الرشد هو قمة وعي الإنسان واكتماله ونضجه، وصمّام الأمان من أوضاع التحلّل والفساد التي قد تؤول إليها حياة الأفراد والجماعات. إنه أعظم خصال الإنسان الصالح، والجماعة الصالحة، والأمة الصالحة، ولذلكم كثيرًا ما نسمع اليوم عن الحاجة إلى الحَكامة الراشدة، والحُكْم الرشيد، وترشيد الاستهلاك، وترشيد النفقات، والتدبير الأرشد للموارد… وما إلى ذلك.

ولما كان مبنى الرشد على طلب الأكمل والأحسن وتحري الصواب في المواقف والآراء والتصرفات الفردية والجماعية، فإن مشروع الإسلام العام هو صياغة نموذج ثقافي ومجتمعي من الرشد لأنفسنا وحياتنا ومؤسساتنا وعلاقاتنا المختلفة، وترشيد السلوك الإنساني في جميع مناشطه، والارتقاء به إلى أسمى تجلياته ومقاماته. وأساس هذا المشروع وديدنه ودأبه تعليم الرشد، وترسيخ مبادئه وقيمه في الوعي والثقافة والسلوك، وتجديد صلة الأمة به فكرة وتربية ومنهاجًا، والتخلق به علمًا وفعلاً وحالاً. ولذلكم كانت ميادين التربية -ولا تزال- قادح زناد المبادرات التجديدية والترشيدية في الأمة، إما باعتبار التخصص الوظيفي الذي تضطلع به في شحذ الهمم، وتزكية النفوس، وحفز الإرادات على التمسك بالرشد والعزيمة عليه، وإما باعتبار حساسيتها الشديدة للأزمة الفكرية والأخلاقية التي تتشخص في مظاهر التناقض والتخلف والاغتراب بين القول والفعل، أو بين المبدأ والواقع، أو بين الظاهر والباطن، أو بين الشعار وحقيقة الحال، مما يجعل بعض أطراف الأمة في خصومة مع ذاتها ومع التاريخ ومع العصر، أو في حالة فقدان التوازن والانسجام بين الضمير الديني والقيم الأخلاقية، وبين الواقع التاريخي المتغير.

ولا شيء يسرع بالمصالحة بين الضمير الديني والواقع المتغير سوى التزام الرشد واتخاذ سبيله سبيلاً، وهذا جوهر ما يشغل المشروع التربوي الرسالي، ويكابد المشاق والتحديات لتحقيقه وإنجازه:

إنه يقصد إلى المصالحة أو المواءمة بين الدين والدنيا، وبين الأخلاق والسياسة، وبين الأخلاق والاقتصاد، وبين الدين والتدين؛ إذ يتحول التدين في أحيان كثيرة إلى طقوس آلية، ورسوم جامدة، وصور خالية من المعنى، بل يتحول التدين إلى مشروع ضد الدين نفسه، كما قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلاَ يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)(التوبة:34)، وقال: (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)(التوبة:19)، وقال: (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ﴾(آل عمران:79).

ولطالما نبّه القرآن المجيد إلى آفتين ابتلي بهما أهل الملل السابقة: أولاهما استغلال القداسة؛ أعني أن يأكل المرء بدينه. والثانية التظاهر بالقداسة؛ أعني المراءاة. وفي كلا الحالين يفصل الدين عن روحه، ويحرف عن أصله ومقصده، ويصير مفتقرًا إلى روح ومعنى لاستعادة فتوته وقوّته، على نحو ما صنع الشيخ أبو حامد الغزالي -رحمه الله- بتأليف كتابه الفذ “إحياء علوم الدين”. فالحاصل، أن مشروع الترشيد الذي تقترحه الرسالة التربوية الإسلامية لإصلاح السلوك الإنساني، يقوم على مبدأ الموازنة بين جهدين:

الأول: المجاهدة الفكرية والنفسية ضد كل نزوة أو رغبة تحرف الإنسان عن أمانته ورسالته، وهذا يتسق مع مقصد عظيم من مقاصد الشريعة نبه إليه أبو إسحاق الشاطبي بقوله: “المقصد الشرعي من وضع الشريعة، إخراج المكلف عن داعية هواه حتى يكون عبدًا لله اختيارًا كما هو عبد لله اضطرارًا”.

والثاني: توحيد وتنسيق جهود المجتمع الإنساني ضد كل أشكال الطغيان، أو الاستضعاف الناشئة عن وثنية السلطة والثروة والمعرفة المزيّفة التي تبعده عن سبيل الله تعالى. ويمتاز الإسلام بتأطير هذا المشروع بوسائل وتراتيب وأدبيات خاصة ضمن رؤية كلية شاملة، تهدف إلى حفظ نظام العالم واستدامة صلاحه بصلاح المهيمن عليه، وهو نوع الإنسان؛ ويشمل صلاحه تزكية نفسه، وصلاح عقله وعمله، وصلاح ما بين يديه من موجودات البيئة التي يعيش فيها.

الرشد في القرآن الكريم

ورد لفظ الرشد في القرآن الكريم تسع عشرة مرة بصيغ متعددة، لكننا إذا تتبعنا موارده في كتاب الله عز وجل نجده لا يخرج عن المعاني التالية:

  • الإيمان والتوحيد، كما في قوله تعالى: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ)(البقرة:256)، وقوله تعالى على لسان الجن: (إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا *يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ)(الجن:1-2)، والرشد في الآيتين؛ بمعنى الإيمان والتوحيد كما ذكر الزمخشري في الكشاف.
  • الهداية والاستقامة، كما في قوله تعالى: (فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ)(البقرة:186)، وقوله تعالى: (إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا)(الكهف:10)، والمعنى: يسر لنا كل سبب موصل إلى الهداية والرشد.
  • الخير والنفع، كما في قوله تعالى على لسان الجن: (وَأَنَّا لاَ نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي اْلأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا)(الجن:10)، أي خيرًا.
  • الحق والصواب والسداد، كما في قوله عز وجل: (وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ)(غافر:38)، وقوله تعالى: (وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ)(هود:97)، أي سديد.
  • حسن التصرف في الأمور، كما في قوله عز من قائل: (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ)(النساء:6)، وهذا المعنى هو الذي نجده متداولاً في اصطلاح جمهور الفقهاء، وبهذا المعنى يكون الرشد ضد السفه.

وهذه المعاني الخمسة للرشد في القرآن الكريم، جميعها لا تخرج عن أصل الاستعمال اللغوي الذي هو الاستقامة والصلاح والاهتداء إلى طريق الخير في الدين والدنيا، وإصابة وجه الأمر وحسن التصرف. أما الرشد في الاصطلاح العام، فهو ضرب من كمال العقل أو نوع من الكمال الروحي والمعنوي، بمعنى أن يكون للإنسان قدرة على تدبير أموره على سبيل الاستقلال والسداد والحكمة، والمحافظة على طاقاته المادية والمعنوية، والانتفاع بها.

ولقد تواردت أقوال أساطين الحكمة والفلسفة على هذا المعنى بملاحظة أن مناط الرشد وملاكه، هو عمل العقل النقدي الصارم الذي ينتج معرفة إبداعية جديدة، أو ببساطة حسن استخدام العقل فيما يعرض له، وحسن استخدام العقل يتعلق في المقام الأول بقواعد المنهج التي لا تترك مجالاً للشك والتخمين، حين تستبعد الفروض المزيفة، والظنون المحتملة، وتنطلق من الاستقلال في التفكير، وعدم الرضا بالتقليد، ووعي الأخطاء على سبيل الدوام …إلخ.

مبدأ الرشد

وفي هذا السياق يقرر الأستاذ طه عبد الرحمن، أن مبدأ الرشد مبني على ركنين رئيسين، أولهما الاستقلال؛ إذ يستغني الإنسان الراشد عن كل وصاية فيما يحق له أن يفكر فيه، ويتطلع إلى أن يشرع لنفسه ما يجب فعله أو تركه، فترسخ بذلك ذاتيته. وهكذا، فالإنسان الراشد منطلق الحركة قويّ الذات. الثاني الإبداع؛ إذ يسعى إلى أن يبدع أفكاره وأقواله وأفعاله، وأن يؤسس ذلك كله على قيم جديدة يبدعها من عنده، أو على قيم سابقة يعيد إبداعها حتى كأنها قيم غير مسبوقة. وهكذا فالإنسان الراشد لا ينِي يبدع حياته. والرشد أمر عام يتناول جوانب الحياة كلها، ويشمل السلوك الإنساني ظاهره وباطنه، ويتعلق بالجانب النظري منه والعملي، فإذا ألهم المرء الرشد فيما يفكر فيه، وفيما يحس به، وفيما يحاوله ويتصرف به؛ هُدي إلى صراط مستقيم.

أما حين يسلب الرشد فإنه يتخبط خبط عشواء، ويضرب أخماسًا في أسداس، ويظل غارقًا في ظلمات التيه والغي. وقد بين الله عز وجل سبب إضاعة الرشد وفقده في آية عظيمة الشأن فقال: (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لاَ يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ)(الأعراف:146). وهذه الآية وصف بليغ للإنسان فاقد الرشد -سواء كان فردًا أم جماعة- وفيها دلالة إيماء على أن هذا الموضوع، جدير بأن تتأمل الأمة أصوله وقواعده ومصاديقه في النفس والتاريخ.

ترى كيف فقدنا الرشد؟ وهل تبيّن المجتمع الإنساني الرشد من الغي حقًّا؟ وما حقيقة الرشد وما علاماته؟ وما السبيل إليه؟ وهل يمكن أن يصدق علينا ما أخبر الله به عن قوم من الجن وقد كانوا في غاية الحيرة والتيه: (وَأَنَّا لاَ نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي اْلأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا)؟ لكن لله درهم حين سمعوا القرآن أول مرة، وخالط القرآن شِغَاف قلوبهم قالوا: (وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدَى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلاَ يَخَافُ بَخْسًا وَلاَ رَهَقًا  وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقَاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا * وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا * وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا)(الجن:13-16). أجل، (فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا)، كنت دائمًا أسأل نفسي لماذا بلغ اهتمام الجن بمسألة الرشد هذا المبلغ الذي تصوره آيات السورة نفسها؟ فالقرآن في أعلى مقاصده برأيهم دعوة إلى الرشد، والإسلام بكل اختصار هو سبيل تحري الرشد.

والجواب، أن القوم كانوا أصحاب حضارة وعلم وقوة واقتدار لا مثيل لها ولا نظير بالنسبة لمقاييس التجربة الحضارية الإنسانية حتى الآن، ومع ذلك كانوا في قمة التهارج والشقاء والضياع والبؤس. وربما كان ما بلغوه من علم وعلو واقتدار، سبب شقائهم وفتنتهم.

فإذن، حقيقة الإسلام -كما دلّت الآيات- هي تحري الرشد، والتحري بمعنى الحرص الشديد على اتباعه والتزامه، والأخذ بأسبابه، والسير على طريقه. ولكن لا يمكنك أن تتبع سبيل الرشد وأنت لا تعرفه، ولم تميّزه، ولم تتبيّن معالمه. فلذلك كان أفضل طريق للوصول إلى هذا البيان والتبين، سلوك سبيل العلم والمعرفة: (هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا)(الكهف:66).

فالمعرفة ركن أساس، ومقدمة ضرورية لتحصيل الرشد. فهل من سبيل إلى تعلّم الرشد؟ هل من سبيل إلى معرفة تكسب صاحبها مَلَكة التمييز بين الرشد والغي؟ كيف نتعلم الرشد في مرابعنا التربوية ومناهجنا التعليمية؟ هل قيمنا التربوية تعترف بقيمة الرشد وتعلي من شأنها؟ ولكن لماذا يستجيز بعضهم لنفسه استعمال القهر والجبر والترهيب في التربية والله تعالى يقول: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ)(البقرة:256)؟ كيف يترشّد سلوكنا السياسي والثقافي والاجتماعي؟ وكيف يقوم المجتمع والدولة على مؤسسات راشدة؟

وقد يتداعى إلى الخاطر هنا أنني أسوق هذه الأسئلة محاولة للجواب عنها، كلاّ، إنما المراد إثارة المعنى المغمور، ولفت الانتباه إلى أهمية الأسئلة ذاتها وإمعان النظر فيها. وربما يكون التهمم بالسؤال والاشتغال به أحيانًا، أجدى وأنفع من الاهتمام بالجواب. وأتصور -بالمناسبة- أن مقدمة الرشد وشرطه وبدايته إدمان التفكير في السؤال، والاشتغال بالفكرة كما أثنى الله على خليله سيدنا إبراهيم عليه السلام: (وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ)(الأنبياء:51)، وقال تاج الدين بن عطاء الله: “الفكرة سراج القلب، فإذا ذهبت فلا إضاءة له”. ومعلوم أنه حين تستغلق مسألة ما على فهمنا وتكون محل التباس واشتباه، فمعنى ذلك أننا لم نعطها ما تستحق من النظر والتأمل، وهكذا يبدأ الإنسان بداية خاطئة.

وقديمًا قال فرنسيس بيكون: “إن سبب الانحطاط والتخلف، اشتغال المرء بأفكار وقضايا خاطئة”. وفي آية الأعراف التي هي أصل هذا البحث وقوامه: (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ)(الأعراف:146) تنبيه على العلة الكبرى، أو علة العلل التي تجعل الإنسان فاقدًا للرشد، حتى إنه يرى سبيله، ويعرف محجته وطريقه، ومع ذلك لا يتبعه ولا يستطيع السير فيه. هذه العلة هي علة التكبر في الأرض بغير الحق، إنها المشكلة الكبرى التي يعاني منها الإنسان في مختلف أطواره وتجاربه الحضارية. التكبر في الأرض بغير الحق، هو العدو الألد، والداء العضال لمشروع الترشيد؛ إما بسبب ما يحجبه من رؤية أدلة الرشد وحججه ودلائله، وإما بسبب ما يُخْلفه في النفس من أسباب الاستخذاء والاستنكاف عن العمل به. لأن الإنسان قد يعرف الرشد ولا عزم له عليه، وهذه مشكلة أخرى، بمعنى؛ يعدم الإرادة الباعثة على العمل به وبمقتضاه. ولذلكم كان نبينا صلى الله عليه وسلم يقول: “اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرّشد” (رواه الإمام أحمد). فلذلك نقرّر هنا ما يلي:

  • إن العمل بالرشد والثبات عليه، واستمرار العزيمة عليه، لا يقلّ شأنًا وأهمية عن معرفة الرشد وإدراكه وتبيُّنه، وكلاهما تحدّ كبير، وابتلاء عظيم للإنسان المعاصر بالنظر إلى النسق السلوكي والقيمي الذي تقوم عليه الثقافة السائدة في العالم. عالمنا بحوادثه وفتنه وأحواله يدع الحليم حيران، كأن فلسفته ووجهته تقوم على نبذ الرشد ومناقضته ومحاصرته في أضيق زوايا الحياة. إن عبادة المال، وأصولية السوق، والرّبا، والثراء السريع، والمتاجرة بالحرب، والمتاجرة بالسياسة، والتسلّق الاجتماعي، وحبّ الدعة والترف، والإدمان، والمخدرات، والقمار، والاكتئاب، والطغيان والفساد، واحتراف القتل، والعنف، والعنف المضاد، والحسد، والأنانية، والجنس، والخلاعة، والمثلية، والشذوذ… كلّها متاهات للاستلاب الذي تتورّط فيه الحشود البشرية كل يوم، وتستحوذ عليها مؤثرات مستفزة تسحق وعيها بالرشد، وقدرتها على تمييزه، والعمل به، رغم الاقتدار والتطور الكبيرين الذين حققهما الإنسان في حضارة المعرفة، ومناهج البحث، وتكنولوجيا المعلومات، ووسائل الاتصال، ومصادر الطاقة، ورفه العيش. ولكن مع ذلك هناك مفارقة كبرى بين البعد المادي والبعد الإنساني في أوضاع العالم وأحواله على جميع الأصعدة، كما نبّه عليه الباحث الأمريكي صاحب كتاب “جنون القوة” بقوله: “لقد وضعنا رجلاً على سطح القمر، ولكن أقدامنا على الأرض غائصة في الوحل”. فإذا أردنا للتصوف أن يقوم بدور رسالي رائد في تصحيح هذه المواضعات وترشيد السلوك الإنساني، فعليه أن يعمِد أولاً إلى تحريره من كارثة الاستلاب الثقافي والقيمي التي تسكن في قلب ثقافة العصر، والتي يتردّى في أتُونها يوميًّا خلق غفير من الناس. ومعنى التردّي هنا عدم القدرة على ضبط النفس، وفَقْد الاستعداد الفطري للتسامي والارتقاء إلى فعل الأفضل.

وأختم هذا البحث بآيتين عظيمتين لا بد أن ينطلق منهما مشروع الترشيد في صياغة مفرداته وبرامجه واقتراحاته، لتحقيق مزيد من العمق والفعالية والسداد:

الأولى قوله تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ)(البقرة:186).

والثانية قوله عز وجل: (وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ). فمشروع صناعة الرشد لا بد أن يقوم على ثلاث دعامات متكاملة متساندة هي:

  • دعامة “فليستجيبوا لي”: إذ الاستجابة لأمره مع الإيمان، هو الذريعة إلى جميع قيم الرشد ومحاسنه (فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ)، فلا رشد مع الغفلة وانقطاع الصلة بالله والاستهانة بأمر الله وطاعته، ولا رشد مع جفاف الروح وهزالها، ولا رشد مع التكبر في الأرض بغير الحق، وترك الإذعان للأدلة والتسليم بها.
  • ودعامة السنة: إذ السنة هي الرشد كله، ولذلك نبه الله صلى الله عليه وسلم على ضرورة الحرص على اتباعها بقوله: (وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ)، “وابتداء الجملة بـ”اعلموا”؛ للاهتمام، وقوله: (أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ) خبر مستعمل في الإيقاظ والتحذير، فالمقصود إعلام الأمة باتباع ما شرع لها رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأحكام ولو كانت غير موافقة لمزاجها ورغبتها. وليتأمل بعد ذلك كيف جمعت الآية في إيجاز وإعجاز أسباب الرشد بقوله: (وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ)، وكيف نبهت إلى نواقضها وأضدادها بقوله: (وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ).
  • ودعامة الاستقلال المبدع الذي يستدل عليه بحسن التدبير، وصحة النتائج، وصلاح الأعمال، وإصابة مراشد الأمور ومقاصدها، وفي الآثار “ولا عقل كالتدبير” ومن ثمارهم تعرفونهم.

فإذا أردنا للمشروع التربوي الإسلامي أن يسهم في ترشيد السلوك الإنساني، فلا بد أن يستقر على أجنحة الاستجابة والإيمان، والاعتصام بالسنة، والعلم الاستقلالي المبدع.

 

(*) عضو المجلس الأكاديمي للرابطة المحمدية للعلماء / المغرب.