وبعد، يحتفل البشر بأزمنة معينة احتفالا كبيرا، ويحيون ذكراها كلما أزف موعدها، وهم بذلك يعبرون عن جلالة ذلك التاريخ، وأهميته بالنسبة لحاضرهم ومستقبلهم. ونلاحظ ذات الاهتمام بالأماكن، إن لم يكن أكبر فلا يختلف الاهتمام به عن احتفائهم بالأزمنة، إذ كلما قرأوا اسم المكان أو ذكر على مسامعهم، تحركت فيهم السواكن. فهل يعود احتفاؤهم بالزمان والمكان لأنهما كذلك في حقيقة الأمر؟ أم يعود إلى ما ارتبط بهما أو بأحدهما من وقائع مثلت منعطفات مهمة في تاريخ المحتفى بهما أو بأحدهما، ومسار حركة أمتهم فيما تستقبل من الأيام.
اختيار الأماكن عناوين لأعمال أدبية أو تربوية أو إعلامية يعبر بنفسه عن استحضار ذلك المكان -لا بوصفه مكانا- بوصفه رمزا له دلالات عظيمة في التربية والاجتماع وصناعة الحضارة.
وفق القائمون على هذا العمل التربوي والأدبي والاجتماعي والحضاري إلى جعل “حراء” عنوانا لمجلتنا. فما الذي استحضروه في اختيار هذا العنوان؟ وماذا يمثل هذا الاختيار؟ وما هي أبعاده؟
العنوان يعبر عن خط فكري وتربوي ورؤية حضارية نافذة؛ حراء الرمز يوحي بمعانٍ كثيرة لها دلالاتها العميقة في حياتنا بتشعباتها الفكرية والتربوية والاجتماعية والحضارية، الفردية والاجتماعية.
حراء الجبل المعروف بمكة، والغار -غار حراء- الذي نسب إليه هوة في ذلك الجبل، وهو من هذا الوجه مكان عادي، ولكنه ليس مكانا عاديا من جهة كونه محل تحنث النبي الخاتم محمد بن عبد الله ؟، لهذا احتفى المسلمون بذكره، واختاره القائمون على المجلة عنوانًا لمشروعنا.
لعله من أبرز أسماء الأماكن التي استهل بها ظهور البوادر الأولى للسيرة العطرة لأستاذ الإنسانية وخاتمة الرسل، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. وعندما يسمع المسلمون اسم هذا المكان أو يقرأ على مسامعهم يوحي ذكره برموز لها دلالات وحضور قوي في شحذ هممهم وتنشيط عزائمهم. فما أبرز ما يوحي به المكان “حراء” وإلى ماذا يرمز وما هي دلالات هذا الرمز في حياتنا المعاصرة؟ هذا ما نعمل على التعرف عليه في هذه المقالة.
ورد في صحيح السنة المطهرة ذكر غار حراء مرتبطا بحياة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ومن ذلك ما رواه الإمام البخاري في صحيحه في كتاب بدء الوحي: “عن عائشة أنّها قالت أول ما بدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فما كان يرى رؤيًا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه -وهو التعبد- الليالي ذوات العدد، قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء”…
كما ذكر في سيرة ابن هشام نقلا عن ابن إسحاق قال: “وحدثني وهب بن كيسان، مولى آل الزبير، قال: سمعت عبد الله بن الزبير وهو يقول لعبيد بن عمير بن قتادة الليثي: حدثنا يا عبيد، كيف بدء ما ابتدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من النبوة، حين جاءه جبريل عليه السلام؟ قال: فقال: عبيد وأنا حاضر يحدث عبد الله بن الزبير ومن عنده من الناس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجاور في حراء من كل سنة شهرا، وكان ذلك مما تحنث به قريش في الجاهلية، والتحنث التبرر…. وكان رسول الله يجاور ذلك الشهر من كل سنة، يطعم من جاءه من المساكين”…
تلك بعض النصوص التي ورد فيها ذكر غار حراء، تدل وغيرها من النصوص على أن لهذا الرمز دلالات عميقة، يفرض استحضارها في وضع مضامين الخط الحضاري والفكري والتربوي لمجلتنا الغراء “حراء”، وباختصار غير مخل يمكن أن نؤكد على ما يأتي:
1. كان غار حراء موضع تحنّث النبي ؟. واستحضار هذه المعاني يرمز إلى وجوب العمل في مجلتنا “حراء” على التحقق بالتعبد لله وتحقيقه، وذلك لما يمثله من مدد أساسي في صناعة الوعي بالكون وإنشاء الفاعلية فيه؛ فالعبادة الجامعة تستغرق جميع مجالات الحياة المادية والمعنوية الخاصة والعامة. وما استحضار العناصر الإنسانية في التصرفات إلا بقدر استحضار التعبد لحظة المزاولة الاجتماعية للعبادة؛ فهي متناسبة معها وجودا وعدما زيادة ونقصانا، إذ كلما زاد التعبد زادت العبادة، وكلما زادت العبادة نمت العناصر الإنسانية في الإنسان المتعبد نفسه. هذا ما نطمح إلى جعله مقصدا رئيسا في خط مجلتنا، أي التحنث من أجل الفعالية الإيمانية بأبعادها الاجتماعية لا من أجل التباهي والزهو و…
2. التجمل بالصبر مقصد آخر يوحي به المكان “حراء”. ومجلة تقوم على تحقيق هذا المقصد حري بها أن تنشر ثقافة صناعة الصبر على المستوى الاجتماعي والتربوي. ويتعين للقيام بهذه الوظيفة معرفة دقيقة -وفق الطاقة البشرية- بضغوط الزمان والمكان، دون الوقوع في شراكهما، بغرض تحديد المبتغى في لحظة التبليغ والتربية، وتيسيرا للقيام بهذه المهمة يتعين تحصيل معرفة جيدة بعقلية المتلقي وحاجاته النفسية والاجتماعية.
3. يرمز عنوان مجلتنا إلى التأســيس لثقافة الاستعداد للتلقي، وما يفرضه من تحرير وتحرر من المكبلات الأيديولوجية التي تحرم كثيرا من الخلق من رؤية الحق والإذعان له. وتأسيسا لهذه الثقافة يجب النظر إلى المخالف والموالف على حد سواء بعين الشفقة والرحمة والإخاء، والابتعاد عن لغة الإقصاء والزهو بالإيمان تحضيرا لقبول الحق والإذعان له. فيتعين -حسب تقديرنا- أن يكون من مقاصدنا الرئيسة في المجلة التلطف مع الخلق وإسعافهم لتهيئة أنفسنا وأنفسهم لقبول الحق والتصرف وفق ما يفرضه الخضوع له.
4. تحقيق المقاصد السابقة، يفرض طاقة نفاثة لا تنضب، ولا تكون كذلك إلا إذا كانت عملية التجدد الإيماني حيوية مستمرة تستغرق جميع الوقت، فيكون التزود بالطاقة الإيمانية مستمرا، ذلك أن الطريق إلى الحق مسلك طويل وشاق وممتع في ذات الوقت، زيادة إلى الترغيب والترهيب المسلط على الثابتين على خط الرسالة وما يفرضه من طاقة متجددة باستمرار. إن صح (وهو محض فرض) أن نتصور رجلا بلغ تمام الرضا في العبادة؛ فإن الثبات على المكان يفرض جهدا أكبر من الجهد المبذول في بلوغ تلك الرتبة، هذا الشخص أشبه بمن بلغ النهاية العظمى على بكرة دائرية دوارة (متحركة)، البقاء على ذروة تلك البكرة المتحركة يفرض جهدا مستمرا، إذ بمجرد الغفلة عن الحركة -بذل الجهد- يسقط فيتحول من القمة إلى القاع.
5. أرى أن تجعل المجلة “حراء” المراجعة المستمرة ركنا ركينا في مشروعنا، ولا يتأتى تحقيقه إلا إذا كانت محاسبة النفس تمرسا ومزاولة تستغرق جميع ميادين الحياة وتطال جميع الأفعال مهما كانت صغيرة ومراجعة المكاسـب بغرض الاســتدراك على ما فات. نجاح هذا المسعى وجعله غايـة يفرض قبــول النقد العلمي الموضوعي، والتأسيس له على المستوى العلمي والتربوي بل وحتى الاجتماعي.
6. كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في غار حراء، وفق ما ورد في السيرة العطرة، يطعم من جاءه من المساكين. ومجلة اختارت “حراء” عنوانا لها، ينبغي أن تكون ملاذ الجائعين معنويا وتربويا، تطعمهم لوجه الله لا تريد منهم جزاء ولا شكورا، تتبنى قضاياهم الفكرية والتربوية، وتسعى جاهدة إلى تقديم أجوبة شافية عنها، تقدمها مسربلة بالرفق والشفقة والحب. ولعلها بذلك تكون سببا في هدايتهم ومن ثم إسعافهم في الكشف عن القوة المستودعة فيهم، ليكونوا فاعلين بالإيمان في حياتهم الاجتماعية والتربوية.
7. يرمز “غار حراء” إلى الأمن والاطمئنان، وفق ما ذكره العلامة بديع الزمان النورسي في المكتوبات (ص:177) نقلا عن أهل القلب والصلاح.
ومجلة اختارت خطا فكريا يرمز إليه اسم “حراء” يفترض أن يكون من مقاصدها الرئيسة تحقيق الأمن والاطمئنان بكل معانيه وأبعاده، وهي في ذات الوقت ينبغي أن تكون أمنا واطمئنانا في مواضيعها ومعالجاتها ومقاصدها.
والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل.

About The Author

Related Posts

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.