يا بني لو علمت أن الطريق إلى مرضاة الله عز وجل يكمن في كسح القمامة لجعلت منك زبالة، ولكني نظرت فرأيت أن الطريق الموصل إلى الله هو العلم، لذلك أرجو أن تعاهدني أن تسير في هذا الطريق مخلصًا للعلم، وأن لا تجعل منه مطية للوظيفة، وأن لا تجعل منه آلات للرزق، هل تعدني؟”.
كان هذا هو الموعد والوعد الذي تم إبرامه بين والد وولد، وتفرعت منه إرهاصات لطلوع صفحة جديدة في العالم الإسلامي، إذ تولد منه عالم كبير سار على مطمار أبيه إلى آخر أنفاسه التي اغتاله المتربّصون في مسجد الإيمان وهو يعلّم الناس آي القرآن وينصحهم مبادئ السلام، ويثلج قلوبهم، ويثبت أقدامهم في ميدان الصبر.. ولم تزل آثارهما تغذي أرواح الأبوة والبنوة.
إن كانت الأم مدرسة وجامعة فالأب عميدها وناظرها ومحاضرها، وعنده مقاليد الأدب التي تزود الأبناء للتأقلم مع الظروف والتعايش مع الانكسارات. وهناك آباء استشرفوا على مستقبل أنجالهم، وتفرسوا عن الغد المنتصر الذي يعتنقه أبناؤهم من بعد موتهم، وتنبأوا عن الآفاق التي تنتظر سواعد أبنائهم، ثم رسموا لهم طريقًا واضحًا؛ حتى يضيئوا الدروب بومضات توارثوا عليها من أصلابهم، هدفًا وشوقًا إلى تخليد ذكرياتهم ورفع شأنهم على مدى الأجيال.. “وكم أب قد علا بابنٍ ذوي شرف ** كما علا برسول الله عدنان”، دائمًا كان الابن سر أبيه المحتكر.

هذا الكتاب إنما هو عبارة واقعية عن المشاعر والوجدانات التي انبثقت في خواطر الولد البوطي عن والده الحنون، بعيدًا عن التضخيم والتفخيم، بل اقتنع بإضاءات فجر صادق على علمه الغزير،  وحياته التي تدور بين ذوق التصوف وشوق الفناء

فمن تلك الآباء والأبناء الشيخ ملاّ “رمضان البوطي” وابنه الفريد “سعيد رمضان البوطي” الذي ارتقى شهيدًا في مسجد الإيمان. ونتعجب من عمق التأثير الذي ألقى والد على ولد، إذ يستحضر النجل البوطي معالم أبيه في كل خطوة يخطوها في سبيل العلم، ويجتر نصيحته لئلا يهبط بطلب العلوم الشرعية إلى مستوى الانحراف. ونقف على تلك اللحظات الرائعة، مرددين وصايا لقمان الحكيم لابنه، ومستلهمين من تلك العبر التي نقشت في جدران التاريخ خالدة عصية على الانمحاق، وفي حياتهما دروس طويلة لكي نجرب ونطبق في حياة الوالد والولد، وإشعاعات ذات مد طويل تنوّر دروب حياة مريد ومرشد.. وقد سجل ملاّ رمضان البوطي بصمة هائلة في قيادة دفتي سعيد رمضان البوطي من الطفولة إلى استشهاده الذي أصبح أقوى دليل لثباته وتصلبه في مبادئه التي احتضنت من والده الكريم الذي أبى أن يخضع أمام العراقيل التي تكدست وتضخمت في حياته. ولم يك الوالد البوطي مجرد أستاذ يؤدب ويهذب، بل كان رجلاً علّم ابنه عمق التقلبات الحياتية، ومدى تأثير الأزمات التي تصطدم سفائن الأمل، وظل يكرر ويلح على ابنه أن يكون على موعد ووعد مع الحق والصدق، وأن لا يتخبط في طريق الحياة، ولا ينبهر في تيارات الفكر التي تكاد تكتسح التراث والمآثر.. وأوحى من خلال حياته أن اكتساب العلم ليس هو مجرد حرفة تحترف ولا هو مهنة تتقلد، بل تتبدل الحلل وتتحول العلل، لكن تبقى ذاتية العلم على حاله صامدة، إذ كان فلاحًا ناجحًا يعيش مع حقوله ومزارعه، ويقضي مع باقي يومه تعلمًا وتعليمًا.
صور من كتاب هذا والدي
فللسير الذاتية والتراجم أثر كبير في تخليد حياة العلماء، إذ إنها تنقذ كرامتهم وتاريخهم الأسنى من تلافيف النسيان، وتجعل لهم لسان صدق في الآخرين.. والحظ الكبير الذي يسعد به الأحياء بعد رحيلهم من مسرح الوجود، إنما هو تواجد مؤرخ وكاتب يلتقط صورتهم ويلتفت إلى سيرتهم بعيدًا عن الإطراء ونقد غير مبرر. فإن الطاقة التي نستلهم من النماذج الصالحة لا تسترخص ولا تستصغر، لأن التماثل أو شبه التماثل الذي ربما نجده من بين طيات السير والتراجم فقط، يكفي لإنجاب بيضات الأمل والفرح في المستقبل، لأن من يحدو نحو الرقي والسمو، لا بد من اكتشاف قدوة توجهه إليه.

إن كانت الأم مدرسة وجامعة فالأب عميدها وناظرها ومحاضرها، وعنده مقاليد الأدب التي تزود الأبناء للتأقلم مع الظروف والتعايش مع الانكسارات.

هذا الكتاب إنما هو عبارة واقعية عن المشاعر والوجدانات التي انبثقت في خواطر الولد البوطي عن والده الحنون، بعيدًا عن التضخيم والتفخيم، والدوران المتطوح في الأخيلة المصطنعة الجوفاء، حتى إنه ما أورد شيئًا من الآراء الفقهية التي تكشف عن مدى ملكة والده الفقهية، بل اقتنع بإضاءات فجر صادق على علمه الغزير، ودقة معلوماته، وحياته التي تدور بين ذوق التصوف وشوق الفناء، وعلى حد تعبيره “وليعلم كل من قرأ أو سيقرأ هذا الكتاب أنني لم أنطلق إلى ترجمة حياة والدي والحديث عن حاله وشؤونه من قرار قداسة أضفيها عليه، أو من مناقب أعتز بها وألفت النظر إليها، وإنما أنا مؤرخ ومعلن عن حقيقة ومترجم لإنسان”.
ويأتي هذا الكتاب -نموذج تحقيق وتدقيق- بعد طول تفكر وإمعان نظر في إخراجه، حيث تردد الكاتب في تأليفه وتنويره، لكنه امتنع واعتزم على أن يسطر عن والده في زمان يقبل ذوي الموتى على تضخيم مآثر موتاهم ويتفننون في المبالغة وصناعة الأسطورة، حتى يبنون من أنقاضهم معيشة ولقمة لجيل بعد جيل.
لأن الكاتب لم يزل يسعى في تنقيح نيته، وفي تصفيته من جميع الأدران والمخاوف التي ألمت به يوم أن نوى لإخراج هذا الكتاب، إذ تهاطل عليه جحافل من أصدقاء والده يلحون عليه أن يضيف كذا وكذا، وأن يوشحه بكذا وكذا، وكأنهم يتيممون منه لمسة من القداسة، أو رشفة من ظاهرة الجاه الذي خلفته هالة البوطي، مع أن الوالد البوطي يقترح على ابنه ويأمره أن لا يتحدث الناس عن خفايا شؤونه وخصوصيات أحواله مع الله، ويصر عليه أن لا يخوض فيما لا يعنيه.

“أيها الولد أوصيك بالتفكر في نفسك بأنك محدث، خلقت من ماء مهين بواسطة الوالدين، كما خُلقا أيضًا كذلك، وهلمّ جرًّا إلى أبناء آدم”

فالنقطة المهمة التي نكتشفها من حياة ملاّ رمضان البوطي، هي ميوله ورجحانه إلى التصوف. لقد عد الولد البوطي مناسبات شتى مما تدل على صوفيته طبعًا؛ لقد كان ملاّ رمضان البوطي وليًّا من أولياء الله، ينتابه الجذب والفناء، أحب التبتل والتحنث والخلوات.. بشره الله برؤيا صالحة تحققت في حياته، ولم يزل يسير مع الأذكار والأوراد، ويتردد إلى مجال العلماء والصالحين، يجالسهم ويؤاكلهم، لكنه رفض كل التيارات المنخورة التي غزت أصالة التصوف وقاومها خطابًا وكتابًا، وتمشى كرجل يحيط به أسرار لا يعرفها إلا الله، وارتضى أن لا تباح بها ولا يتحدث الناس عنها.. وحتى في أيام دراسته كان حريصًا على تلاوة القرآن، وحفظ الأذكار والأوراد، ونوافل العبادات، وقيام الليل والرقائق، بينما ظل أقرانه يحفظون المتون ويعدون الدروس. ووصى ابنه ليستلهم من معنيات الآية (وَاتَّقُوا اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ)(البقرة:282). وفي نهاية السبعينات من عمره، انكمش عن الظهور في الحفلات والاجتماعات واللقاءات التي كان يدعى إليها، وأصبح الرجل ميّالاً إلى العزلة عن الناس مع توافر ملكته وقوة ذهنه، ولم يك ميوله إلى العزلة نتيجة خوضه أواخر العمر، بل كان مرحلة من مراحل حياته المهمة.
لقد وضع الوالد البوطي تربية الأولاد نصب عينه، ولم يترك مجالاً إلا وخاض وركض إلى أن جعل بيته مدرسة نموذجية في المستوى الأعلى. واختتم الابن البوطي كتابه بسرد وصايا وإرشادات من أبيه، منسوجة من التصوف وتزكية القلب، مرفقة برسائل الأحاديث والآيات:
“أيها الولد أوصيك بالتفكر في نفسك بأنك محدث، خلقت من ماء مهين بواسطة الوالدين، كما خُلقا أيضًا كذلك، وهلمّ جرًّا إلى أبناء آدم”، وسرد فيها آيات وعبر ومواعظ تأطرت بالتفكير الذاتي ومعرفة هويتها، إذ يستدل بالحديث الصحيح الذي رواه ابن عمر رضي الله عنهما: “كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل”، “وعدّ نفسك من أصحاب القبور”.
ثم توجه إلى ابنه مباشرًا قائلاً: “فإذا أقبلت على الله صدقًا ينبغي أولاً أن تتعلم العلم، فإنه روي ما اتخذ الله من ولي جاهل ولو اتخذه لعلمه. وأما العلوم التي أوصيك بالبعد عنها فثلاثة، حرام، مكروه، ومباح، أما الأول فالفلسلفة والسحر والشعبذة والرمل وعلوم الطبائعيين، وأما الثاني فكأشعار المولدين المشتملة على الغزلة والبطالة، وأما الثالث فكالعلوم التي لا سخف فيها ولا شيء مما يكره أو ينشط لشر أو لخير”.
وعندما نطوي صفحات كتاب “هذا والدي”، نتنفس طويلاً، ونتعجب من شدة العلاقة التي تجسرت وتأصرت بين والد وولد، بين شيخ ومريد، ونشعر مدى تأثيرات الأبوة في نشأة الأولاد وفي تخطيط مستقبلهم. فإن الآباء التي تلازم العصا والسوط بدلا من النصائح الأخاذة والدرة العمرية، تفشل في إنجاب تراث يتخلد خلاله آثاره ومآثره. وإن سيكولوجية التربية ليست دائمًا بإفراط المحبة، ولا بإكثار التحفيز، ولا بإراقة نفايات من الشتم واللوم، بل بتنوير الحياة على أساس الحب والنصيحة؛ لأن الأبناء جواهر ودرر، فلا بد للآباء أن يكونوا صواغين بدلا من أن يكونوا حدادين ودباغين.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.