الأنصاري؛ روايته الأخيرة “عودة الفرسان”، نص المولد وخطاب الوداع

حين يخوض الأنصاري في توثيق سيرة الداعية المصلح فتح الله كولن، تكون الكتابة بالنسبة إليه استشفاءً، وتجملا، ومقاومة لكوابيس الداء العضال، واستجماعا لكل ما في المعين من بذور وفسائل عاجَلَها الرحيلُ عن أن تتفتح وتزدهر وتستوي على سوقها.
يمكن أن يقال عن هذه الرواية إنها النص الوداع، الرسالة الوصية، البيان الختامي، المتن الوديعة، بل إنها صوت احتسابي صادر عن نفس تنحني في مقام الاستسلام، وتذعن للقدر برضى، كما يقتضي الإيمان من المسلم الحق.
إنه النص الجسر الواصل بين إسطنبول ومكناس، نص حَوْلِيٌّ اختزل الأجندة، واختصر في فصوله أطوار حياة الأنصاري، من حيث شَعر الأنصاري أو لم يشعر. كتابة هذا النص هي في الأساس تنقيب في مراحل سيرة الداعية فتح الله، لكنها غدت في استطرادات عدة من متنها كتابةً عن الذات، ولا غرو أن تتلابس الأشجان، فالمرء مع من يحبّ، والروح تتعشق أن تُنَوِّهَ بشمائلها الشخصية من خلال التنويه بأشخاصِ مَنْ تتجسَّد فيهم تلك الشمائل.

الكتابة فعل احتسابي

وواضح أن الأنصاري أقبل على الكتابة وهو لا يعرف ما جنس النص الذي سيخوض في تحريره.. كل الذي يدريه أنه يُقْدِمُ على الكتابة تحت باعث قويٍّ، مكينٍ: “ربما كان هذا النص الذي أقدمه اليوم للقراء رواية، أو سيرة، أو ربما كان قصيدة، أو كتاب تاريخ.. لست أدري”..!
ومن أول وهلة يكشف لنا الكاتب عن مكان ولادة هذا النص، ويُبَيِّنُ المنازلَ التي شهدتها عملية نَماء وتشكُّل هذه الرواية، بل ونراه من خلال تقنية القطع والالتفات السرديَين، يميط اللثام عن الحال الدرامية التي تم فيها المخاض وتحقق الوضع: “إنني شرعت في تدوين ملاحمه بمستشفى “سماء” في مدينة إسطنبول العامرة سنة 2008، ثم دوّنت بعضها بعد ذلك ببيتي في مدينة مكناس بالمغرب الأقصى، ثم قُدِّرَ لي أن أختمها بعد سنة كاملة بمستشفى “سماء” مرة أخرى في مدينة إسطنبول!”.
وبما أنه يكتب عن أحد أبرز أئمة الدعوة المميَّزين بالعبقرية في العصر الراهن، فلابد أن نراه يبادر إلى الكشف عن معاناة الموهوبين، إيعازا بما يلقى هذا الإمام من أنواع المكابدات، وربما إيعازا كذلك بما كان يستشعره هو أيضا من دنوّ الأجل.. فالعبقرية عطاء مُبْكِر في الحلول، مبكر في الأفول. يقول متحدثا عن فتح الله: “أيّ بلاء أشد على المرء من أن يعيش قبل أوانه، ويعاشر غير أهل زمانه؟”.
لا ريب أن التواشج هنا قائم بين شخصية الكاتب وشخصية المكتوب عنه، ذلك أن الترابط بين الأنصاري وبين الداعية فتح الله كان معنويا، قَريحيّا، والتجاذب بينهما قام على أساس من انشداد الروح إلى الروح. كان الأنصاري المنحدر من أرض طفقت تصدِّر إلى الآفاق أعلاما من رجال السلوك والتأسيس الطُّرُقي، يبحث عن القطب الذي يتواثق معه على المرابطة، فاختلبته رايات الطائفة النورية، فأناخ ناقته وأخذ مجلسه من الحلقة، وانخرط رأسا في استظهار الأذكار. لقد وجد في فتح الله إمامه، وتبين فيه وراثة السر والمفتاحية.
ومن الطبيعي أن يسلس للسارد القول وتحتدم الشعرية من خلال ما يوفره له البعد المكاني الذي حلّ به، والذي تدور فيه وقائع الرواية (إسطنبول) من دواعي الإعراب. إنه فضاء حافل بالتداعيات التاريخية والمرموزية.
ومنذ البدء تجد النفس ذاتها مشتحنة بمشاعر اللوعة والجيشان، إذ هناك ما يبعث على مثل ذلك التهيج الوجداني الذي بدا وأنه -كأغوار البحر- يتلاطم من خلال مجاري العمق والتيارات الجوفية.. وهكذا تهيأ للكاتب العليل أن يعيش ومنذ ساعة هبوطه إلى تلك البقاع، حالةً متوترة من المواجهة مع التاريخ، ومن المكاشفة والإفصاح عن طاقم الفجائع الكبرى التي ما زالت أصداؤها المشؤومة تدوّي في روح الكاتب. وما أسرع ما نعرف أن كاهله ينوء بإرهاقات ثلاثة مزمنة تثوي في العمق، ثلاثة تصدعات لا تزال مفتوحة في جسد الذاكرة: هزيمة الأندلس، وضياع الخلافة، واعتقال الأقصى.
العلة الجسدية إذن تزيد أدواءُ الاعتلال المعنوي من التهابها، وذلك ما يفاقم من وضع الكاتب.

التوحد

ثم لا نلبث أن نرى الكاتب يتوحد مع شخص كولن، أو هو بالأحرى يستشعر ما كان يقرب بينهما من قواسم، فكلاهما على وعي متفجر بمواقع الداء منه، وكلاهما قضى عليه القدر والألمعية أن تستغرقه رحلةُ البكاء.
الداء يمتطي صهوت كولن فينوح، وداء آخر يسحق كينونة الأنصاري فلا يملك سوى أن يبكي هو أيضا، وفي الحالين يبقى الأمل والعزيمة وحدهما مناط هبوب نسيمات الرجاء في استعادة السلامة والعافية والتجدد: “رجلٌ وحده يسمع أنينَ الأسوار القديمة، ونشيجَ الريح الراحل ما بين طنجة وجكارتا! وبكاءَ النورس عند شواطئَ غادرتها سفنُ الأحبة منذ زمان غابر، ولكن لم يشرق لعودتهم بَعْدُ شِرَاعٌ!.. فيبكي”!
وتصرّ السردية على أن تعمق هذا الملمح الاحتراقي البارز في شخصية كولن، فتضيف: “رجلٌ وحده يسمع صهيلَ الخيل القادمة من خلف السُّحُبِ، ونداءَ الغيبِ المحتجِبِ، إذ يتدفق هاتفه على شاطئ صدره، فينادي مِنْ عَلَى منبره: ألاَ يا خيلَ الله اركبي!.. ويا سيوف البرق الْتَهِبِي!.. ويَرَى ما ليس يُرَى.. فيبكي!”.
وتلتفت السردية تارة أخرى إلى استقراء رمزية اسم “البطل” فتراها رمزية تحمل في دلالتها معاني البشرى التي أناط القدر بالداعية الإمام مهمة زرع فسائلها وملء الحقول من حواليه بها: “فتح الله سيرةُ بكاء! لقبه الأسري: “كُولَنْ”، ومعناه “الضحاك” باللسان التركي، وهذا من عجائب الأضداد، ومن غرائب الموافقات أيضا! فهو بَكَّاءُ الصالحين في هذا العصر، لكنه ما بكى إلا ليضحك الزمان الجديد، وليزهر الربيع في حدائق الأطفال. ما رأيت أحدا أجرى دمعا منه، ولا أكثر وَلَهًا.. وكأنما دموع التاريخ جميعا تفجرتْ أنهارها من بين جفنيه!”.

كولن والنورسي

بل إن الرواية لتجعل من صفة البكاء التي يتميز بها كُولن مَجْلًى مُشَخِّصاً لمهمة الافتداء والعطاء التي نذر نفسه لها، حين اختار أن يسلك للحياة سبيل التنسك والانقطاع إلى الخدمة وبذل الصالحات. كولن مثل الأستاذ النورسي، ومثل قطاع متميز من أهل الله، عاشوا كينونتهم في صيام وقيام، إذ قدَّروا أن لا وقت لديهم ينفقونه في غير ما يحقق معنى الكمال الإنساني الذي به تتحقق الاستخلافية، استخلافية الإنسان في الأرض.
فالبكاء -حسب قول السارد- هو مجرد عنوان حالي لملاحم من جليل الرهانات التي اجتازها كولن عبر حياته ومنذ الميعة: “ولقد أخطأ من ظنه يبكي ضعفًا أو خَوَرًا! وإنما هو جَبَلٌ تشققت أحجاره عن كوثر الحياة الفياض؛ فبكى! الوعظ سر من أسرار فتح الله! فلم يزل منذ طفولته يبكي بمجالسه؛ فتبكي لبكائه كل عصافير الدنيا! ولقد رأيته يبكي طفلاً وشابا، ثم كهلاً وشيخا! ولم يزل يبكي ويبكي.. وما جفّ لتدفّق شلالاته نَبْعٌ! بدموع مواعظه الْحَرَّى سقى فتحُ الله كل غابات بلاد الأناضول! وبها أروى عطش الخيل، وأطعم فقراء الليل! وبوابلِ بوارقها سقى كل صحارَى العالم! ولقد عجبتُ من أي جبال الدنيا تخرج منابعه؟”.
ومن البيِّن أن الكاتب -وهو يستعرض ملامح المعاناة التي عليها فتح الله- كان يجد مجالا لترجمة كثير مما بنفسه هو من ذعر واندحار ومصابرة.. فالبطولة السردية في مطلع الرواية تنحو منحى تَشارُكِياً، بحيث نحسّ أن شخصية الأنصاري وشخصية الإمام فتح الله تتقاسمان أو تبادلان دور الحضور بصورة طبيعية، وذلك بحكم ما يقوم في روح الأنصاري من إكبار ومحبة لشخص الإمام، جعله يقرأ مساحة من همومه هو في خريطة هموم وأرزاء الإمام. فحِسُّ البيعة والتبعية جليّ في الخطاب، إذ العلاقة التي تربطه بفتح الله هي علاقة المريد بشيخه، والجندي بقائده، والابن بأبيه.
هنا يقع نوع من التطابق بين وضع السارد ووضع المسرود له، من حيث وحدة وطبيعة المقاومة التي يقتضيها مطمح الانتصار في المعركة الحسية والمعنوية، على الرغم من انبثاق إشارات متواترة تكشف أن أولوية الحسم بالنسبة للأنصاري في تلك المعركة، إنما هي الصمود والتغلّب على العلة الجسدية، إذ كانت هي “النازلة” التي تقف حاجزا أمام ما كان يأمل أن يكون له من بلاء.
ويقع التطابق المسلكي بينهما كذلك، اعتبارا لما كان يرشّح له الأنصاري نفسه في المحنة التي يمر بها، من حيث وجوب السير على خطى شيخه، فيمضي على نهج من التماسك، والتجرد، والتعالي عن الوهن، والتواري عن الأضواء؛ فالاقتداء بأهل الريادة و”النموذجية” يعني أن نتعلم كيف نتَـلَقَّي السهام بسنّ ضاحك، ووجه طلق، وملامح تخفي طعاناتها وراء خطوط من الاستبشار.

في إسطنبول

أبحر الأنصاري إلى إسطنبول على أمل الشفاء، وحل بتلك الحاضرة ذات الماضي المجيد، وألقى بنفسه على ذات الموج الذي عبر فوقه سائر الفاتحين: “هنا إسطنبول.. هنا معبر الفاتحين إلى كل أدغال العالَم!.. ما إن دخلتُ بين مآذنها حتى انتشى قلبي أملاً! لكنني لـمّا اقتربت من جِسْرِ البُوسْفُورِ مَسَّنِي فَزَعٌ!.. كانت النوارسُ تضج في الفضاء بشكل مثير على غير عادتها..! فلَم أَدْرِ أَعُرْسٌ هو أم محض عويل؟.. ومن يدري؟”.
أجل وإنه لحق قول الله عز وجل ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾(لقمان:34).
تُرى هل أحس الأنصاري وهو يعبر الجسر، بالنذر ترشقه بسهامها الرعناء؟ هل دَرَى -هو الباحث عن الأسرار- أن رحلته إلى عالم الآخرة ستكون من صدد ذلك الأفق الذي حل به، في مشفى السماء حيال البحر، وأن الجزر الخمس زينة ذلك العرض الفردوسي، ستكون هي المحطة النهائية التي سينتهي عندها نظره في سعي منه أن يخترق الحجب صوب الأندلس الفقيدة، وصوب المغرب البعيد، حيث الأحبّة، وحيث يمتد الجناح الآخر من الوطن الملّي..
مهيض الجناح هو بعرض البحر، لا يقدر على حراك، ولا يتأهّل لتحدّ.
مشهد الجسر الرابط بين آسيا وأوروبا، والذي عبره الأنصاري وهو ينـزل بلاد النور، كانت دلالته حادة في شعوره، وعنوانًا على قرب الاجتياز، وشارة منذرة بقرب انتهاء الرحلة وطي الكتاب.
ويحاول الأنصاري أن يستمد السلوى في ليل الوحشة والبعد عن الأهل من هبوب نسمات الحلم.. فالحلم هو حقيبة البشائر التي يلقي بها أمامنا الأملُ حين يلفنا الموت الأصغر، وهكذا رأى الأنصاري نفسه يَطعم عسلا، ورأى أسراب النحل تعتصر الرحيق من مآقي شيخه الإمام.. وواضح أن الدلالة الاقتضائية تومئ هنا إلى ما كان يتبَرْعم في روح الأنصاري من أمل بنيل الحاجة، والأوبة إلى وطنه محمَّلا بالمغانم.
بل إن للنحل والعسل -هنا- دلالة مناطة بمطمح الشفاء الحقيقي والمجازي الذي ينشده الأنصاري بَلْسما لمرضه الحسّي، ومرض الأمة المعنوي.
من جهة أخرى نراه يسترفد للحالة التي تطبق عليه بعتامتها بيتا للمعري:
أَبَكَتْ تِلْكُمُ الْحَمَامَةُ أَمْ غَـ * * * ـنَّتْ عَلَى فَرْعِ غُصْنِهَا الْمَيَّادِ..؟
فالشعر في حال انهدار المعنويات، له دور السند على كل حال، وواضح أن الأنصاري، ومن خلال تسويق هذا الشاهد الشعري، يرسم صورة للوجود، ليس كرؤية شك وحيرة وعدم إذعان، وإنما كحسرة على الأفول العاجل وحُرقة على المغادرة المبكرة.

سماء الأمل

إنه يعيش مفصلا دقيقا، بل متصدعا من عمره، لا تفتأ النفس تبحث فيه عن مسرب للانفلات من تحت الأنقاض، وإنّ وقْعَ ذلك الوضع المتأزم ليتردد دويه العنيف في أوصال الخطاب: “..لِزَمَانِ التحولاتِ وَقْعُ الزلازلِ على المنَازِل”!
النفس تظلّلها آناءات من الأمل وأخرى من اليأس، وتلك هي حال من تكون إصابته ضاربة في الأغوار، فحيال جثوم الحسرة على القلب، لا يسع الخطاب إلا أن يراوح بين محطتي الأمل واليأس، إذ لا تملك النفس إلا أن تلازم تلك الكوة الصغيرة المطلة على سماء الأمل تتطلع منها، لكن مسلسل الانهيارات يستمر دويُّه، ويستمر شريط الصور القاتمة يلف الحس بحَبْل الكآبة، يلتمع حينا، ويرتد إلى دكنته حينا آخر، فيطول العناء، ويتزايد حجم التمزقات: “كانت الأرض تدور بمنـزلة ذات طبيعة أخرى، تتداخل فيها الشعاعات بين غروب وشروق!”.
واضح أن سياقات المدخل لبثت تومض باللون الأحمر، لون الخطر، معلنة عن تكدر الأفق ببوادر حُدادية، بحيث إن مفردات الخطاب ذاتها تعكس شيئا من برودة المدافن، وارتجاف القلوب المقهورة: “وكانت الريح تقصف ببرد قارس! وأسرابُ الحمام والنوارس تطير هاربة، لتحتمي من صقيعها تحت أضلاع المآذن والقباب!”.
إن الحماية هنا مطلب ملحّ، يَخُصُّ الأنصاري، وإن مناط هذه الحماية بالنسبة إليه هو الاعتصام بالمآذن والقباب. خطاب الرواية في هذا الشطر من التوطئة يفصح عن كثير من المضْمَرات الروحية، ربما غير المدركة حتى من قبل الكاتب نفسه، والتي تعبر عن تعمّق حس الاستشفاع لديه.
إن مطلب الاحتماء يظهر ملموسا في ثنايا الخطاب، ومن خلال إيعازات واضحة. ولقد طفقت الأدبية وهي تسرد موضوعها، تلَوِّنُ المساقات بلون النفس وغبش جوها الصقيعي. هناك إفراغ وجداني تَهيّأ للأنصاري في مدخل الرواية، فاسترسل يغترف من عدة شاعريته، ويصوغ ألحانا فيها نبرة حزن معلنة. بل إن العبارات أحيانا لَتعكس في حدَّتها وجنائزيتها صورة الانتكاس، والانقباض، والانطواء على الذات، والانتظار المؤذي، والتطلّع إلى اليد التي تمسح على الجسد بأنامل بَلْسمية تزرع العافية.. هذه هي نوعية الأصداء التي تنتهي إلى حس القارئ وهو يتابع مطلع الرواية.

ألم الميلاد

ولأن الأنصاري روحاني بِجِبِلَّته وعميق إيمانه، متمرّس بتلقي الإشارات وعَقْدِ نِيّاتِ الاستخارة، فقد أمْكنَهُ -كما تخبر الرواية- أن يقرأ في ما تلقاه من واردات أن النورسي يحيله إلى صاحب الزمان الذي سيتمكّن من أن يجد لديه حاجته ويحصِّل بغيته: “أما علمتَ أنَّ لكل زمان صاحبَه؟”.
ولا يسع الأنصاري إلا أن يستوثق ليعرف من هو “صاحب الزمان”، فيأتي رد النورسي مفصل الإشارات والدلالات، إذ قال: “ويحك يا صاح! أما صاحب هذا الزمان فله مولدان اثنان! أولهما هو في المكان، وقد كان الذي كان؛ وأما الثاني فإنما هو في الزمان! فَارْتَقِبْ إبَّانَ هيجانِ الجرح، يومَ تأتي الرياح بحداء الأنين! فإنه لا ميلاد إلا بألم! واظفر بثاني المولدين تَرِبَتْ يداك! إنك يا ولدي إن تدرك إشراقتَه تكن من الفاتحين!”.
ويفلت منه سؤال معرفة المصير: “قلت: فهل لي أن أكون من طلائعهم؟”
وواضح أنه بهذا السؤال يُصِرُّ على أن يكون واحدا منهم، بل أن يكون طليعة الطليعة، لأن في ذلك الموقع المتقدم تتحقق له الحياة الحق. إن المؤمن لا يرهبه الموت عندما تكون المزاحفة هي الطريقَ إلى الهدف، إنما الموت الذي يقهر المؤمن هو الموت خارج ميدان المعركة، إن توقّف المسلم عن الزحف بشتى أنواعه التعميرية والدعوية، يُعَدُّ بطالة قاتلة، حيث تكلّ أسباب الصمود، وتتراجع إرادة المغالبة. ولقد عبّر سيدنا خالد بن الوليد عما يجده المؤمن من وطْأة وغبن جرَّاء انتظار الموت على فراش العلة: “ها أناذا أنفَقُ في فراش الـسلولية كما ينفَقُ العير في المراح.. فلا نامت أعين الجبناء”.
إن انتظار الأجل يتحول عند المبْتلين إلى حالة من الإنهاك الكابوسي الذريع، أشبه بواقعه عدوان غاشم يستولي على الحمى بلا مقدمات.

رمزية الأشياء

ولقد تبطّن خطاب الرواية بإيعازات ورموز تنفتح دلالتها على التفاؤل. ولا غرو أن يكون الأمر كذلك، فإن وازع المقاومة يجد في استدعاء معاني البِشْر والتفاؤل، وفي اللوذ بحُرمة المقدسات، ما يلبّي شيئا من حاجة النفس إلى الإسناد والثبات. ويمكن -في هذا الصدد- أن نرى في تواتر لفظ الحمام وجها من هذه الصمودية التي تقتضيها منا الأوضاع الصعبة. إن لفظ الحمام يتردد في هذا المدخل بكل ما يومئ إليه من رمزية ودلالة تجسّد مطلب البحث عن المنَعة والخلاص والتواصل والسلام. إن في مدلول لفظ الحمام إحالة إلى محيط الأشواق التي تمور في أعماق الكاتب، البعيد عن الأهل، والمقيّد بالأثقال.
إن الخطاب يشتحن بمحمول دلالي موضوعي ينساق في الوجهة التي تتوخى الرواية أن تسلكها، وهي تدوين سيرة الإمام، وهذا المحمول الدلالي الموضوعي يلابسه محمول دلالي آخر ذاتي، لا يفتأ يعترض السياقات، لينفّس عن لواعج النفس، وفي كلا الحالين يظل السياق يعرب عن تفاؤل ينسجم مع طبيعة المؤمن الذي -بفضل إيمانه- يستمد رحمة الله من صميم تعاليم عقيدته: “ارْفع رأسك قليلا نحو الأفق الأعلى؛ تَرَ شمس البشرى ترتفع الهوينى من خلف الأحزان، وتَرَ كلمات النور الأولى ترسم بين يديها قوس قزح، وتطرّز على موج البحر نبوءَتها.. فإذا كنتَ ممن يحسن لغة الماء فاقرأ: تُفْتَحُ القسطنطينيةُ أوَّلاً ثم تُفتح روميةُ!؟”.
وحين يشير الخطاب إلى نص الحديث “تفتح القسطنطينيةُ أولا ثم تفتح رومية”، فإن مدلول الفتح هنا يوعز بالبعد التأييدي الذي تفيض به جوانح الأنصاري حيالَ مشروع الدعوة والتأسيس الذي ينهض به الفاتحون، ويوعز في الآن ذاته إلى المطلب الخلاصي الذي يتطلع إليه الكاتب، إذ من العقيدة ونصوصها، لاسيما من تنبّؤاتها المستقبلية (المآلية) ومبشراتها المصيرية يستلهم الأنصاري في محنته الألطاف الإلهية. فالكاتب لا يفتأ -على هذا النحو الخطابي المتراسل- يستنـزل الرحمات الإلهية، إذ لا ييأس من أن رحمة الله قريبة منه، وأنها ستتخطّى به ذلك الصعيد الحالك للمحنة التي حلّت به.
وكما رتّب القدر للإمام فتح الله موعد ولادة ثانية قد بدأَت علاماتها تلوح في الأفق من خلال الإنجازات الميدانية، فكذلك بات رهان الأنصاري يتركز على ما سيتحقق له من مولد ثانٍ مُرتجى، مولد الانبعاث وعودة العافية إلى الجسد المخترَق بالداء. والسياق الحواري يسدّد نحو نقطة حاسمة، مركزية، يريد الأنصاري من خلالها أن يعرف هل يُكتب له أن يكون من طلائع هذا الزحف الذي شرعت كتائب الفتح تنتشر في الآفاق. إنه في ذلك الموقف المشوش، يُشبه وضع موسى عليه السلام مع فتاه في قصة العبد الصالح. لقد تقاطعت في وجدانه صورة موسى عليه السلام مع فتاه، وصورته هو مع مرافقه الذي يرعاه ويسهر على خدمته: “قلت لفتاي: ويحك يا ولدي! ذلك ما كنا نَبْغ..”.
هكذا يستدعي السرد مقامات الارتحال والضرب في الأرض كما جسّدتها الرموز ممن حازوا مرتبة العبْدية على معابر من نار العبودية والتمحيص. فالإحالة السردية هنا تستحضر قصة العبد الصالح مع فتاه، في سفَرهما الخارق، وتحيل إلى تجربة التمحيص التي كشفت -في جملة ما كشفت- عن تلك المشاقّ التي تَعْرِضُ لمن يراهن على تحصيل السر، والظفر بالحقيقة.
وطبيعي أن التماثل بين فتى موسى والأنصاري تماثُلٌ في المقصدية، إذ إن مطلب الأنصاري في سفره أن ينفذ إلى برزخ التجدد، فيغْنَم من رحلته تلك، ويعود إلى وطنه معافى، وصاحب حاجة، وجنْديّا قد تم إدماجه في المفرزة، عن جدارة واستحقاق: “ثم مكثت عاما كاملا بعد تلك المشاهَدات! أنتظر المزيد ولا من مزيد! ورجعتُ إلى وطني أنتظر الإذن بالرحيل مرة أخرى إلى بلاد النور!”.

عودة إلى الديار المغربية

وتومئ القصة إلى بعض أطوار تلك السنة التي قضاها الأنصاري في المغرب، يتصيد الانبثاقات الفجرية من هذا الصدد وذاك، وكل شيء من حوله يذكّره بفواجع التاريخ، فالنفس المروّعة لا تَقرأ في الأفق إلا ما يتساوق مع انكسافها: “ما بين طنجة وجبل طارق، يَرْقُدُ بوغاز الأحزان!.. لم تزل نوارسُه كلَّ مساء تحكي بنشيجها الشجي مأساةَ الموريسكيين”.
وطبيعي أن تأتي اللوحة مفعمة بمعاني النعي والرثاء والقشعريرة والهيجان الشعوري العارم: “كنتُ أسير حافي القدمين ما بين طنجة وتطوان؛ لعلي ألتقط صوتَ حمام زاجل، قيل لي: إنه لم يزل ههنا مُذْ عَبَرَ أميرُ غرناطة الأخير طريداً من جنّته! فرثاه هذا الحمام الغريب بكنوز من أسرار الحكمة! قيل لي: إن له هديلا كلما انطلق شجاه اقشعرت له صخور الشاطئ! وبكَت النوارسُ واهتاجت الأمواج!”.
إن انقطاع مدد التجليات عُقْمٌ وجداني لا تحتمله روح المرابط.. ومع ذلك تأْبى النفس إلا أن ترابط عند إقليم الرجاء، خلف أسوار ليلِ القنوط، متصبرة ومحتسبة، تتوقع حلول رحمة الله في كل آن.. ويتحدث الأنصاري عن مواعيد شقية كان الابتئاس يشتد فيها عليه. وتبلغ تلك المواعيد ذروتَها عند حلول المساء، والمساء كما نعرف هو مناط عذابات المفجوعين، فتنوع مشاهد النكبات تغدو هي المحطة التي ترسو عليها أرواح المنكوبين حين يحل الليل، وهي العلقم الذي يدمنون على تعاطيه في ذلك الميعاد المليء بالوحشة والزمهرير.

استحضار النكبات

وواضح أن استحضار الأنصاري لنكبة “المورسيكيين” ضمن هذا السياق، ينسجم مع الحال التي كان عليها، فالمرسيكيون هم أولئك المسلمون الأندلسيون الذين قهرتْهم دورة القدر، فقضت عليهم بالهجرة، بل قضت عليهم بأن يكونوا آخر من يغادر الديار طُرداء لا ملجأ لهم، إلا قاع البحر، حيث ستأتي عليهم الأمواج والحيتان: “وبكت النوارسُ واهتاجت الأمواج!”.
لا ريب أنه تصريحٌ بتجربة التمسّح بالمقامات والمشاهد ومثابات التعزية التي يكون الأنصاري قد خاضها وهو يناضل ضد أشباح الشؤم، ويتداوى بعقاقير الروح وتشفعات أهل الكرامات، بمن فيهم العاكف فتح الله..
لقد كان واضحا أنه هب من موطنه، وطار إلى حمى زُهَّاد النور ينشد الحماية والاستجارة والاستظلال بوارف نفحاتهم، ولقد رابط عندهم يستعيذ بالكرامات، وأثناء ذلك لم ينقطع عنه هو أيضا بكاؤه، فمِن شأن مجاورة أهل الحال أن تَجعل ينابيع الروح تتفجّر.
وتأبى صورة الشجى في الوجدان إلا أن تستحيي معالم الحزن الدفين الذي تمثله نكبات التاريخ في كل من الأندلس الفقيدة وإسطنبول التي ضيعت تاجها بضياع الخلافة منها.. لم يعد حس التقارب بين إسطنبول المتجددة وبين المغرب، يتم افتراضا في ذهن الأنصاري فحسب، بل لقد بات التواصل العملي والروحي بين الصعيدين حقيقة يعيشها الأنصاري، ويجد فيها شيئا غير قليل من دواعي التنفيس، بل لقد بات التقارب بين القارات من آيات التبشير بحلول زمنِ تجدّد الزحف الذي سيطوي البسيطة ويوصل رسالة الله الخالدة إلى العالمين.
إن الجغرافية بفضل ما توفر للإنسانية اليوم من إمكانات الاتصال، قد تقهقرت وقهرت المسافات والأبعاد المكانية الفاصلة بين الأنحاء والأقوام، لينتعش التاريخ في ضوء هذا التطور الذي حقق حلم طيّ الأرض وجعل العالم قرية واحدة ينتقل المرء بين قاراتها كما ينتقل بين أحيائها، والوعي بهذه الحقيقة هو ما يهب للأنصاري بعض ما يلطّف من محنته، إذ أن التطوّر بات يكفل للأنصاري أن يطير بجناحه تارة أخرى، إلى أرض الأنوار. ويحل بإسطنبول: “هذه إسطنبول مرة أخرى..! ناداني خاطرٌ حزين! قال لي: مقامك حيث أقامك! لا مكان لك اليوم يا صاح إلا بمنـزلة الاستغفار! فصرتُ أسمع صوتا من أعماق فؤادي، يتكسّر موجُه هوناً على شطّ لساني: رب اغفر لي..! رب اغفر لي..”! ويروي ظروف نزوله بها: “ها أنا ذا محمول على سيارة، كنت مريضا جِدّاً! لكني كنت على وعي بما أسمع وأشاهد.. كل شيء أدركه الآن، هذه الطريق الكبرى وسط إسطنبول، وهذه قبابها ومآذنها عن اليمين وعن الشمائل، تلقي بأنوارها في كل اتجاه.. وهذا هو الجسر العظيم، هو جسر نُصِبَ حديثاً، لكنه منصوب على تاريخ الفتوح بين آسيا وأوروبا! فلم يزل بعد ذلك قنطرةً لعبور النور الجديد إلى المستقبل! وهذا… آهٍ! هذا مستشفى “سماء” مرة أخرى!.. وهنا أدركتُ للتوّ مقامي! وعرفتُ أنني قد أخفقت في الامتحان الأول! فاستأنفت دروسي بفصول المدرسة الأيّوبية من جديد!”.
فمن خلال هذه السياقات التي يرتد بها الخطاب إلى الذات، تطفو الشجون، فنقرأ تقاطيع من السيرة الذاتية للكاتب، وتحديدا نقرأ يوميات عاشها في إسطنبول، أثناء مرحلة الاعتلال واليأس والغروب: “كان رأس السرير ميمما نحو القبلة، وكانت النوافذ الكبيرة مشرعة الأحضان على بحر مَرْمَرَة، والْجُزُرُ الخَمْسُ وَسَطَهُ كلها تنتصب أمامي كالأعلام.. كانت الشمس على وشك الغروب خلف قَدَمَيَّ، وكانت أشعتها تطرّز مَرْمَرَةَ بمرثية الأشجان! وترسل إليَّ أهازيج من أذكار المساء، مُرَتَّلَةً عبر أوراق شجرة الدُّلْب المنتصبة خلف نافذتي! حتى إذا مات النهار شاهدتُ جنازتي ترتفع أمامي في أفق البحر الغارب، وتذكرتُ صلاتي! أدَّيْتُ العشاءين جمعاً وقصراً؛ استباقا للحظة الوصل، ثم بكيتُ! كان الليل قد أشرقتْ مواجيدُه سُرُجاً تتلألأ في جزر البحر، وكانت مصابيح الساحل تحلم خافقة بشيء ما.. وغمرني الحنين إلى أورادي، فما أن شرعتُ في ترتيل مواجعها، حتى انهمرت على قفاي صفعاتُ الرحمة تَتْرى! هي رحمة نعم لكنها صفعات! وكان الألم يا سادتي شديداً!”. هكذا تترجح كفّة اليأس، ويتحدد الطريق المفضي إلى الاستسلام.
ولما كان الخطاب يتسع إلى أكثر من منحى دلالي، أمكننا القول بيسر إن السارد -وفي سياقات عدة- كان يتحدث عن نفسه ويتحدث في الوقت ذاته عن الأمة المُصابة في مقاتلها، الباحثة عن الحياة وعن الشفيع والمنقذ. وفي غضون ذلك كله لا يَفتأ اللاشعور ينعي للكاتب ذاتَه من خلال مساقات وبَوحيات سرديّة: “سنة كاملة يا سادتي وأنا أجري بين غروب وشروق! سنة كاملة وأنا أظن أني كنت أغسل أدران الروح عن بدني، ولكني اكتشفت الآن أنني لم أبرح مكاني! فعدت مثقلا بكل ذنوبي! لقد أخطأت الطريق إذن! فكان الحكم أن أعيد الدرس من البداية! فالرحمةَ الرحمةَ يا الله!”.

وارث السرّ

والرواية عند هذا المستوى من التسديد، تصطنع مقطعا إنشاديا توظفه على هيئة لازمة وقفل، يتردد في أعطاف النص أكثر من مرة، تُحيل فيه إلى مقام الإمام فتح الله، باعتباره بانِي الجسر نحو المستقبل، والوريث الروحي لتاج الصالحين: “فَتْحُ اللهِ لَدَيْهِ سِرٌّ تنتظره الدنيا، لكن لا يخبر به أحداً!.. فَتْحُ اللهِ يحمل في قلبه ما لا طاقة له به؛ ولذلك لم يزل يبكي؛ حتى احتار الدمعُ لِمَأْتَمِهِ! فَتْحُ اللهِ وارثُ سِرٍّ، لو وَرِثَهُ الجبل العالي؛ لانهدَّ الصخر من أعلى قمته، ولَخَرَّتْ أركانُ قواعدِه رَهَباً!”. وتنوء اللغة المستخدمة بشحنات من الأسى، ومن الرهق وأعباء الكآبة المضمرة في الروح، فيأتي السجل حافلا بمفردات الولع وعبارات النواح.
إن حلوله في أروقة المستشفى-آخِر أصعدة النجاة أو الهلاك- ومواجهة الواقع غير المبشر، يفجر منابع الألم فيه. ومع ذلك يتقوى الأمل والتشبث بالبقاء.
هو نزيل “المدرسة الأيّوبية”، ولئن كتب الأنصاري عن فتح الله وهو على تلك الحال من الابتلاء، فلأن فتح الله هو عَيِّنة أيّوبية مُكبَّرَة، تعاني من اعتلالات أشدّ إزمانا: “وحدة، واغتراب، وانهماك في شق الدرب أمام الأمة، وإدامة المجاهدة على أصعدة الروح والخطة”.
ولقد بذل الخطاب من جهود التورية وإخفاء العواطف، ما جعل المنحى السردي العام، يفْلح في تخطي مساحات الاستدراج والإغراء التي ظل الموضوع يضعها في طريق الكاتب، لاسيما والنفس معبأة بمشاعر الفجيعة، فهي من ثمة في مسيس الحاجة إلى تركيز وجهة الإعراب والتفريغ على ذاتها وشجونها الشخصية. ولذلك نجد أحيانا التورية تصطنع الخطاب اصطناعات بديعية وجناسية، إذ لا نَنْسى أن الأنصاري أحد فحول القريض، فاختزال العواطف وتسويقها في الصِّيغ المكتنزة من صميم خبرته. إن قوله مثلا: “غمرني الحنين إلى أورادي..”. يغطي على مضمر سردي هو: “غمرني الحنين إلى أولادي”.
وفي مَشْفى سماء السماوي، يجد الأنصاري نفسه يقرأ سيمْياء المكان، ويفكك رموز الموقع والأبعاد، وتتوطّد الحميمية بينه وبين الأشياء، فهو يرجو الرحمة من كل أفق.

مواجع الروح والجسد

لقد ظلّ يَأْسى لنفسه، ولعجزه، وانقهاره عن أن يكون قادرا على التجدد، مؤهَّلا لاحتلال منـزل له في مقامات الزمان. ويتحدث عن نافذة المشفى حيث امتد سريره، ذلك لأنه يدرك أن للنافذة شأنا في ما سيكشف عنه من أخبار الداعية الإمام، كما سيرويها للقراء في سياقات روايته تلك. كانت نافذة المشفى مشرعة، لكن البحر لا يتيح له النظر إلى الأبعد، إلى العش، فالعين كانت تريد أن ترى مكناس، أن ترى العافية. في تلك الأثناء كان هناك همٌّ واحد يسكنه، أن يعرف نتائج الفحص الطبّي.
لقد اطمأن إلى هذا المرافق النوراني الذي يلازمه، بل لقد تأثر بما كان عليه من روحانية جلية، فكان حضوره معه يخفّف عنه بعض العناء، واشتدت الصلة بينهما ليس فقط لأنه كان مرافقا من طراز خاص، ولكنه إلى ذلك، كان وسيلته إلى معرفة الحقيقة، حقيقة مرضه: “سألته ماذا قال الطبيب؟ وانتفضت جوانحه بقوة لكنه لم ينْبس ببنت شفة! بيد أنني يا سادتي سمعت الكلام ينطلق متدفقا من بين جوانحه، وكأنما هو صدى لهاتف يتنـزل عليَّ من العالم العلوي!”.
فالأنيس المرافق ظهر أنه من أهل الورد، وأنه من ذوي الشأن على صعيد مراتب المعراجية، بل وأنه يتبع الحمية ذاتَها التي ظل كولن ينصح بها المرشحين للمرابطة. “قال لي: جسمك مرتبك جدا يا صاح! لكنما هو رَجْعٌ كسيرٌ لصورة الروح في خابيتك الكسيرة! أما الأطباء فلهم مسالكهم إلى طينك المسنون، وأما من يسلك فيك نحو جراحات الروح.. آه! أما مَسْلَكُ الروح إلى مواجعك يا صاح…آه! ثم سكت!”
وفي كل ذلك ظل الكاتب يغترف من معين الذاتي، ويطغى لاعج الاعتلال على حبل السرد، فيجمح الخطاب ويرتد إلى حيِّز الروح، ويلوذ بالمجازية يواري بها أشياءه الصميمة المكسرة، ويهرع ينحاز إلى جوقة الأخيار، يدفن في مواجعها عويل روحه، ويستمد من الإحساس برابطة التجانس معهم الثباتَ والقوة والتماسك.
لقد ظلّ الصالحون وعلى مدى العهود، يصنعون البحيرات من دموعهم، وتلك البحيرات لا تفتأ مشرعة، و”لم تزل ترفدها منذ قديم الزمان دموع الحواريين، وأشجان الصحابة الكرام، ومكابدات النُّسَّاك المتعبدين، وزفرات أويس القرني، وبكاء الحسن البصري، وشهيق أبي العالية الرياحي، وأسرار الإمام الجنيد، وأنفاس بشر الحافي، ومواجع الحارث بن أسد المحاسبي، ومواعظ الإمام عبد القادر الجيلاني، ومجاهدات الشيخ أحمد زروق الفاسي، ومواجع عبد الواحد بن عاشر الأندلسي، ومشاهدات بديع الزمان النورسي!”.

شعرية السرد

الأدبية تأخذ أحيانا سياق الأوراد، فيتلابس المضمون السردي كما تعرضه مساقات الرواية في مفتتحها، مع مضامين الذكر والأدعية المتواترة في حلقات الذاكرين. الديباجة التي ميزت مفتتح “الرواية-السيرة”، كانت بحليتها الأدبية الراجحة، وبتأنق شعرية خطابها، وتألق نبرتها، أقدر على امتصاص المشاعر والتنفيس عما في النفس من كروب المأْتَميّة.
وسنرى كيف أن السرد حين باشر التوثيق لحياة الأستاذ الإمام، قد تَخفّف من لبوس شعريته، فالتعبئة أضحت في ذلك المستوى من الرواية، تعبئة مواقع وعراكات ومآثر وقُرُبات، بحيث أضحت الرجاحة في الخطاب لعرض الأحداث، وذكر المناقب، وإحصاء مواقع الاشتباك والنـزالات التي تشكلت منها هذه السيرة الحافلة بالثمار، لأن المقام مقام استظهار مكونات هذه الملحمة وإبراز مفرداتها كما ارتسمت على شريط العمر.
شخص الأنصاري كما برز في سياق السرد، ظل يمثل الأمة في عصر الغبْن الذي سلف، حين مدت يدها للشقيق الأكبر تستدعيه وتستنجده وتحتمي به من انتهاكات الصليبيّين.

الاستخلاص

لا ريب أن وضع الأمة اليوم -زمن رجوع نكبة الاستعمار العسكري من جديد إلى أوطاننا كما وقع في العراق- لا يكاد يبتعد عن وضعها الذي كانت عليه بالأمس، فهي تبحث اليوم أيضا عن الحامي، عن شقيق أكبر يكفل لها المنعة والعزة والصون. وتركيا إذا ما أحيَتْ روحية الإسلام والحضارة، وابتعثتْ مشاعر القوامة الملّية التي تميزتْ بها الخلافة العثمانية، وإذا ما استنفرت قدراتها المادية والمعنوية، وعرفت كيف تتقرب من أشقّائها وتقربهم إليها، فستجد نفسها متأهّلة من جديد لمدّ أجنحتها وأشرعتها على جغرافية الأمة، والسير معها نحو الرفْعة والسؤدد والمشاركة في صنع التاريخ العالمي، كما كان شأن الأمة بالأمس.
إن الكتابة عن الرموز تعني الانخراط في السلك وإعلان الانتماء. والأنصاري حين أصر على أن يختتم رحلته الحياتية بتوثيق سيرة “إمام المرحلة”، فإنما شاء أن يعلن انتسابه الروحي والأدبي إلى كتائب هذا الإمام العارف بالله، العامل على ما يخدم عباد الله، ويكفل لهم سعادة الدارين.