، لا يمكن الاستغناء عنه مهما اختلفت الأزمنة والأمكنة والأشخاص. فنعمة الأمن والاستقرار والكفاية لا تعدلها نعمة، وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم قمية ذلك فقال: “مَن أصبح منكم آمنًا في سِرْبه مُعافًى في جسده، عنده طعامُ يومٍ، فكأنما حيزتْ له الدنيا بحذافيرها” (رواه البخاري).
ولذا، اهتم النبي صلى الله عليه وسلم بوضع الضمانات اللازمة لتحقيق الأمن للجميع من خلال ما يأتي:
1- منع إيواء المجرمين: تضمنت المادة رقم 22: “وإنه لا يحلُّ لمؤمن أَقرَّ بما في هذه الصحيفة وآمن بالله واليوم الآخر أن ينصر مُحْدِثًا ولا يؤويَه، وإنه مَن نصره أو آواه فإن عليه لعنة الله وغضبَه يوم القيامة ولا يؤخذ منه صَرفٌ ولا عدل”. أقر هذا البند بشكل صريح، أنه ليس لأحد الحق في أن يمنع إقامة الحد على المنتهكين لحرمات الله أو نصرتهم، كما عدَّ إيواء المجرمين ذنبًا عظيمًا وجريمة نكراء تُخرج صاحبها من الملة والدين، فلا يقبل الله أعمالهم سواء الفريضة منها أم النافلة. لذلك جاء الأمر بالتشديد في هذا البند من أجل حصانة المجتمع من الاضطراب وتهديد أمنه، وحتى لا يكون عرضة لانتهاك الأعراض وسلب الأموال وغيرها.
لقد حذَّر رسول الله صلى الله عليه وسلم من عمليات دعم الإرهاب وإيواء ودعم المجريمن وأعداء الإنسانية، ممن باتوا يعملون على تهديد السلم المجتمعي والعالمي. وكأني برسول الله صلى الله عليه وسلم يحذِّر الأفراد والجماعات، والدول الداعمة للإرهاب والممِّولة لأنشطته؛ ليعلِّمنا أن إيواء المجرمين وأعداء الإنسانية، ومن يستحلون قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، جريمة ضد الإنسانية، لأن الإسلام يحرِّم كل ما يؤدي إلى استحلال دماء وأرواح وأموال وأعراض الناس أيًّا كان دينهم. إن هؤلاء الذين يستخدمون الدين في عملياتهم الإرهابية إنما يعملون لتحقيق أجندات سياسية تهدد حياة الناس، وتستبيح أرواحهم وأموالهم وأعراضهم.. ولنا أن ننظر إلى حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم لنحكم على هؤلاء الذين يتحدثون باسم الإسلام، إذ يقول رسول الإنسانية: “إنه لا يحِلُّ لمؤمن أقرّ بما في هذه الصحيفة وآمن بالله واليوم الآخر، أن ينصر مُحدِثًا -أي من اقترف حدًّا من حدود الله فليس لأحد منعه من أن يقام عليه الحدُّ- ولا يؤويه، وأنه من نصره أو آواه فإن عليه لعنة الله وغضبه إلى يوم القيامة، ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل”. وهذا خطاب ووعيد نبوي للداعمين والمتعاطفين مع من يمارسون الإرهاب، ومن يقومون على رعاية وتمويل الإرهاب الذي يستهدف الحياة والأحياء. ونريد هنا أن نؤكد على عالمية خطاب النبي صلى الله عليه وسلم ، وتجاوزه حدود المكان والزمان؛ فهو خطاب إنساني يبين فلسفة الإسلام في التعايش السلمي ورفض كل ما يهدد سلامة الناس دون النظر إلى دينهم، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: “المسلم مَن سلم الناس من لسانه ويده” (رواه أحمد). إن خطاب النبي صلى الله عليه وسلم يبيِّن روح الإسلام، لأن الإسلام سلام وأمان ورحمة ووفاء وخير للبشرية جمعاء على اختلاف أديانها ومذاهبها وأفكارها.
2- رفع الحصانة عن المجرمين: هذا عنصر مهم من العناصر التي تسهم في استقرار المجتمع والحفاظ على أمنه، حيث لا يُقبل من أحد أن يقترف أيَّ جرم أو اعتداء، وليس لأحد التمتع بالحصانة -مهما علا نسبه- إن اقترف جريمة تمس بأمن المجتمع أفرادًا وجماعات. وقد رفع هذا المبدأ الحصانة عمن يخل بالأمن، حين نصت الوثيقة في النبد رقم 7 على: “وإنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم أو آثم”.
لقد جاءت الشريعة الإسلامية في أحكامها بطوق من الحماية والأمن يشمل المسلم وغيره، وأوجبت إشاعة أجواء السلام الاجتماعي الذي ييسر على الإنسان التعايش والتعاون مع الناس. فغير المسلم كالمسلم سواء في وجوب توافر الحقوق الإنسانية، وحماية نفسه ودينه وعرضه وماله، وتأمين فرصته في العمل والكسب.

(*) الأمين العام السابق لمجمع البحوث الإسلامية / مصر.