لقد أثارت الدعوة إلى تجديد الفكر الديني كما يقول البعض، أو تجديد الخطاب الديني كما يقول البعض الآخر. تساؤلات عديدة حول مصطلح “التجديد”؛ نتيجةً لخروج المصطلح من دائرة الدراسة والبحث إلى العلن. فالتجديد -كمصطلح- ظل حبيسًا في أدراج الدراسة الأكاديمية المعمقة إلى أن أخرجته الميديا بفعل فاعل؛ ليدخل المثقفون في جدل جديد ينضم إلى صراعات كثيرة ذخرت بها أدوات الإعلام.
والإشكالية أن التجديد تبادرته أذهان المثقفين، وكلٌّ يُلصق به تهمة هو عارٍ عنها وبريء منها؛ فمنهم من رأى أن التجديد عبارة عن هدم التراث الإسلامي بالكلية، واخترع منهجًا جديدًا وزعم أو وهِم أنه يتماشى مع العصر وتطوره.. ومنهم من ادّعى أن التجديد مصطلح موهم لا يُفهم ولا يمكن تطبيقه في ظل ثوابت الشرع.. أو من رأى أن نظرية التجديد ما هي إلا أداة لتشويه الفكر الإسلامي، وإعلاء نظريات أخرى غربية تدعو إلى علمنة المناهج كافة.

ليس التجديد في الإسلام إلا بمعنى “العودة بما يقع في الواقع إلى الأصل الشرعي”، ليحكم هذا الأصل الشرعي المستجدات الواقعة في كل زمان، بحيث يكون التجديد للجديد في الواقع بموجب الأصيل الثابت الذي لا يتغير

وهذه الرؤى -أو الدعاوى- توالدت كل واحدة منها من الأخرى بسبب انعدام رؤية الوجه الحقيقي لمصطلح التجديد، مما مثَّل سببًا رئيسًا في ظهور هذه الدعاوى التي توالدت. كيف؟ إن الخطاب الديني الذي يسعى البعض إلى إسناد التجديد إليه، لا يمكن أن يفهم على أنه تجديد الخطاب الشرعي للمكلفين، إذ سيكون المعنى تجديد أحكام الإسلام التي شرعها الله تعالى، وحُكم الله تعالى ثابت لا يتغير. وهذا ما حدا ببعض الذين أخضعوا النص للعقل أن يستسيغوا ويستمرئوا توجيه النص وبتره من سياقاته وتغيير دلالته، واختراع حكم زعموا أنه يتماشى مع العصر، وسمي هذا بالفكر التطويري في الإسلام، ورواده يحذفون ويغيرون ويبدلون، ثم سمّوا عملهم هذا “تجديدًا”(1).
وهذه الرؤية المجحفة للتجديد، انحصرت في توجيه النص الشرعي الذي يعني خطاب الله تعالى للمكلَّفين بأحكامه، إلى التوافق مع العصر، والتطوير بإعمال العقل في النص من خلال نظريات غربية؛ فتولد عن هذه الرؤية المجحفة رؤية أخرى رافضة للتجديد على أنه آلية لتشويه الدين والفكر الإسلامي، وطعنٌ في الثوابت الشرعية.. ثم خرجت مفاهيم أخرى بناء على هذين الاتجاهين تقول: لا نفهم للتجديد معنى، أو هو مصطلح موهم، أو لا يمكن تطبيقه في ظل الثوابت الشرعية التي لا تتغير.
وهنا تنحصر إشكالية المصطلح في انعدام الوجه الحقيقي له، وفهمه على غير هدى، والابتعاد عنه لما علق به من اتهامات، مع أن الأولى تحريره من أيدي العابثين الذين تبنوه على أنه آلية لهدم الدين الإسلامي والطعن فيه.
وهذه الإشكالية أظن أن انفكاكها وحل لغزها كامن في الإسلام ذاته، فلا حاجة لنا لرؤية غربي دخيل، أو لنظرية واردة شاردة أو مشوشة، أو لرأي متعصب لا يرى ما في الإسلام من وسطية مرنة، واعتدال بميزان دقيق تتفتت عنده نظريات التطوير الذي لا يعترف بالثوابت، وتنسف معه نظريات الهدم ومعاوله، وتطمئن عنده القلوب المؤمنة الباحثة عن الهداية بعدما حيرتها الدعاوى التي تلاعبت بالعقول بكلام معسول.
فالإسلام الحنيف وضع هذا الميزان الذي يسقط معه كل طغيان، قال الله تعالى: (وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلاَّ تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ)(الرحمن:7-8). وعلى ضوء هذا الميزان وأنواره، فليس التجديد في الإسلام إلا بمعنى “العودة بما يقع في الواقع إلى الأصل الشرعي”، ليحكم هذا الأصل الشرعي المستجدات الواقعة في كل زمان، بحيث يكون التجديد للجديد في الواقع بموجب الأصيل الثابت الذي لا يتغير، أي إن الوقائع والمستجدات العصرية تلبس ثوبًا شرعيًّا جديدًا بعرضها على نصوص الإسلام وأحكامه العظام، الذي جعله الله تعالى معجزًا في نصوصه فتوافقت مع الزمان والمكان في كل عصر حالٍّ أو آتٍ.

مصطلح التجديد في الإسلام

ولمزيد من الفهم وزيادة في العلم، فإن هناك عدة محاور يتكون منها الفهم الكلي والصحيح لمصطلح التجديد في الإسلام:
الأول: التجديد يسعى إلى إحياء ما انطمس واندرس من معالم السنن، ونشرها بين الناس، وحمل الناس على العمل بها.
الثاني: التجديد يرفض البدع والمحدثات، ويعمل على تنقية الإسلام مما علق عليه من أفكار ليست على هديه، والعودة به إلى ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم.
الثالث: التجديد يستخدم آليات تنزيل الأحكام الشرعية على ما يستجد من وقائع وأحداث عصرية، ومعالجتها معالجة نابعة من هدي الوحي(2).
وهناك محوران رابع وخامس -في رؤيتي الشخصية- ينضمان إلى المحاور الثلاثة المتقدمة، ينجلي معهما المفهوم الكلّي لمصطلح التجديد.
الرابع: فيه يضع التجديد “الإمام والداعية” أمام الوسائل والأساليب العصرية المشروعة لتبليغ الشرع الحنيف دون رفض، ودون هدم للقديمة أو التقليدية، وإنما يكون الجديد بجوار القديم، ويكون القديم أصلاً ومرتكزًا تقوم عليه مشروعية الوسيلة العصرية والأسلوب الدعوي الجديد.
وهنا يتلاقى في فلك التجديد الأصيل بالوارد الجديد؛ فيعطيه لباس “المشروعية” طالما أن الجديد يهدف إلى بلاغ الشرع الحنيف، فقد قال ربنا لنبينا صلى الله عليه وسلم: (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاَغُ الْمُبِينُ)(النحل:82)، والبلاغ بالوسائل والأساليب الجديدة والتي تصور التجديد من جزئيات البصيرة التي ذكرها ربنا في قوله تعالى: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي)(يوسف:108)؛ إنها البصيرة التي تعني اليقين والبرهان العقلي والشرعي، والمعرفة التي يميز بها المسلم الحقَّ من الباطل(3)، ومن المعرفة (البصيرة) اختيار الوسائل المناسبة للدعوة إلى الله تعالى في العصر الحديث، فإذا كانت هذه الآية -وغيرها الكثير في كتاب الله- توجب على المسلم الدعوة إلى الله، فإنها توجب لوازمها من الوسائل والأساليب عند التطبيق في كل زمان وعصر، وعليه توجب “التجديد في الوسائل والأساليب”، عملاً بالقاعدة الفقهية التي تقول: “ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب”.
إن الداعية عليه عبء التجديد في الوسائل والأساليب المشروعة لتوصيل ألوان الهدايات، وتوصيل الإسلام إلى شتى بقاع الأرض.. فليس مهمة الداعية الاستقرار على النصح والإرشاد، فمع نبل هذه المرتبة إلا أن التجديد يتجاوزها إلى الانشغال المستمر بقضايا المسلمين، وتحديث وسائل الدعوة والنظر في أساليبها، والبحث عن ميادينها الجديدة والقفز إليها، والنهوض بمستوى الوعي الديني للمدعوين.
إن هذا المحور تتبلور فيه صورة الوسائل والأساليب الجديدة والعصرية التي يستخدمها الدعاة إلى الله تعالى في علاج القضايا الآتية:
1- وسطية الإسلام واعتدال منهجه ورفض الغلو ومناهج التطرف والتكفير.
2- التعريف بمشروع الإسلام العام لإصلاح الحياة الإنسانية وكفايتها، والتعامل مع مستجداتها، وأطوارها وتطوراتها وطوارئها باحتواء، دون اصطدام من منطلق الأصالة والمعاصرة.
3- تصحيح صورة الإسلام في الغرب الذي تغيرت صورته الذهنية في العقول، فرأوه دمويًّا بسبب أفعال بعض المنتسبين إليه.
وغير ذلك من القضايا التي تتطلب تجديدًا في الوسائل والأساليب.
الخامس: وفيه يضع التجديد خطة التحسين المستمر للأداء الدعوي، ويبتعد بهذه الخطة عن معنى الهدم أو تغيير الثابت. وهذا المحور له سلف في قولهم: “تجديد الفقه” بمعنى جودة الفهم، والاستنباط، والابتكار في تنزيل النص إلى الواقع طوعًا للقواعد المعروفة في أصول الفقه. وعليه فإن “خطة التجديد الدعوي” تعني جودة فهم المخاطبين وواقعهم، وما يحتاجون إليه من ألوان الهدايات، ثم الرجوع بما يوافق حاجتهم وواقعهم وما يناسب حالهم إلى القرآن والسنة.. ويجتهد الداعية في تحسين الأداء بما يوفّقه الله إليه من أدوات الاجتهاد لاستنباط علاج المستجدات وقضايا الدعوة، وتوفير ما يهدي المسلمين إلى الحق في المعضلات، بمهارة وتحسين في الأداء. وبهذا المعنى يجمع منهج التجديد الدعوي بين ثبات الأصول وتطور الفهم في الواقع وفقهه.
وفي إطار هذا المحور يأتي دور إمام المسجد في مجتمعه، والداعية في محيط دعوته بتواصلهما مع “المدعوين”. ويكون هذا التواصل خاضعًا للمتغيرات البيئية والزمانية والمكانية والثقافية، التي يتأثر بها المتلقي أو المدعو، ويتم تعامل “الإمام أو الداعية” في ظل هذه المتغيرات، كلٌّ بأسلوبه ووسيلته التي تتفق والمتغير، لتطبيق التجديد الدعوي بصوره المختلفة.
وتستند هذه المحاور الخمسة إلى نص من روائع النبوة، يكفينا شر الالتباس في فهم مصطلح التجديد، فقد ورد في حديث أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: “إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدّد لها دينها” (رواه أبو داود)؛ والمراد بتجديد الدين إحياءُ معالمه العلمية والعملية في كل عصر، والتي أبانتها نصوص الكتاب والسنة(4).
وبهذا النص الرائع نرى أن تجديد الدين -بمفهومه الذي كونته تلك المحاور- هبة من الله للخواص. وإن كان الحديث يشير إلى أن الأئمة في الأمة مخاطبون بتجديد الدين من منطلق الأصالة والمعاصرة، إلا أن المجدد من يظهر أثره. وليكن هناك جمع غفير من الأئمة والدعاة يدورون في فلك التجديد وإجراءاته ووسائله وأساليبه، ولكن هناك من يتميز ويؤثر، ويستميل القلوب، ويستحدث آليات لم يسبق بها، ويهبه الله تعالى نورًا يرى به ما لا يراه غيره من معضلات الأمور، ومهمات المسائل.. فهذا ينعته الناعتون بـ”المجدد” على رأس من يعملون في واقع التجديد في الفكر الإسلامي من الأئمة في الأمة.

الإشكالية أن التجديد تبادرته أذهان المثقفين، وكلٌّ يُلصق به تهمة هو عارٍ عنها وبريء منها؛ فمنهم من رأى أن التجديد عبارة عن هدم التراث الإسلامي بالكلية، ومنهم من ادّعى أن التجديد مصطلح موهم لا يُفهم ولا يمكن تطبيقه في ظل ثوابت الشرع..

وإذا كان الأئمة والعلماء في الأمة معنيون بالتجديد حتى يظهر فيهم المجدد الفردي المتميز -وفق الحديث- فهذا ما يؤكد على واقع التجديد من منظور الإسلام أنه إسلامي خالص، ووجوده في الإسلام وجودٌ ذاتي، فينتفي عنه أنه دخيل على الإسلام أو من اختراعات الغرب، والأكثر من ذلك هو نعمة من الله تعالى ينعم بها على الأمة كل مئة عام.
والأعجب من ذلك ما قاله ابن الأثير -وهو محق- في معنى الحديث: “الأَوْلى أن يحمل الحديث على العموم، ولا يلزم منه أن يكون المبعوث -على رأس المئة- رجلاً واحدًا، وإنما قد يكون واحدًا، وقد يكون أكثر منه؛ فإن لفظة “من” تقع على الواحد والجمع”، ويفهم من كلامه أن التجديد بنظرة واقعية موجود في الإسلام عبر الزمان، وكل مئة سنة من الممكن أن يظهر المجدد الفردي أو مجموعة من المجددين، وهذا ما يعني أن التجديد في الإسلام منظومة نشطة لها روادها وأثرها كل مئة عام.
وبنظرة متأنية في الحديث، وما قاله ابن الأثير في معناه، نكتشف أن تحديد المئة عام يمثل مرحلة تليها مئة عام أخرى أي مرحلة أخرى، وهكذا مما يؤكد على أن الإسلام فيه ما يكفي للتعامل مع مستجدات العصر. ففي كل مئة عام قطعًا يحدث تطور، فيأتي من رجال الإسلام من يتعامل مع هذه المرحلة وتطوراتها ومتغيراتها، ومن هنا نعلم صدق مقولة: “إن الإسلام يصلح لكل زمان ومكان”. كيف لا وقد ذخرت قرون الإسلام بالمجتهدين الأفذاذ الذين كان عملهم العودة بالأمر الجديد إلى أصله. فكثير من المسائل الدينية تدخّل فيها الواقع بطوارئه وظروفه العصرية، فيأتي المجدد والمجتهد بأصول ثابتة لا تتغير، وخصائص شرعية لا تتبدل، ويبدأ في تطوير الفهم وتحسين أساليب الاجتهاد وتفعيل أدوات التطبيق، فيصير الأمر جيدًا جديدًا انطلاقًا من الأصل الشرعي.
وبهذا قد أكون حاولت فهم المصطلح (التجديد) وفق النصوص الشرعية التي لا يمكن أن تُفهم المصطلحات بعيدًا عنها، وحاولت فهم المراد من الدعوة إلى تجديد الخطاب الديني، وفك الاشتباك الواقع في فهم هذا “المركَّب” الذي ترامى إلى الأسماع واختلفت فيه الأفهام. وأظنني بدأت محاولاً تاركًا المقام لغيري ممن استوى على سوقه ليضع منهج التجديد وضوابطه وطرائقه. فإلى أن يأتي هذا الهمام أدعو الله بالتوفيق والسداد.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) من علماء وزارة الأوقاف المصرية.
الهوامش
(1) كيف نفهم الإسلام، لمحمد الغزالي، ط. دار الشروق، ص:183.
(2) التجديد في الفكر الإسلامي، لعدنان محمد أمامه، ط. دار ابن الجوزي، السعودية، الطبعة الأولى 1424هـ، ص:16-18.
(3) تفسير ابن كثير 2/497، تفسير البغوي 2/453، تفسير السمعاني 3/72، تفسير السعدي 1/406.
(4) مفهوم تجديد الدين، لبسطامي محمد سعيد، ط. دار الدعوة، الكويت، الطبعة الأولى 1984م، ص:3.