البيروني.. مؤرخ الأديان المتخصص

فيلسوف ورياضي ومؤرخ، اطلع على فلسفة اليونانيين والهنود، وكان ذا شهرة عالية ومكانة متميزة عند ملوك عصره. له مؤلفات كثيرة ومهمة في ضروب مختلفة من العلم ترجمت أغلبها إلى أهم اللغات العالمية. ففي الجغرافيا ألَّف “تصحيح الطول والعرض لمساكن المعمور من الأرض”، وفي التاريخ ألف “الآثار الباقية عن القرون الخالية”، وفي الفلك له “الاستشهاد باختلاف الأرصاد”، ومما أُثِرَ عنه في الرياضيات كتاب “استخراج الكعاب والأضلاع وما وراءه من مراتب الحساب”، وفي الأدب كتب “شرح ديوان أبي تمام”، وله في الفلسفة كتاب “المقالات والآراء والديانات”.. وغير ذلك من المؤلفات الضخمة التي تربو على الأربعمائة كتاب. وبهذه المؤلفات يكاد يكون أبو الريحان البيروني (973م-1048م) قد ألَّف في كل فروع المعرفة التي عهدها عصره.
قدم البيروني إسهامات علمية قيمة في ميدان العلوم التجريبية، فقام بحسابات وحلّ معادلات لا تعالج اليوم إلا بالأدمغة الإلكترونية، واختار أصعب المسائل وحلها، وتسمى هذه المسائل الهندسية والرياضية “مسائل البيروني”. وابتكر نظرية خاصة لتقدير “النسبة التقريبية” الضرورية لحساب مساحات ومحيطات الدوائر، وتمكن من تقدير محيط الكرة الأرضية وقطره. وبالتالي تناولت أبحاثه علم ميكانيكا الموائع والهيدروستاتيكا، كما انضم مع ابن سينا إلى الذين شاركوا ابن الهيثم في رأيه القائل بأن الضوء يأتي من الجسم المرئي إلى العين.
ومن أبرز ما قام به البيروني، أنه توصل إلى تحديد الثقل النوعي لثمانية عشر عنصرًا مركبًا، بعضها من الأحجار الكريمة، مستخدمًا الجهاز المخروطي. وفي ظاهرة الجاذبية كان البيروني -مع ابن الحائك- من الرواد الذين قالوا بأن للأرض خاصية جذب الأجسام نحو مركزها. ومن المسائل الفيزيائية التي تناولها البيروني في كتاباته، ظاهرة تأثير الحرارة في المعادن، وضغط السوائل وتوازنها، وتفسير بعض الظواهر المتعلقة بسريان الموائع، وظاهرة المد والجزر وسريان الضوء.

مكانته العلمية

فلا عجب بعد هذا كله أن نجد المستشرق الألماني “سخاو” يصفه بقوله: “إن البيروني من أضخم العقول التي ظهرت في العالم، وإنه أعظم علماء عصره، ومن أعظم العلماء في كل العصور”، ونجد “جورج سارتون” يقول فيه: “كان رحالة وفيلسوفًا ورياضيًّا وفلكيًّا وجغرافيًّا وعالمًا موسوعيًّا، ومن أكبر عظماء الإسلام، ومن أكابر علماء العالم”، ونجد أيضًا المستشرق الروسي “كراتشكوفسكي” يقول فيه: “لا نملك إزاء هذا إلا الانحناء في خشوع واحترام أمام النتائج العلمية الباهرة التي توصل إليها، والتراث العلمي الحافل الذي أنتجه في ظروف الزمان الذي عاش فيه”. ولا عجب كذلك أن نجد في القمر أماكن تحمل اسمه، وأن تسمي روسيا مدينة وجامعة باسمه، وتقيم له تمثالاً في جامعة موسكو، وتنظم في شأنه الندوات، ويكرم من قبل دول عديدة.

كتابه حول الأديان

كتاب البيروني حول الأديان “تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة”؛ يعد هذا الكتاب من أضخم كتب المسلمين التي ألفت في مجال تاريخ الأديان، إذ يقع في حوالي ستمائة صفحة، وقد قسمه البيروني إلى ثمانين بابًا حوت كمًّا هائلاً من الموضوعات المتشعبة والمتشابكة والتي يصعب حصرها. فبعد مقدمة صغيرة ضمنها البيروني بعض ملامح منهجه في الكتاب، استطرد في الحديث عن كل ما يتعلق بالهند من الناحية الدينية والاجتماعية والثقافية والعلمية وغيرها. فقد تطرق فيه البيروني على معتقدات الهنود في الله تعالى، وفي الموجودات العقلية والحسية، وفي الأرواح والجزاء والجنة والنار، ووصف آلهتهم وطقوسهم وفرقهم وكتبهم ومعارفهم وبلادهم وأنهارهم وبحارهم وممالكهم ومنجميهم وشرائعهم وغير ذلك.
وقد اكتسى الكتاب أهمية كبيرة، واشتهر عند علماء الأديان كواحد من أهم الكتب في المجال، وحظي باهتمام الباحثين والدارسين، خاصة الغربيين منهم، والذين أثنوا عليه، وأشادوا بقيمته العلمية، وقد وصفه المستشرق الروسي “روزين” بأنه “أثر فريد في بابه، لا مثيل له في الأدب العلمي القديم أو الوسيط، سواء في الغرب أو في الشرق”.

منهجه في تأريخ أديان الهند

بدأ البيروني وصفه لأديان الهند بانتقاد سابقيه ممّن اهتمّوا بحضارة الهند وتقاليدها الدينية، وأظهر عيوب كتب المقالات وما عُمل في الآراء والديانات، ورأى أن أكثرها منحول وبعضها عن بعض منقول وملقوط، مخلوط غير مهذّب على رأيهم ولا مشذّب. ولذلك أقرّ البيروني بأنه لم يجد من أصحاب كتب المقالات أحدًا قصد الحكاية المجرَّدة من غير ميل ولا مهادنة سوى أبي العباس الإيرانشهري. ولذلك فقد اتبع البيروني في وصفه لأديان الهند منهجًا يحمل كل سمات المنهج العلمي الحديث في دراسة الأديان، ويمكن إجمال سمات هذا المنهج فيما يلي:
1- تحري الأمانة العلمية في نقل الأخبار: وهذه من أهم السمات التي يجب توفرها عند جميع العلماء والباحثين في كل أصناف المعرفة، وخاصة في ميدان دراسة الأديان. وقد كان البيروني ملتزمًا بهذا المنهج في كتابه، فهو ينسب الأقوال إلى أصحابها، وعند الحديث عن موضوع ليس لديه عنه معلومات ومصادر وافية وأصيلة، فإنه لا يلجأ إلى التخمين أو الافتراض، بل يخبر قراءه بذلك بكل صراحة؛ فمثلاً عند دراسته “للشمنية” والحديث عن أساطيرها وخرافاتها يقول: “ولأني لم أجد كتابًا للشمنية، ولا أحد منهم أستشف من عنده ما هم عليه، فإني إذا حكيت عنهم فبواسطة “الإيرانشهري” وإن كنت أظن أن حكايته غير محصلة، أو عن غير محصل”. ومن أمثلة الأمانة العلمية لديه أيضًا توقفه في باب: “مبدأ عبادة الأصنام وكيفية المنصوبات” عن إصدار الحكم في أمر لا علم له به، يقول: “أمّا قولكم إن من اليونانية من ذكر أن الأصنام تنطق، وأنهم يقرّبون لها القرابين ويدّعون فيها الروحانية، فلا علم لنا بشيء منه، ولا يجوز أن نقضي على ما لا علم لنا به”.
2- الاعتماد على المعاينة والمشاهدة المباشرة: أي إن البيروني لم يقم بدراسة نظرية لأديان الهند، بل قام بدراسة تطبيقية ميدانية، يدل على ذلك قوله في مقدمة الكتاب: “بسم الله الرحمن الرحيم، إنّما صدق قول القائل “ليس الخبر كالعيان”، لأن العيان هو إدراك عين الناظر عين المنظور إليه في زمان وجوده وفي مكان حصوله”. ولم يكتف البيروني بالمشاهدة فقط، بل كان في بعض الأحيان يسأل ويستفسر العلماء والمنجمين ورجال الدين، وفي ذلك يقول: “كنت أقف من منجّميهم مقام التلميذ من الأستاذ لعجمتي فيما بينهم وقصوري عمّا هم فيه من مواضعاتهم”.
3- الحياد والموضوعية: ابتعد البيروني عن النقد والجدل، واختفت مرجعيته الإسلامية في ثنايا الكتاب، فكان مجرد حاك وناقل لما شاهده في بلاد الهند، وكان ذلك مما أكده البيروني في مقدمة كتابه، حيث قال: “… ففعلته غير باهت على الخصم ولا متحرّج عن حكاية كلامه، وإن باين الحقّ واستفظع سماعه عند أهله فهو اعتقاده وهو أبصر به. وليس الكتاب كتاب حجاج وجدل حتى أشتغل فيه بإيراد حجج الخصوم ومناقضة الزائغ منهم عن الحق، وإنما هو كتاب حكاية فأورد كلام الهند على وجهه”. وقد شهد بموضوعية وحياد البيروني ثلة من علماء الغرب:
يقول “ألانا” (G. Allana)صاحب الكتاب التذكاري عن البيروني: “إن البيروني ألف كتابه عن الهندوسية ولم يكن فيه منحازًا أو متعصبًا، واستشعر واجبه كمسلم في اقتباس نصوصهم كاملة، ولم يكن كتابه كتابًا جدليًّا، بل هو تسجيل تأريخي للحقائق قد وضع فيه أمام القارئ نظريات الهندوس كما هي”.
ويقول الباحث الأمريكي “إيمبريك”: “يتقدم البيروني نحو فهم الاختلافات الثقافية، ويعرض عقائد الهنود تاركًا الهندوسيين يتكلمون عنها بأنفسهم وبتعبيرهم الخاص”.
بل إن حياد البيروني بلغ درجة جعلت “إدوارد سخاو” يقول: “إنك تقرأ بعناية صفحات عديدة من الكتاب دون أن يتبادر إلى ذهنك أن الكاتب مسلم، وليس هندوسيا”.
4- اتباع منهج المقارنة: وقد أعلن البيروني عن ذلك في مقدمة كتابه حين قال: “فأُورد كلام الهند على وجهه وأضيف إليه ما لليونانيين من مثله لتعريف المقاربة بينهم”. فنجده مثلاً في مطلع الباب الرابع (حال الأرواح وتردّدها بالتناسخ في العالم) يقارن الديانة الهندية ببقية الأديان، من خلال رموزها التأسيسية فيقول: “فكما أن الشهادة بكلمة الإخلاص شعار إيمان المسلمين، والتثليث علامة النصرانية، والإسبات علامة اليهودية، كذلك التناسخ علم النحلة الهندية، فمن لم ينتحله لم يكن منها ولم يعد من جملتها”.
5- التمكن من اللغة السنسكريتية: هناك مجموعة من الأدلة تؤكد تمكّن البيروني من اللغة السنسكريتية، منها ترجمته لكتابين منها إلى اللغة العربية كما صرح بذلك في مقدمة كتابه: “وكنت نقلت إلى العربي كتابين أحدهما في المبادئ وصفة الموجودات واسمه “سانك”، والآخر في تخليص النفس من رباط البدن ويعرف “بياتنجل”، وفيهما أكثر الأصول التي عليها مدار اعتقادهم دون فروع شرائعهم”. ومنها أيضًا وصفه لهذه اللغة بدقة متناهية، وذلك في قوله: “ومتى رامها أحد لإزالة المباينة، لم يسهل ذلك لأنها في ذاتها طويلة عريضة تشابه العربية يتسمّى الشيء الواحد فيها بعدة أسام مقتضبة ومشتقة، وبوقوع الاسم الواحد على عدّة مسمّيات.. ثم هي منقسمة إلى مبتذل لا ينتفع به إلا السوقة، وإلى مصون فصيح يتعلق بالتصاريف والاشتقاق ودقائق النحو والبلاغة لا يرجع إليه غير الفضلاء المهرة، ثم هي مركبة من حروف لا يطابق بعضها حروف العربية والفارسية ولا تشابهها، بل لا تكاد ألسنتنا ولهواتنا تنقاد لإخراجها على حقيقة مخارجها”. ومنها استعماله الكثيف لبعض مصطلحات هذه اللغة، مثال ذلك قوله: “إلا أني كنت أسمع منهم التصعيد والتكليس والتحليل وتشميع الطلق وهو بلغتهم “تالك”.. ولهم فن شبيه بهذا الباب قد اختص الهند به ويسمّونه “رساين”، وهو اسم مشتق من الذهب”.
6- الاعتماد على المصادر الأصلية: إلى جانب دراسته الميدانية، اعتمد البيروني -كذلك- في وصفه لأديان الهند على مصادرها المكتوبة. وقد صرح بذلك في أكثر من موضع، فقال مثلاً في سياق حديثه عن كتابه: “ولقد أعيتني المداخل فيه مع حرصي الذي تفرّدت به في أيامي، وبذلي الممكن غير شحيح عليه في جمع كتبهم من المظانّ، واستحضار من يهتدي لها من المكامن”.
والمطالع لكتاب “تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة”، يجد إشارات متكررة من البيروني إلى كتب الهند، سواء كانت إشارات عامة، أو إشارات خاصة إلى كتب بأسمائها، نذكر من ذلك:
“قال السائل في كتاب “باتنجل”: “من هذا المعبود الذي ينال التوفيق بعبادته؟ قال المجيب: هو المستغني بأوّليّته”.
“ونحن نذكر ها هنا أيضًا من كتبهم ما يصرّح بهذه المعاني، ففي “بشن پران”: إن “ميتري” سأل “پراشر” عن الغرض في جهنم والعقاب به؟ فأجابه بأن ذلك لتمييز الخير من الشر، والعلم من الجهل، وإظهار العدل”.
يقول المستشرق الروسي “فاسيلي فلادمير” مؤكدًا اعتماد البيروني على المصادر الأصلية للهنود: “وألَّف كتابًا قيمًا عن الهند، يدل على نظر واسع وحياد علمي تام، وفي كتابه عن الهند معلومات واسعة عن الأديان والعلوم التي فيها، وقد استقاها البيروني من منابعها الهندية المباشرة”.
لقد اجتمعت في البيروني كل صفات دارس الأديان المتخصص، فإضافة إلى حياده وموضوعيته، وأمانته في نقل الأخبار، واعتماده على الدراسات الميدانية، ورجوعه إلى المصادر الأصلية، فقد تميز بصفة غابت عن جل علماء الإسلام المتقدمين الذين تطرقوا لموضوع الأديان، ألا وهي إتقانه للغة الأمة التي تناولها بالدرس والوصف، وهي اللغة السنسكريتية.
وهكذا يمكن القول إن علماء الإسلام -ومنهم البيروني- قد قدموا إسهامات قيمة في ميدان دراسة الأديان، تميزوا بها عمن سبقهم، وسبقوا بها من بعدهم، سواء على مستوى المنهج أو النتائج المتوصل إليها، حتى وإن لم يكن علم مقارنة الأديان علمًا إسلاميًّا، فيكفي المسلمين فخرًا ما قدموه من إسهامات كان لها الأثر الكبير والواضح في تأسيسه وتأصيله.
(*) كاتب وباحث مغربي.
المراجع
(1) تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة، أبو الريحان البيروني، مقدمة الناشر.
(2) أعلام الجغرافيين العرب، حميدة عبد الرحمن.
(3) مدخل لدراسة تاريخ الأديان، مسعود حايفي.
(4) تطور الفكر العلمي عند المسلمين، عفيفي محمد الصادق.