لقد أدرك البشر منذ زمن بعيد العلاقة بين إدرار اللبن وما يتناوله الحيوان من غذاء، وأن الحيوان يهلك إذا ما حرم من الغذاء، ولكنهم لم يعرفوا العملية التي يتم بها تحوّل هذا الغذاء إلى لبن أو لحم أو عظم أو أي مادة أخرى. وجاء العلم الحديث ليبين لنا مراحل تكوين اللبن خالصًا سائغًا للشاربين، فيكشف لنا من آيات الله اللطيف الخبير ما جاء مطابقًا لما أخبرنا به القرآن عن أسرار تكوّن اللبن في بطون الأنعام، ويظهر عظمة إنعام الخالق المنعم على عباده.
استطاع العلماء حديثًا معرفة كيف يتكوّن اللبن في بطون الأنعام بعد اكتشاف أسرار الجهاز الهضمي ومعرفة وظائف أعضائه، وبعد اكتشاف الدورة الدموية وعلاقتها بعملية امتصاص المواد الغذائية من الأمعاء ودخولها في الدم. وقد استغرق ذلك فترة من الزمن لتطوير الأجهزة واكتشاف الأسرار استمرت قرابة خمسة قرون.
وقد سلك العلم التجريبي طرقًا دقيقة لمعرفة وظائف أعضاء الجهاز الهضمي، بعد أن اختُرعت الآلات التي تم بها إجراء التجارب والأبحاث لتحقيق النتائج الدقيقة. وسار التقدم في الأجهزة العلمية التي استعملت في معرفة أسرار عملية الهضم بخطوات متتالية، حتى انكشف للباحثين الكثير من أسرار الهضم.
تم التوصل في القرن العشرين إلى توضيح الأعمال المتتالية لعملية الهضم، كما تم توضيح تركيب وتأثير أهم العصائر الهضمية، والتثبت من أنزيمات عديدة ذات دور كبير في عملية الهضم.
والإعجاز اللغوي في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً﴾(النحل:66) ذُكرت “عبرة” هنا بصيغة نكرة حيث تعتبر دليلاً على أهميته الفائقة. وكما يقول “الراغب” في كتاب “المفردات”: “عِبرَة” من مادة “عَبْر” وتعني العبور والانتقال من حالة إلى أخرى، وهنا حيث يرى المعتبر حالة يدلك من خلالها على حقيقة لا يمكن ملاحظتها، أطلقوا على ذلك “عِبرة”. وعليه فإن مفهوم الآية هو؛ بمقدوركم أن تصلوا إلى معرفة الله وعظمةِ وعلمِ وقدرةِ مبدىء الخلق العظيم، من خلال ملاحظة أسرار وعجائب الحيوانات. “الفرث” هو ما في الكرش، وقيل هو “السرجين” ما دام في الكرش.
في هذه الآية الكريمة يلفت الله نظرنا إلى ظاهرة عجيبة تحمل لنا العبرة من قدرة الخالق جل جلاله. فاللبن الذي يعتبر من أهم الأغذية عند الإنسان، يخرج إلينا من بطون الأنعام بعملية مدهشة.

كيف يتكون اللبن؟

يتم تكوين اللبن في الأنعام بالتنسيق المحكم والتدرج الدقيق بين الجهاز الهضمي والجهاز الدوري والجهاز التناسلي عن طريق الغدد اللبنية في الضروع وغيرها من الأجهزة، حيث جعل الله سبحانه وتعالى لكل جهاز وظيفة وأعمالاً خاصة يقوم بها ليتكون -في نهاية المطاف- اللبن الخالص السائغ للشاربين. ويمكن أن نجمل مراحل تكوّن اللبن كالآتي:
1- عملية الهضم في الكرش (تحول العلف إلى فرث): يتم الهضم على عدة أشكال؛ فمنه الهضم الحركي، والهضم الكيماوي، والهضم الميكروبي بواسطة “خمائر” الميكروبات الموجودة في كرش الأنعام، حيث تبدأ عملية الهضم في الفم بنوعيها “الهضم الحركي” و”الخمائري”، حيث يتم تقطيع مواد العلف بالمضغ وخلطها باللعاب الذي يحتوي على أنزيم “الأميليز” الذي يقوم بهضم مبدئي، ثم في المعدة المركبة، حيث يتم هضم ميكانيكي وميكروبي وكيماوي، ثم يتم اجترار الكتلة الغذائية من الكرش إلى الفم ليعاد مضغها وخلطها باللعاب، ثم إعادة بلعها لتعمل عليها بكتريا الكرش فتحلل “السكريات” و”البروتينات”، ثم يحدث الهضم الخمائري في المعدة الحقيقية بـ”الببسين والرنين”. وبعمليات الهضم هذه يتحول العلف إلى فرث، ويتحول الفرث الصلب بعد هضمه في الأمعاء إلى فرث رائق.
2- عملية استخلاص الأحماض الدهنية من بين الفرث: يحدث تخمر وتغيير في تركيب الفرث من جراء هدم قلورا الكرش لهذا السليلوز والمواد السكرية، مما يؤدي إلى إنتاج ثلاثة أحماض دهنية وهي؛ حمض الخليك وحمض البيوترك وحمض البروبيونيك. فتمتص الشعيرات الدموية المنتشرة حول الكرش هذه الأحماض، وذلك دون مرورها في القناة الهضمية إلى الأمعاء كما هو متبع مع باقي الغذاء، كما بينت الآية الكريمة: ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ﴾(النحل:66) فتصل إلى الغدد اللبنية.
وبانتقال الفرث إلى الأمعاء الدقيقة تستمر عملية الهضم، فيتعرض الفرث للأنزيمات الهاضمة في الأمعاء والبنكرياس والعصارة الصفراء في الكبد. وبهذا يتم تحليل الأطعمة المحتوية على الجزيئات المعقدة جدًّا إلى جزيئات بسيطة؛ فالنشاء والسكريات المعقدة تتحول إلى سكريات بسيطة، والدهون تتحول إلى أحماض دهنية، والبروتينات تتحول إلى أحماض أمينية وببتيدات، أما الفيتامينات والأملاح والماء فلا تحتاج إلى هضم قبل امتصاصها، كما تقوم الخملات في الأمعاء الدقيقة بامتصاص المــواد الغذائيـة المحللة بعـدة طرق. وتصل هذه المواد إلى داخل الأوعية الدموية الصغيرة الواقعة تحت النسيج الطلائي، ومنها إلى الأوعية الدموية الأكبر فتدخل في تيار الدورة الدموية.
3- عملية استخلاص من بين الدم: يتم تكوين اللبن بواسطة الغدد الثديية أو الضرع عن طريق عمليتين هامتين:
العملية الأولى: ترشيح بعض مكونات اللبن من مجرى الدم، حيث يقوم الدم بنقل هذه المواد الغذائية إلى جميع خلايا الجسم، والتي منها خلايا الضروع التي يتم فيها امتصاص مكونات الحليب من بين الدم.
حمض الخليك يقوم بتكوين دهن اللبن، وحمض البيوترك يقوم بتكوين بروتين اللبن، وحمض البروبيونيك يقوم بتكوين سكر اللبن. ووجود الدهن في اللبن هو السبب في وجود الطعم المستساغ له، وكلما قلت نسبة الدهن قل استساغة طعم اللبن عند الشرب. كما وجد أيضًا أنه كلما زادت نسبة السليلوز في الغذاء زادت نسبة حمضي الخليك، وبذلك تزيد كمية الدهن في اللبن وبالتالي تزداد استساغته.
أ-تكوين الأحماض الدهنية في اللبن: غالبية الدهون في اللبن تنتج أصلاً من الزيوت والدهون النباتية المستمدة من العلف والمهضومة هضمًا جزئيًّا في معدة الاجترار (الفرث)، ثم ينقلها الدم إلى الغدد المفرزة للبن في الضرع، وهنا تتكسر إلى رقائق صغيرة حتى تتمكن من اختراق جدر خلايا تلك الغدد. وعلى ذلك فإن تمام عملية اجترار الأعلاف التي يتناولها الواحد من الأنعام بكفاءة، وعملية تخمرها في معدة الاجترار بكفاءة، مسؤولان عن زيادة أو نقص الدهون في اللبن. وفي اللبن، العديد من المركبات التي تنتج عن تخمر العلف في معدة الاجترار، لتكوين عدد من الأحماض الدهنية المتطايرة التي تذهب إلى الكبد لإنتاج سكر العنب (الجلوكوز) الذي يحمله الدم إلى الخلايا المفرزة للبن في الضروع فينتج منه سكر اللبن (اللاكتوز).
بـ-تكوين المواد البروتينية في اللبن: أما المواد البروتينية فتنتج في الخلايا المفرزة للبن من الأحماض الأمينية التي يحملها إليها الدم من معدة الاجترار (الفرث)، هذا باستثناء كل من المواد الزلالية والجلوبينات المناعية (Immunoglobulins) التي ينقلها الدم مباشرة إلى الخلايا المفرزة له، واللبأ (Colostrum) الذي يتكون في الفترات المتأخرة من الحمل في أماكن أخرى من جسم الحيوان، وينقله الدم مباشرة إلى ضروعه.
جـ-تكوين الأملاح المعدنية والفيتامينات: في اللبن العديد من آثار العناصر التي من أهمها الكالسيوم، والفوسفور، والبوتاسيوم، والمغنيسيوم، ويليها في الأهمية كل من الصوديوم والكلور، وكلها مستخلصة من غذاء الحيوان (العلف) بعد تخمره في معدة الاجترار (الفرث).
العملية الثانية: تركيب مكونات اللبن الأخرى بواسطة التمثيل الغذائي الخلوي، وهي تركيب مكونات اللبن الأخرى بواسطة التمثيل الغذائي الخلوي داخل الأسناخ، حيث تمر المواد الغذائية المستخدمة في تكوين اللبن من الدم خلال جدار الخلية. فقد وجد أن بروتينات اللبن تنتج من الترشيح والتركيب معًا، حيث أن الكازين واللاكتوالبيومين واللاكتوجلوبيولين غير موجودة في الدم، ولذلك يجب تركيبها من طلائع الأحماض الأمينية المتواجدة في الدم، وتمثل هذه البروتينات 94% تقريبًا من النيتروجين البروتيني في اللبن البقري. أما الجلوبيولينات المناعية وألبيومين السيرم فهي مصنفة في الدم واللبن، ولذلك نجد أن انتشارها ظاهريًَّا في اللبن لا يتغير عنه في الدم، أما الكربوهيدرات الأساسية في اللبن هي سكر اللاكتوز، والذي يتكون من جزيء جلوكوز وجزيء جالاكتوز، ويحتوي الدم على سكر الجلوكوز، أما اللاكتوز فلا يوجد في الدم، ولذلك يتم تركيبه في الغدة الثديية.
وقد وجد أن الجلوكوز يتم أخذه بواسطة “الأنسجة الثديية” (Mammary Tissues) مما يؤدي إلى فقدان حوالي 25% من محتوى جلوكوز الدم الشرياني، من ناحية أخرى وجد أن حوالي 70-80% من الكربون في اللاكتوز، يتم الحصول عليه من “البلازما جلوكوز” (Plasma Glucose)، كما ينتج سكر اللاكتوز أيضًا من الأحماض الدهنية قصيرة السلسلة (Short- Chain Fatty Acids ). وبالنسبة للدهن فقد وجد أن 75% من دهن اللبن (Milk Fat) تقريبًا يصنع في الغدد الثديية،/ وفي المجترات (Ruminants) يكوّن الخلات (Acetate) وهي الطلائع الأساسية للأحماض الدهنية ذات سلسلة الكربون الطويلة.
ويمثل الماء معظم تركيب اللبن (87%)، حيث يتم ترشيحه من الدم إلى اللبن وهو يختلف عكسيًّا مع محتوى المواد الصلبة للبن (Total Solids) .
4- عملية تكوين وإفراز اللبن: لابد قبل شرح عملية تكوين اللبن أن نشير إلى إعجاز الخالق سبحانه وتعالى في تركيب ضروع الأنعام:
التركيب التشريحي للضرع: صمم الخالق سبحانه وتعالى ضروع الأنعام وضروع غيرها من الحيوانات الثديية بحكمة بالغة، كي يمكنها من إنتاج اللبن لإرضاع صغارها واستفادة الإنسان منه. فضروع الأنعام رباعية التركيب، وتتدلى أربطة خاصة من الحوض لرفعها وحمايتها، مما تتعرض له من صدمات خاصة عندما تمتلئ باللبن ويثقل وزنها.

وكل ربع من الضرع يعمل مستقلاًّ في إنتاج وتخزين اللبن، وهو يتكون من العديد من الغدد اللبنية المبطنة لجداره والمتصلة مع بعضها البعض بالشعيرات الدموية المغذية لها، وينتهي الضرع بالحلمة التي تمثل نهاية قناة اللبن ويحكم شكلها ووضعها وطولها، والعضلات المتحكمة فيها ضوابط وراثية في غاية من الدقة تحكم تدفق اللبن فيها، وتمنع تسربه منها إلا عند الضرورة، كما تضبط إحكام غلقها حتى لا تتسرب إليه البكتيريا وغيرها من الملوثات الحيوية وغيرها. والغدد اللبنية المبطنة لضروع الأنعام، هي غدد ذات فراغات كبيرة (أسناخ) يتكون فيها اللبن باستخلاصه من الشرايين الحاملة للدم المؤكسد، والأوعية اللمفاوية الحاملة لسوائلها العديمة اللون (الليمف) وما بها من مواد غذائية مستمدة من الفرث المهضوم في معدة الحيوان. وهذه الغدد المفرزة للبن والتي تبطن فراغات أسناخ الضرع تتكون من خلايا متخصصة على أعلى درجات التخصص، حيث إنها تتحكم -بمشيئة الله- في كمية اللبن المفرز وتركيبه، وهي في نفس الوقت محكومة بسنن وراثية منضبطة. وبالنسبة لأنثى الأنعام الحامل، فإنه عند اقتراب وقت المخاض فإن جسمها يفرز عددًا من الهرمونات الخاصة التي تضعف من ارتباط الجنين بجسم الأم عن طريق المشيمة بالتدريج، وتثير في الجسم كله تحرك المركبات.
أ-مراحل تكوين اللبن: أثبتت الأبحاث عن طريق استخدام النظائر المشعة داخل الضرع، أن أهم المكونات الخاصة باللبن يتم تخليقها داخل الضرع في الأبقار. وهناك كثير من مكونات اللبن لم يتم التعرف على طريقة تخليقها في اللبن حتى الآن، وبعض العلماء يعتقد أن هذه المكونات يتم تخليقها على مراحل متتالية ومعقدة من الصعب تتبعها حتى الآن. وفي الواقع فإن عملية انتقال المكونات من الدم إلى اللبن تخضع إلى عدة عوامل منها: ألا يزيد ضغط اللبن داخل البصيلات عن ضغط الدم داخل الشرايين المغذية لها، وذلك لضمان استمرارية انتقال المكونات من الدم إلى اللبن بطريقة طبيعية. وتعتبر عملية الضغط داخل البصيلات، من الأمور الهامة التي تؤثر بطريقة مباشرة أو غير مباشرة على سرعة عملية الحليب في المزارع.
بـ-مرحلة إفراز اللبن: تقوم الحويصلات اللبنية بإفراز اللبن، وفيها يفرز اللبن من سيتوبلازم الخلايا المبطنة للحويصلات اللبنية إلى فراغ الحويصلات، ويتم الإفراز تحت تأثير هرمونات البرولاكتين والإستروجين والبروجسترون وبعض الإسترولات المفرزة من غدة فوق الكلية بالإضافة إلى هرمون الثيروكسين. ومن أهم العوامل التي تقلل أو تمنع إفراز اللبن أثناء الحمل، هو زيادة نسبة الإستروجينات المشيمية أثناء الحمل.
جـ-مرحلة إخراج اللبن: وفي هذه المرحلة، يبدأ خروج اللبن من القنوات اللبنية والفجوات الحويصلية (مخزن الضرع) عن طريق الحلمات إلى خارج الضرع. وتنظم عملية الإخراج هذه العضلات اللاإرادية المبطنة للقنوات اللبنية، والتي تقع بدورها تحت تأثير هرمون الأكسيتوتسين (Oxytocine) والذي يفرز من الفص الخلفي للغدة النخامية. ويحتاج تفريغ اللبن من الضرع إلى رفع الضغط الداخلي للغدة اللبنية وفتح قناة الحلمة. وتتم هذه العملية بتأثير الجهاز العصبي والهرموني للحيوان، حيث يبدأ بتعرض الحيوان -عادة- للمنبهات المختلفة المصاحبة لعملية الحلب (مثل أصوات جرادل الحليب أو ماكينة الحليب الآلي أو صوت الحلاب وخلافه مما يصاحب عملية الحليب وسبق أن تعوّد عليها الحيوان) ينقل تأثير هذه المنبهات إلى الهيبوثالاموث الذي ينقلها عن طريق الألياف العصبية إلى النخامية الخلفية التي تفرز بدورها هرمون الأوكسيتوتسين في الدم. يصل هذا الهرمون الأخير إلى الخلايا المغلفة للبصيلات التي تنقبض لتفرغ محتوياتها في الغدة اللبنية، مما يزيد من الضغط داخل الغدة ويدفع اللبن، بالتالي نتيجة عملية الحلب وفتح قناة الحلمة إلى الخارج. وفي حالة انزعاج الحيوان نتيجة أي مؤثر خارجي، فإن ذلك يؤدي إلى انخفاض الضغط داخل الغدة اللبنية مما يستحيل معه تفريغ الضرع للبن. ويرجع ذلك إلى إفراز هرمون الأدرينالين الذي يؤثر على خفض الضغط الداخلي للغدة. وعادة ما يزول إفراز هذا الهرمون بزوال المؤثر، حيث يعود الضغط داخل الغدة إلى ما كان عليه في الحالة الطبيعية.
وبالرغم من أن هذا الجزء من الضرع يختزن كمية لا بأس بها من اللبن، يظل جزء كبير من اللبن الكلي موجودًا عند الحلب في فراغات التخزين الصغيرة والقنوات الشعرية وتجاويف الأنساخ والخلايا الطلائية المفرزة. وقد قدرت بعض الدراسات متوسط ما تنتجه كل ربع أمامي (Fore Quarter) بحوالي 20% من اللبن، بينما ينتج كل ربع خلفي (Hind Quarter) حوالي 30%، في حين ينتج النصف الأيمن والنصف الأيسر للضرع -كلاًّ على حدة- حوالي 50% تقريبًا مع وجود تباين فردي من حيوان لآخر.

وجه الإعجاز في تكوين اللبن

ما كان أحد يعلم قبل اكتشاف أجهزة التشريح في القرنين الماضيين، أسرار ما يجري في الجهاز الهضمي عند الحيوان والإنسان، ووظائف ذلك الجهاز المعقد وعلاقته بالدورة الدموية ومراحل تكوّن اللبن في بطون الأنعام. فلما تكاملت صناعة الأجهزة والتجارب العلمية عبر قرون، عرف الإنسان أن مكونات اللبن تستخلص بعد هضم الطعام من بين الفرث وتجري مع مجرى الدم لتصل إلى الغدد اللبنية في ضروع الإناث التي تقوم باستخلاص مكونات اللبن من بين الدم دون أن يبقى أي آثار في اللبن من الفرث أو الدم، وتضاف إليه في حويصلات اللبن مادة سكر اللبن التي تجعله سائغًا للشاربين. هذه الأسرار كانت محجوبة عن البشر، فلم يكتشفوها إلا بعد رحلة طويلة من التجارب والبحوث العلمية التي استغرقت قرونًا، واستعملت فيها أجهزة صنعت لأول مرة على أيدي الباحثين لم يكن لها وجود عند البشر قبل ذلك. ولكن القرآن الكريم كشفها أمام قارئيه بأجمل عبارة وأوجز لفظ قبل ألف وأربعمائة عام. فمَن علّم محمدًا صلى الله عليه وسلم مِن بين سائر البشر في ذلك الزمن أسرار الجهاز الهضمي والجهاز الدوري ودقائق ما يجري في غدد اللبن، إلا الذي يعلَم السر في الأرض والسماء ويعلَم أسرار ما خلق من الكائنات.
وكذلك أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى قيمة اللبن الغذائية المتميزة، في زمن لم يكن يدرك الناس تركيب اللبن وما يحتوي عليه من عناصر ومركبات الغذاء الحيوية المهمة التي لا تجتمع في شراب غيره. ثم لمّا تقدم العلم وتوفرت الأجهزة، توصل العلماء والباحثون إلى اكتشاف هذه المواد الغذائية التي يحتوي عليها اللبن من البروتينات والكربوهيدرات، والسكريات، والدهون، والمعادن والفيتامينات وغير ذلك. كل ذلك يكون شاهدًا على أن القرآن نزل بعلم الله سبحانه وتعالى وأن محمدًا صلى الله عليه وسلم رسول الله، قال تعالى: ﴿لَكِنْ اللهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا﴾(النساء:166).

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.