(حراء أونلاين) عقدت صحيفة الأهرام المصرية للمرة الثانية حوارًا مع الأستاذ فتح الله كولن، حول بعض القضايا التركية والإقليمية والأزمات الموجودة على الساحة العالمية، وإلى أي مدى وصلت حقوق الإنسان في تركيا. وإليكم نص الحوار:

كيف تقيمون المشهد السياسي في تركيا بعد التطورات الأخيرة المتلاحقة؟

بداية أود أن أعبر عن تقديري لمؤسسة الأهرام العريقة في الصحافة والإعلام في المنطقة العربية، فقد كانت منبرًا حرًّا للحقيقة في وقتٍ تراجع فيه كثيرون. أما تركيا فهي تنجرف منذ خمس سنوات تقريبًا وبسرعة فائقة نحو سلطة الرجل الواحد، وقد ظهر ذلك واضحًا في بيانات وتقارير المنظمات الحقوقية الدولية، والاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة، ومنظمات حقوق الإنسان. وصارت قضايا مثل حقوق الإنسان والحريات الأساسية أمورًا لا قيمة لها في تركيا، أما سيادة القانون واستقلال القضاء فقد باتت من الأحلام، وتركيا الآن في ظل هذا النظام أصبحت بعيدة تمامًا عن تركيا التي كانت تفاوض على عضوية الاتحاد الأوروبي في عام 2004.

كيف تقيمون وجود “الإخوان” في تركيا كأفراد ومؤسسات إعلامية، وكيف تفسرون علاقة الحكومة بتنظيم محظور في بلده؟ وما الذي يجمعهما؟ وكيف ستكون علاقتهما في المستقبل؟

أولاً: علينا أن نتساءل: هل تحتضن الحكومة التركية الإخوان المسلمين وتقترب منهم لأنها تتشارك معهم في نفس القيم والمعتقدات؟ أم أنها تريد أن تستخدمهم لتحقيق غرض ما؟ هذا أمر قابل للنقاش. أعتقد أن النظام التركي الحالي يستخدم “الإخوان” أداة لبسط نفوذه في جميع أنحاء العالم الإسلامي، عبر استغلال المشاعر الدينية، وقضايا الأمة المركزية، فقد سمعنا تصريحات نارية وخطبًا عنترية في الأعوام السابقة حول فلسطين وبالأخص غزة، ثم ماذا حدث على أرض الواقع؟ وإلى أين صارت عاقبة هذه التصريحات؟

كيف ترى سياسة أردوغان وتدخله في الشئون الداخلية للدول العربية؟

لا يخفى على أحد هوس أردوغان بحلم زعامته للعالم الإسلامي، لقد كان يتوقع منا نحن أبناء الخدمة أن نروج لهذه الزعامة عبر مؤسسات حركة “الخدمة” التربوية والتعليمية المنتشرة في شتى أنحاء العالم، وأن نبايعه بوصفه خليفة وأميرًا للمؤمنين، ولما أدرك أن هذا لن يتحقق، فتح النار علينا جميعًا، واستخدم كل وسائل الكراهية والعداء ضدنا، ولذلك فإن تدخله السافر في شئون الدول الأخرى سواء المجاورة لتركيا أو غيرها بات واضحًا للعيان. ولا أعتقد أن هناك دولة ترحب بمثل هذه التدخلات الخارجية.

التحالف القطري التركي؟ تكتيكي أم استراتيجي؟ وما الذي يجمع بين الدوحة وأنقرة؟ وما الذي يمكن أن يفصلهما عن بعضهما البعض؟

أعتقد أن الأساس الذي يقوم عليه هذا التحالف هو المصالح السياسية للقادة، أكثر من المنافع المتبادلة التي تعود على الشعوب.

كيف يؤثر وقوف أردوغان بجانب قطر على العلاقات السعودية التركية، حسب رأيكم؟

من الصعب الحديث في الفترة الأخيرة عن استقرار في العلاقات الدولية لتركيا. فهي سرعان ما تبدل مواقفها مع الدول التي تبدو صديقة لها، والعكس صحيح. ولكن إذا استطاعت الحكومة التركية أن توجد الأدوات التي ترضى المملكة العربية السعودية فحينئذ يمكن تحسين العلاقات معها.

هل تعتقد أن وقوف تركيا إلى جانب قطر يعود بالفائدة على المنطقة العربية والإسلامية؟

لا أعتقد أنه صدرت حتى الآن من تركيا تحت وصاية أردوغان أيّ مساهمة تعود بالنفع على المنطقة والمسلمين، ولو استمر النظام على هذا النحو فلن يكون في المستقبل أيضًا، إن النظام التركي الحالي بقيادة أردوغان يسعى وراء مصلحة أفراده الشخصية والسياسية من خلال كل خطوة يخطوها بادعاء مصلحة المسلمين.

قامت الشرطة التركية أخيرا باعتقال عشرات الصحفيين وترهيبهم.. ماذا تريد أن تقول حول هذا الموضوع؟

لم تخضع الصحافة التركية في مرحلة ما من التاريخ لوصاية شديدة مثلما خضعت لها في هذه الأيام. فالشخص الذي يريد أن يكون صحفيًّا في تركيا لا يستطيع أن يقوم بذلك دون أن يأخذ في الاعتبار أنه قد يدخل السجن.

لقد مضى على محاولة الانقلاب عام ونصف، تم فيها فصل 200 ألف شخص من أعمالهم، واحتجاز 180 ألفا آخرين.. فكيف تفسرون هذه الممارسات الأمنية القاسية؟

الواقع أن حملة الإقالات والاعتقالات التي تمت عقب محاولة الانقلاب مباشرة كانت تدل على أن تلك الحملة مخطط لها سابقًا، ولا علاقة لها بالانقلاب. وأبرز مثال على ذلك هو فصل 2700 موظف على الفور في الدوائر العدلية في 16 يوليو. ويفهم من ذلك أن السلطة السياسية بدلاً من تعيين الكفاءات بالوظائف الحكومية، تهدف إلى توطين الموالين لها، سواء من الحزب الحاكم أو الأحزاب الموالية الأخرى.

كيف تقيمون الصمت الدولي تجاه هذا العدد الكبير من الاعتقالات في صفوف المواطنين الأتراك؟

إن ردود فعل المجتمع الدولي بشأن هذه المسألة، وبالأخص دول الاتحاد الأوروبي الذي كان يجرى مفاوضات مع تركيا بشأن عضويتها في الاتحاد، كانت دون توقعاتنا بكثير، ويرجح بعض المراقبين أن ملف احتضان تركيا لإخوتنا من اللاجئين السوريين كان مؤثرا خشية استغلال النظام التركي لهذا الملف، والبعض الآخر من دول الاتحاد كان يقيم علاقاته براجماتيا على حسب طبيعة العلاقات والمصالح بين البلدين، بغض النظر عن الملفات الحقوقية. ومهما يكن، فإن هذا الصمت لا يمكن الموافقة عليه أو تبريره إنسانيًّا أو أخلاقيًّا.

كانت حركة “الخدمة” هي الهدف الأول دائمًا في عمليات المطاردات والاعتقالات والمحاكمات.. كيف ترد على اتهام حكومة أردوغان ضد شخصك وحركتك؟

أعتقد أن هناك عدة دوافع وراء هذه القضية، أحدها أن أردوغان يصور الخدمة وكأنها غول، ليستخدم ذلك ذريعة للوصول إلى السلطة المطلقة التي يخطط لها. ولذلك فهو يسعى إلى تحقيق هذا الهدف السياسي عبر حملات التشويه المنظمة ضد “الخدمة”. أما سبب اختيار الخدمة دون غيرها لتكون هي الضحية، فلأنهم يعرفون جيدا أنهم مهما بالغوا في الاضطهاد وممارسة العنف فلن يجنح محبو الخدمة إلى العنف والتخريب، كما أنهم أرادوا أن يلقنوا للآخرين ممن يفكر في عدم الخضوع لهم أو مبايعتهم درسًا عبر التنكيل بأبناء الخدمة ومؤسساتها.

كيف تفسرون عدم استطاعة القوات التابعة لأردوغان القضاء عليكم رغم المطاردات والاعتقالات المستمرة؟

ينبغي أن نتساءل أولاً، هل كل المعتقلين الآن في سجون النظام في تركيا من مؤيدي “الخدمة”؟ لا يمكن الجزم بذلك، فالحكومة كما قلت تستخدم “الخدمة” ذريعة، وهي باسم هذه الذريعة توسع من قاعدة اعتقالاتها العشوائية التي تطال كل من يخالفها في الرؤية أو التوجه، السياسة الآن في تركيا هي سياسة تركيع الجميع وإخضاعهم، لقد نشر في وسائل الإعلام عن عدد كبير من المعتقلين ممن لا يتعاطفون مع الخدمة أصلاً، بل وحتى من الذين كانوا يتخذون موقفا عدائيًا ضدها.

ما المدة التي يحتاجها الشعب التركي ونظامه السياسي من أجل أن يستعيد السلام الاجتماعي؟

من الممكن أن يستغرق هذا جيلاً بأكمله أي نحو 25 عامًا ليعود الوئام والسلام المجتمعي إلى سابق عهده، لكن إذا استخدمت التكنولوجيا الحديثة والوسائل المتقدمة بطرق ديمقراطية وسلمية فلربما تسهم في اختصار هذه المدة، آمل ذلك، وأدعو الله من صميم وجداني ليتحقق ذلك.

كيف تقيمون المسيرة التي بادر بها حزب الشعب الجمهوري والمعارضون الآخرون من أنقرة إلى إسطنبول لعدة أيام؟ وهل تمخضت عن أي نتائج؟

لا شك أن مبادرة المسيرة هذه كانت إيجابية، فلا بد من وضع حد لهذا التسلط المتزايد، لكنها لم تحقق النتائج التي كانت تهدف إليها كلية، إذ لم تعقبها خطوات كان من شأنها أن تحدث نوعًا من التأثير، ولذلك فقدت تلك المسيرة زخمها، ولم تكن هذه هي الفرصة الوحيدة التي ضاعت ولم تستغل جيدا. على أية حال، كل حراك سلمى يؤدى إلى استعادة المسار الديمقراطي هو خطوة إيجابية خصوصا في ظل مناخ الخوف والرعب الذي بات يهدد الجميع ويدفعهم إلى الانزواء والتقوقع على أنفسهم.

هل تفكرون في عمل مضاد؟

لقد قطع أبناء الخدمة على أنفسهم عهدًا ألا يخرجوا عن إطار القانون والسلم المجتمعي مهما تعرضوا له من مظالم واضطهادات، ولقد أثبتوا التزامهم بهذا المبدأ وحفاظهم على هذا العهد حتى في ظل أحلك الظروف.

ما هي القوة التي يستند إليها أردوغان عندما يحكم تركيا بهذه الطريقة؟

يستند إلى قوة التحالفات البراجماتية “الميكيافلية”، بالإضافة إلى سلطة الإعلام ذي الصوت الواحد، واستخدام سلطة الدولة في قمع وكبت المعارضين.

كيف تصنفون طريقة الإدارة في تركيا في الوضع الحالي؟ هل هي حكومة ديمقراطية مثلما يصفها أردوغان أم إدارة ديكتاتورية قمعية؟

هناك انجراف مطرد نحو سلطة الحاكم الفرد كما أوضحت في البداية، وأصيبت جراءها جميع مؤسسات الدولة بالشلل، وغاب تمامًا مبدأ فصل السلطات عن بعضها وصارت في قبضة فرد واحد فقط.

ما هي طبيعة علاقتكم مع الإدارة الأمريكية الجديدة؟

الولايات المتحدة دولة ذات تقاليد حقوقية راسخة. قد تتغير بعض الأمور بتغير الحكومات، لكن الاستقرار الحقوقي على الأخص أبرز ما يميزها. ولم يحصل إلى الآن اتصال شخصي لي مع الإدارة السابقة ولا الحالية. ولكن الولايات المتحدة الأمريكية لم تزل إلى يومنا هذا بوابة أمل للذين يبحثون عن الديمقراطية والحرية والنظام الحقوقي، وآمل أن هذا الوضع سيستمر في المستقبل أيضا، علما بأنني لم أتلق إلى الآن منهم إشارة سلبية حول وضعي.

كيف تقيمون دعوة أردوغان الجالية التركية في ألمانيا إلى عدم التصويت لصالح حزب ميركل؟

أعتبر أنه غير مناسب وغير لائق، ومثل هذه المشاحنات من شأنها أن تؤدى إلى ضرر كبير في العلاقات بين البلدين، وعلى وجه الخصوص مصالح تركيا.

في الآونة الأخيرة كان هناك توتر بين تركيا وأمريكا والاتحاد الأوروبي والناتو؟

تتحدث بعض مراكز التفكير في الولايات المتحدة عن فكرة إزالة تركيا من حلف الناتو. وقد نقلت ألمانيا في وقت قريب قواتها العسكرية من تركيا إلى الأردن، والمواقف الأخيرة تشير إلى أنهم منزعجون من التحركات غير المتسقة لإدارة أردوغان.

إلى ماذا توصلت أنقرة وواشنطن في قضية تسليمكم إلى تركيا؟

ليس لديّ علم بهذا الصدد سوى التصريحات التي أدلى بها المسئولون الأمريكيون أمام الرأي العام.

هل حصلت على إقامة دائمة في الولايات المتحدة؟

نعم حصلت على إقامة دائمة في الولايات المتحدة منذ عام 2008.

هناك تقارير متضاربة حول مشروع الخدمة، فهل يمكنكم أن تقدموا لقراء الأهرام تعريفًا دقيقًا لها؟

قبل نحو 50 عامًا وفى أثناء عملي إمامًا وواعظًا متجولاً في أنحاء كثيرة من مناطق وبلدات تركيا التقيت بقطاع كبير جدًّا من الناس، وتلقيت أسئلة كثيرة منهم وخاصة الشباب حول قضايا مختلفة في الدين والمجتمع وقضايا الأمة المختلفة، ولمست منهم رغبة في النهوض الروحي والإنساني والمجتمعي والقيمي، فجرى بيني وبين مجموعة من الأصدقاء تشاور ومناقشة حول إمكانيات مد يد العون للشباب لحمايتهم من الانحراف الأخلاقي والحفاظ على هويتهم وعدم سقوطهم في الإلحاد الذى كان منتشرًا حينها، لم يخطر في عقولنا في ذلك الوقت إنشاء أي كيان أو حركة أو جماعة أو ما شابه ذلك، كل الأمر كان تجميع الجهود وعدم تشتيتها لإنقاذ شباب الأمة من الأخطار الثلاثة: الفقر والجهل والصراع، تمخضت تلك المشاورات عن حقيقة أن التعليم والتربية الصالحة التي تنطلق من ثوابتنا الإيمانية وهويتنا المجتمعية هي السبيل الأمثل للقضاء على هذه الآفات. وانطلاقًا من هذه الحقيقة بدأت الجهود تتركز على الإصلاح من خلال التربية والتعليم، وإبعاد الشباب عن تبديد طاقاتهم في الأمور السياسية التي لا تجدي. وبسبب معقولية هذه الأفكار لاقت صدى واسعًا في المجتمع التركي، وتزايد عدد المؤمنين بهذه الأفكار، وأقبلوا على العمل الطوعي في مشاريعها حتى وصل عددهم إلى الملايين، كان هدفنا أيضاً الإسهام في إنشاء مناخ يعمه السلام والتعايش بين أبناء الوطن كافة، وأن تكون اللغة المشتركة بيننا جميعًا هي لغة الحوار الإيجابي البناء، وألا يكون هناك صوت للسلاح أو العنف والإرهاب.

هناك من يرى أن لحركة “الخدمة” صلة ببعض وكالات الاستخبارات الدولية، كيف تردون؟

إنني أؤكد على نفى أية علاقة لحركة الخدمة بمخابرات أي بلد. ولعل ما يتعرض له المتطوعون في الخدمة ومؤسساتها في تركيا حاليًا يعد أكبر دليل على استقلاليتها.

ما مستوى علاقاتكم مع الحكومة المصرية والشعب المصري؟

الشعب المصري أشقاؤنا في الإنسانية والدين والتاريخ، ومصر لها تقدير خاص لديّ، فقد كان الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي يردد دائمًا أن مصر هي واحدة من الدول القليلة التي تتمتع بطاقة كامنة في العالم الإسلامي، أما الحكومة المصرية فأشكرها على موقفها النبيل مع الأتراك. كما أن مصر موقفها واضح في النضال ضد الإرهاب والعنف والتطرف.

يسعى أردوغان لتوسيع أنشطته في أفريقيا.. هل لديكم معلومات عن سعيه للإضرار بمصالح مصر في هذا المجال الحيوي لها؟

ليس لديَّ معلومات في هذا الصدد.

 

Leave a Reply

Your email address will not be published.