كثيرةٌ هي نعم الله التي تجود بها الطبيعة، دون أن يستشعرها أحد، ومنها نبتة متوحشة، طالما اشتكي من أذاها المزارعون في الهند، وتُسمى جاتروفا  jatroph تنمو بسرعة عجيبة، وتُظهر أثناء ذلك سلوكًا عدائيًا من خلال الاعتداء على المجال الحيوي لمحاصيل المواد الغذائية المزروعة.

في إطار البحث المستمر عن مصادر بديلة للطاقة، برزت على المشهد العلمي شجرة (الجاتروفا)، فإنتاج الوقود الحيوي من هذه الشجرة لا يتعارض مع الأمن الغذائي وسلامة البيئة؛ لأنها نبتة لا تُؤكل، إضافة إلى أنَّ لها مزايا واستخدامات عديدة.

تمثل الطاقة الحيوية (14%) من مصادر الطاقة المتجددة المستخدمة في مزيج الطاقة، وتشمل الطاقة الحيوية كلاً من الكتلة الحيوية التقليدية مثل: روث الحيوانات والحطب، وكذلك أيضا الكتلة الحيوية الحديثة من أنواع الوقود الحيوي مثل: (إيثانول الذرة). وإلى قائمة مصادر الوقود الحيوي المذكورة أعلاه، أضيفت مؤخراً شجرة (الجاتروفا)، التي بدأت تُثبت أنه من الممكن تخفيض كلفة إنتاج الوقود الحيوي منخفض الكربون، ودعم مقاصد الاستدامة والتنمية من دون تعريض الأمن الغذائي العالمي للخطر.

الجاتروفا موطنها الأصلي هو المكسيك، وأمريكا الوسطي وأمريكا الجنوبية، ومنها انتشرت تلك الشجرة إلى العديد من المناطق المدارية وشيه المدارية، في كل أنحاء العالم. ضف إلى ذلك، فهذه الشجرة موجودة على طول حزام السافانا وبكثافة في العديد من البلدان من ضمنها السودان.

التسمية: علمياً تُعرف بـ (الجاتروفا)، ولها أسماء مختلفة، عُرفت بها، أهمها: شجرة النفط -ذهب الصحراء- الجوز الملين زيت الوقود صديقة البيئة جوز باربادوس.

الوصف النباتي: الجاتروفا، نباتات عشبية، برية، شبه دائمة الخضرة، صغيرة نسبياً، أما أزهارها، فهي صفراء مخضرة الاسدية، ملتحمة، وعددها ثمانية، والثمار كبسولة طولها 2.5سم تقريباً، وتحتوي على ثلاث بذور لونها أسود (تشبه بذور الخروع لحد كبير). ورقتها تشبه ورقة العنب، بيضية خماسية التفصيص غير مسننة، طولها 8,5سم، وعرضة ولا يوجد عليها أهداب، وعنق الورقة طوله 11سم تقريباً. وتطرح ثمرة على شكل جوزة لها حجم (كرة الجُلف)، نعم، هي نبتة تتصف بأنها مقاومة للجفاف بدرجة عالية، مما يسمح لها بالنمو في الصحاري.. يصل ارتفاعها 7 إلى 10 أمتار كحد أقصي، أفرعها غليظة، وتعيش لمدة 50 عاماً والتزهير في أبريل، ويتم الاثمار في مايو

تُزرع الجاتروفا -في عموم الأمر- في أي مكان تقريباً، بالتربة الهشة، الخشنة، الرملية، المالحة، والأراضي المتدهورة، خصوصاً في الأراضي الواقعة بمناطق هطول السيل، والمنخفضات.. حيث تعجز المحاصيل الزراعية الغذائية عن النمو أيضاً، من المزايا المهمة لنبتة الجاتروفا إمكانية زراعتها في ظروف بيئية قاسية، كارتفاع درجات الحرارة، وشح الماء، وقلة الأسمدة

أهمية الجاتروفا

تأتي أهمية تلك النبتة من كون بذورها زيتية، ممتلئة بزيت مرّ الطعم، ذو رقم ستيان عالي خواص احتراق ممتازة، ومستوي أداء عالي، لا يكاد يجد فيه الهنود أية فائدة، بالرغم مما عُرف عنهم من دراية واسعة في اكتشاف فوائد النباتات، ولا يُستخدم الزيت في الاستخدام البشري.. لكن هذا لا يمنع أن الجاتروفا لها استخدامات متعددة، نورد أهمها فيما يلي:

  • الجاتروفا الذهب الأخضر

مع انتشار حمي البحث عن بدائل الطاقة، عقب الارتفاع الغاشم في أسعار النفط، تمكن بعض الخبراء الهنود في ولاية (بنجالور) من اكتشاف القيمة الحقيقية الكامنة في بذور نبتة الجاتروفا، بعد أن عرفوا أن عملية معالجة كيميائية وفيزيائية لزيوتها تكفي لتحويلها الي نوع من الديزل الحيوي المناسب لتشغيل محركات السيارات.. حيث أن كل 4 كيلوجرام من بذور الشجرة يعطي لتراً من النفط الخالص.

  • الجاتروفا كسماد عضوي

تُستخدم متبقيات عصير بذور الجاتروفا كسماد عضوي، لإنتاج المحاصيل المختلفة، تحت مظلة الإنتاج النظيف، حيث تحتوي تلك المخلفات علي: 4.44% نيتروجين، 2.09% فوسفور، 1.68% بوتاسيوم، وبذلك يظهر تفوقها على الأسمدة العضوية الناتجة من الماشية والدواجن..

  • الجاتروفا والاستخدامات العلاجية

في العديد من البلدان، مثل: الهند ومالي وجنوب أفريقيا، تُستخدم الأجزاء المختلفة من أشجار الجاتروفا في الطب الشعبي؛ وذلك لتأثيرها على العديد من الأمراض، فزيتها يعالج الروماتزم، وأوراقها تُستخدم لتخفيف آلام الأسنان، ولأنها تحتوي على مادة قلوية، فهي تحد من الإصابة بالأمراض السرطانية، أما جذورها فهي علاج مؤكد للدغة الثعبان.. ويُعدُّ صابون الجاتروفا، صابوناً طبياً لعلاج أمراض الجلد

  • الجاتروفا، صديق الفلاح والبيئة

لتحقيق عدد من الفوائد الصحية للبيئة، تأتي إمكانية استخدام زيت الجاتروفا، حيث يشتعل دون إطلاق غازات ملوثة، خاصة أول أكسيد الكربون وأكسيد النيتروجين والكبريت.. أما الجانب السلبي الوحيد لاستخدام زيت الجاتروفا، فهو لزوجته العالية، مقارنة بالكيروسين، مما يجعله يتطلب موقداً مصمما ًخصيصاً له.. كما يقوم الفلاح، بزراعة شجر الجاتروفا كسياج عملي (سور نباتي) لاستبعاد الماشية، وترسيم الممتلكات.. في بعض دول أفريقيا والهند يُستخدم زيت الشجرة كبديل للديزل؛ لغرض توفير موارد الطاقة، ومواد الطهي للأسرة الريفية الفقيرة، وكذلك، للإضاءة التقليدية، ويُستخدم هذا الزيت في القضاء على البعوض، خصوصاً في القري النائية، والمناطق الحارة.

  • زراعة الجاتروفا عالمياً

ونجد ما يقرب من900000 هكتار من مزارع الجاتروفا قد زُرعت بالفعل، في أنحاء العالم، في 242 مشروع للجاتروفا عام 2008، وبالرغم من أن الصناعة في مراحلها الأولي، وأكثر من 85% من الأراضي المزروعة يقع في آسيا، وهناك حوالي120000 هكتار في أفريقيا، تليها أمريكا اللاتينية مع ما يقرب من 20000 هكتار.

  • تجربة مصر في زراعة الجاتروفا

نجحت مصر حتى الآن، في زراعة 1200 فدان من نبات الجاتروفا، في ثلاث مواقع صحراوية، هي: الأقصر وسوهاج والسويس، وأنتجت زيوت نباتية عالية الجودة، تتطابق مع المعايير الأوربية لزيت الوقود الحيوي، ومن ناحية أخرى فإن زراعة هذا النبات توفر أكثر من مليون فرصة عمل للشباب سنوياً، وأن التوسع في زراعته بصحراء مصر، يرتبط بإنشاء محطات لمعالجة مياه الصرف الصحي حتى يمكن استغلالها في الري.