إن لعالَمنا أصواتًا وأنفاسًا سِحريةً يتعذّر العثور عليها في غيره، ويمكن أن نسمي هذه الأصوات والأقوال بـ”الأمور المعبِّرة عن عقائدنا وأفكارنا وموقفنا تجاه الحق تعالى”. وقد تداخلت هذه الأصوات والأنفاس بحياتنا الفردية والعائلية والاجتماعية، بحيث إننا نترنّم ونتنفس بها في كل مكان وزمان؛ بدءًا بمعابدنا، ومرورًا بشوارعنا، ووصولاً إلى غرف نومنا، لا سيما في بعض ليالي الأنس وأيام الصفاء ذات النورانية الخاصة، إذ إنّ ما حولنا يكتسب بهذه الأصوات والأنفاس حالةً لدنِّية تجعل كل شيء خارقًا للعادة، وتتلوّن الحياة بلَون سحري أخاذ، وتنسكب من كل صوب أضواءٌ في مختلف طول الموجات، وتستمع الآذان بذَوق فائقٍ إلى هذه الأصوات الخاصة التي تحكي خرير أنهار الفردوس.. ويفتح هذا الحالُ والجوُّ السحريُّ أرواحَنا ويعمِّقها ويلطِّفها ويجعلها أخروية، بحيث إننا لا نودّ أن تنقضي تلك الساعات والدقائق والثواني السحرية، بل إنه على الرغم من عدم وجود مناسبة ومواءمة -وفقًا لقانون السبب والنتيجة- بين تلك الأقوال والبيانات والمَشاهد السحرية وما نعيشه من الشوق والطرب، فإننا نشعر بأن هناك قوة خفية تسحبنا في شلال عارم من الفرح والسرور بشكل يفوق مستوانا ومستوى أفكارنا فنعيش حالة متداخلة من الحيرة والانبهار.

وأحيانا تكون هناك أوقات سحرية هي “ساعات الإجابة” في كل يوم يتذوق الإنسان فيها اللهجة الحقيقية واللون الحقيقي والطعم الحقيقي للحياة، فيكون كلُّ ما نشاهده في تلك الساعة وكلُّ كلمة مباركة تطرق أسماعنا وكلُّ خطوة نخطوها في سبيل الزلفى إلى الله، أمورًا تَسْحَرُنا بتأثيرها، ويَخرج ما نراه من الأشياء العادية وما تَعوَّدْنا سمعه من الأصوات والأنفاس الطبيعية عن حدوده وأُطُره، ويتحلى بماهية مختلفة، فنحس بها ونسمعها وكأنها من خوارق العادات.

وفي مثل هذه الحالات التي يتحقق فيها الشعور بأجواء شبه سحرية، والإحساس بنسمات تَهُبُّ من صوب العوالم الماورائية، فإننا نحس في أعماقنا بِرِقَّة التوجه الإلهي الذي يلطّف كل شيء، وبجوّه الساحر لأقسى القلوب، ونشعر بأننا قد تحوَّلنا إلى شيء آخر، بل أصبحنا روحانيين تمامًا..، ولا نشك في أن الذين يستطيعون قراءة ذواتهم وما حولهم قراءةً صحيحة، يَشعرون بذلك.. فإننا حينما نقيِّم الموضوع نتناوله من زاوية أحاسيسنا نحن.

ويمكن أن نسمي كل هذه الأمور، قصائدَ وألحان “ساعات الإجابة” التي تتسلل إلى قلوبنا بسبب أو بدون سبب، فتوقظُ مشاعرنا النائمة، وتذيقنا أقصى أنواع الفرح والحبور.. قصائدَ وألحانًا لمضامينَ ومفاهيمَ اقتبستها أرواحُنا من محيطها واستفادت منها.. إن أنواع هذا الإحساس والحدس في جغرافيتنا المباركة تتمتع بسحرية وتفسير مختلف، ولا يمكن سماع مثل هذه الأصوات والأقوال المُتَمَتِّعة بهذه الميزات، وكلما ارتفعت وطبَّقت آفاقنا، وكلما طرقت أسماعَنا فانسابت إلى قلوبنا، إذا بنا في خضمِّ طوفانٍ من المشاعر الجياشة، فنُرخي بأنفسنا في أجوائها السِّحرية.

أجل؛ إننا في كل يوم نتقاسم هذه المشاعر الجياشة عدة مرات بأصوات الأذان التي تُرفع من المآذن وبامتداداتها التي تدوِّي في داخل المساجد، وكم مرة ننتعش ونرتعش في بيوتنا وفي داخل غرف نومنا ونفرح مثل الأطفال بسبب تلك اللفتة الربانية التي تدعونا للمثول بين يديه، ونشارك بأصواتنا في هذه النغمات الإلهية التي تخاطب وجداننا.

إننا تجاه كل صوت ومشهد يعلن عن عظمة الله نقول: “الله أكبر” معلنين عن عظمته، وعندما يتم تعداد النعم التي تنهمر من لدنه فإننا نقابل ذلك بقولنا: “له الحمد والنعمة”، وعندما يكون هناك بيان أو إيماءة أو إشارة تُذكِّر بأنه ليس له شبيه أو نظير نقول: “نسبّح ونقدّس لك”، فبكل وسيلة نفكر فيه تعالى دائمًا ونذكره، ونراجع علاقتنا معه، ومن يدري كم مرة نخوض كلَّ يوم بفكرنا وخيالنا في معيته التي هي روح الأرواح.

وتلهج ألسنتُنا داخلَ دُور العبادة وخارجها بألفاظ نورانية يمكن أن نسميها: “الكلمات الطيبة”، تلك الكلمات التي اتحدت مع حياتنا وانسجمت بها بحيث إننا نرددها كل يوم مائة مرة من حيث ندري أو لا ندري، مثل ما ترددها الملائكة في السماء وسائرُ الكائنات الحية وغير الحية بلسان حالها وكيفياتها، وبالأخص هناك البعض منا كلما دَوَّتْ هذه الأصوات فيما حوله فإنه يحاول أن يستشعر ما يفور بداخله من مشاعر الإعجاب والحماس ليس باسمه فقط بل إنه يحس بها وكأنه مبعوث يمثل كل سكان الأرض والسماء وكلَّ الكائنات الحية والجامدة، مستخدمًا كل خلايا دماغه وجميعَ القوى الكامنة في أعماق ضميره.. بل إن هذا الاستشعار والإحساس يبلغ فينا إلى درجة من العمق بحيث تفيض فينا سيول الشوق والحماس، وتنتاب أرواحنا أفكارٌ متعالية، وتتدفق من قلوبنا مشاعرُ سامية، فنترك التعبير عنها للآهات والتنهُّدات ونوبات البكاء التي تنطلق من دواخلنا، وللدموع التي تنهمر من أعيننا كي تفسرها أعمق تفسير.

إن هذا المستوى من الاستشعار والحدس والتعبير الذي يتمتع به أصحاب القلوب المؤمنة لهو بمثابة مفتاح ذي أسرار؛ كما أنه يفتح مغاليق قلوبهم، فهو بسحره الخاص يوقد جذوات في قلوب الآخرين. أجل، إن الذين يُصغون إليهم من دون أفكار مسبقة، يشعرون بأن وجدانهم بدأ يتحرك بعملية ذات أسرار لا يدرون كنهها، ويشاهدون خارطة مشاعرهم مرة أخرى بشكل مختلف، ويتبسمون بغزارة في وجه طالعهم السعيد.

وأحيانًا يحصل تبادل حي بين المرسِل والمتلقي في الأحاسيس والمشاعر الجياشة، ويَلِجان في جوٍّ سحري بحيث إن كلًّا من الطرفين يدخل تحت تأثير الطرف المقابل، وعندما تَصدُر من أحدهم كلمةٌ نورانية، أو ينعكس على ظاهرِ حالِهِ إحساسٌ نابع من القلب فإنه يُحرِّك على الفور كلَّ مَن هناك ممن يتقاسمون معه نفس الإيمان والمعرفة، ويَجعلُ الجميعَ يتكلمون بالأمور ذاتها ويجيشون بالأحاسيس عينها، فكأن هؤلاء الناس كانوا يريدون أن يقولوا أشياء ولكن لم يستطيعوا أن يقولوها، وكانوا يفكرون بأمور ولكن كانوا عاجزين عن التعبير عنها، وكانوا يَشعرون بأمور ولكن ما كانوا يطيقون التَّفَوُّه بها، فأنجزها الآخرون نيابةً عنهم، فهم بدورهم شاركوهم فيها، بحيث إن هذه الألفاظ السحرية ما إن تطرق الأسماع إلا وتَظهر أمارات الابتهاج الكامن في القلوب، وتصبح الأرواح وكأنها روحٌ واحدةٌ، وتتحول أنواع المحبة والعلاقات إلى شلال واحدٍ من المحبة والشوق، وهكذا يَسمع كل واحد منهم الأصواتَ والكلمات النابعة من أعماق ضميره في نفس الوقت الذي يتحدث به، كما أنه يتشارك مع المئات والألوف من الآخرين في الأحاسيس والمشاعر والأفكار، وبذلك يُخرج القضيةَ من كونها أمرًا فرديًّا إلى أنفاس تنطلق من أرجاء الأرض والسماوات.

وإذا كانت هذه الأصوات والكلمات تحمل لونًا من تعظيم الحق تعالى وتقديسه، فإن كل من يَسمعها ينتعش وكأنه تلقَّى إشارة تدعوه إلى التمكين والحذر، وإذا كانت الأصوات تحمل طابع اللطف والإحسان إذا بالسامع يفيض بمشاعر الشكر والامتنان، وإذا كانت تُذَكِّر بالأمل والشوق فإن سامعها يطفح ابتهاجًا واستبشارًا، وإذا كانت من النوع الذي يدعو إلى محاسبة النفس فإنك تراه يتمتم بعبارات التحسر، والواقع أن جل هذه الأصوات والألفاظ بقطع النظر عن محتوياتها، لأنها تعبر عن معتقداتنا وعن موقفنا تجاه ربنا لا ينحصر تأثيرها بزمان أو مكان معين، بل إنها من حيث كونها أنفاسًا معبِّرة عن الحقيقة المطلقة التي انفطرت عليها ذاتياتنا سرعان ما تطل برأسها من خلال أدنى ما يُذَكِّر بها في أيّ مكان وأيّ زمان وأيّ فصل من فصول الحياة، فتثير كل مشاعرنا، وتهيِّج كل عواطفنا الغافية، وتُشعل أفئدتنا، وتُذْكي أرواحنا، وتُحْدث فيضانات تفوق حدود التصور في عامة الضمائر التي لم تَفقِد حساسيتها.. فتَجذبنا إلى نقطةٍ وترفعنا إلى مستوى محفوفٍ بالأسرار، بحيث نسمو ونَرقى في كنف الحياة القلبية والروحية، فيصبح الواحد منا بحرًا وقد كان قطرةً، وشمسًا وقد كان ذرةً، و”كلَّ شيء” وقد كان “لا شيء في لا شيء”.

وهذه الكلمات النورانية التي تبعث الانشراح في قلوبنا أنفاسٌ سِحرية لا تزال ألسنة المؤمنين الحقيقيين رطبةً بها، وتلهج بها ألسنتُنا نحن أيضًا، وقد تداخلتْ بكل فصل من فصول حياتنا؛ فبتنا نستمع إليها بمسامع أرواحنا على اعتبار أنها من أزهى الأصوات والكلمات في عالمنا الذي نعيش فيه، ونُقَيِّمُها من منظورِ أنها مفاتيح سِحرية لما ننتظر تحقُّقه من رؤًى حُلوةٍ طيبةٍ.

وفي سياق تقديسنا نقول: “سبحان الله”، على قصد أن نقول فيه  قولاً ينبغي أن نقوله، بالإضافة إلى أننا نأمل أن يترتب على هذه الجملة المباركة نِعَم أخروية عظيمة لم نحسب لها حسابًا، وعندما ينهمر علينا وابل من الألطاف الإلهية فإننا نتنفس بـ”الحمد لله”، فنعرب عن شكرنا له تعالى بالإضافة إلى طلب المزيد منه، كما نتخيل المنحَ الإلهية الأخروية التي لم ترها عين ولم تسمع بها أذن ولم تخطر على قلب بشر، وعندما نرى مشهدًا يعكس أجواء العظمة والكبرياء ندوِّي بصوت: “الله أكبر”، وننادي بأعلى أصواتنا بأننا مُشاهِدون لعظمةٍ سامية، ونرتعش بمشاعر الرهبة التي تأتينا في مختلف طول الموجات، ونراجع في كل يوم أفكارَنا ورؤانا الدنيويةَ والأخروية في ظل هذه الأصوات والكلمات، ونفحص علاقتنا بالله ونرتب أمورنا وأحوالنا من جديد..

ونَفتتح الصلوات بـ”الله أكبر”، ونوسع تفكيرنا بـ”الكلمات الطيبة” الأخرى، ونعلن ثقتنا به واتكالنا عليه تعالى مرة بعد أخرى، ونطلب ونتسول منه تعالى أن يجعلنا من أصحاب الثقة، وعندما نقول: “اللهم أنت السلام ومنك السلام”، فإننا نعبر عن مطلوبنا منه بالإضافة إلى أننا نؤكد موقفنا الحقيقي تجاهه، ونكرر دائمًا من دون كلل أو ملل أن كل شيء تحت تصرفه، وفي كل صباح ومساء نعلن بصوت جهوري بتعبيرات واضحة أفكارنا التوحيدية، ومن يدري كم نجدد في اليوم الواحد أن هدفنا هو تحقيق رضاه تعالى، وأننا نريد مشاهدة جماله ولقاءه سبحانه، ونغدو ونروح، ونلف وندور، وفي نهاية المطاف نلوذ برحمته وشفقته وعنايته، ونردد كل يوم من حيث ندري أو لا ندري عبارات من أمثال: “عفا الله عنا جميعًا”، و”وفقنا الله للإخلاص”، و”رزقنا الله الصبر والسلوان”، و”نوَّر الله قلوبنا”.. وبهذه الكلمات نصبح ونمسي مُعْربين عن تميزنا في باب العلاقة معه.

إن أفكارنا وأقوالنا وأنفاسنا النابعة عن معتقداتنا الأساسية لا تنحصر بما سَرَدناه هنا، بل إن مثل هذه التعبيرات والبيانات والأنفاس تطل برأسها في شتى نواحي حياتنا الحسية والفكرية والروحية والبديعية، سواء في أقوالنا المنظومة والمنثورة من أمثالنا وأشعارنا وموسيقانا -وكنت أود أن أسرد نماذج منها- فتُقدم لنا من ثقافتنا الغنية الراسخة ألوانًا وأشكالاً عديدة..

وهذا الغنى والثراء ينبع من العقائد والأفكار التي تَبَنَّاها أفراد هذه الأمة ووقفوا عندها وعاشُوها وصارت راسخة في منطقة اللاوعي عندهم، وبما أن الجميع آمن بالأمور نفسها وتقاسم الأفكار عينها فمن غير المتوقع قطعًا أن يستغرب السامع ولا يجدَ مغزى لهذه الأفكار المطروحة والأقوال المسرودة.. فكل واحد منهم يفهم مقصود الآخر، وتجري كل محاوراتهم ومذاكراتهم في جو طبيعي تمامًا.. كما أن مقابلة الأفكار والأقوال تجري في نفس الإطار من اللطافة والرقة.

(*) نشر هذا المقال في مجلة “ياغمور” التركية، العدد:25 (2004م)، تحت عنوان “Bizim Dünyamıza Has Altın Sesler ve Sözler”. الترجمة عن التركية: أجير أشيوك.