من طلب هذا الأمر فقد طلب أعلى أمور الدين، فيجب أن يكون من خير الناس اعتقادًا وديانة وفهمًا وسلوكًا ومعاملة.. وإذا كان التحلّي بهذه الخيرية وهذه الاستقامة واجبًا على آحاد المسلمين، فما بالك بالداعية الذي يحمل لواء الدعوة وينادي بها في الناس؟ إن الأنظار إليه أسرع، والزلة منه أوقع، والنقد عليه أشد. وهو ما يقتضي من الداعية أن يراقب سلوكه وتصرفاته في المجتمع، ولهذا قال تعالى: (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ)(هود:88)، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لاَ تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لاَ تَفْعَلُونَ﴾(الصف:1-2).

وأول ما يجب على الداعية، أن يأخذ به من خصال هذه الخيرية وشيمها:

1- تحقيق الإخلاص والصدق، والحذر من أن يتخذ هذا المنصب وُصلةً إلى حظوظه النفسية أو الدنيوية. وما أبلغ لسان الداعية إذا كان صدقُ التوجّه إلى الله تعالى شعارَه ودثارَه ومنهجَه وديدَنه. نقل عن بعض السلف أنه كان إذا وعَظ أبكى الناس حتى تختلط الأصوات ويعلو النحيب، وقد يتكلم في المجلس مَن هو أغزر علمًا منه وأبلغ عبارة فلا يحرك ساكنًا، فسأله ابنه يومًا عن سر هذا فقال: “يا بني، لا تستوي النائحة الثكلى والنائحة المستأجرة”(1).

فإذن، الخصلة الأولى لنجاح الداعية هي صدقه مع ربه عز وجل، وصدقه في سريرته وسيرته، وصدقه في فعله قبل مقاله، وصدقه في الإيمان برسالته والقيام بها. وهذا الصّدق هو العاصم من مختلف القواصم الظاهرة والباطنة التي تحتفّ بطريق الدعوة الشائك؛ كالرياء، والشهرة، وحبّ الظهور، والزعامة، واسترضاء الجماهير والخضوع لأهوائها ومشتهياتها إلى الحد الذي قد ينقلب فيه الخطيب من داعية لله تعالى إلى داعية للجمهور، أو من داعية لله إلى داعية لطائفته وجماعته، أو من داعية لله إلى داعية لنفسه.. وهذا ما يشير إليه بعض العارفين بقولهم: “آخر ما يخرج من قلوب الصدّيقين حبّ الرئاسة”(2)، وقول الإمام أحمد: ” أن تكون له نيّة، فمن لم تكن له نيّة، لم يكن عليه نور ولا على كلامه نور”(3).

2- التركيز على القواعد الكلية والأصول الجامعة: من أعظم التحديات التي يلاقيها المشروع الدعوي الإسلامي في هذه المرحلة العصيبة التي يجتازها، مواجهة علل الاختلاف والتفرق والتنازع التي أحكم الانحطاط والاستعمار غراسها في جسم الأمة، حيث صارت هذه العلل خاصة تجري فيه مجرى الدم.. فنحن كثيرًا ما نغفل عن الأصول الجامعة والقواطع الجليّة المحكمة، وننشغل بالفروع الخلافية الجزئية، ونتجادل حولها أو نحاول إنتاج فروع في بلد معين وفرضها وتعميمها على أرض الله الواسعة؛ مع أن ثقافات الناس تختلف، وظروف المجتمعات وعوائدها تختلف.. وتبعا لذلك، فإن مصلحة الدعوة تختلف من بلد لآخر. فالأصل أن البرنامج الدعوي مشروع جامع توحيدي، يجمع شعوب الأمة وقبائلها وجماعاتها ومكوّناتها المتنوعة على كلمة سواء، ومقتضى هذا الأصل أن يلتزم الخطاب الدعوي في جميع الأحوال بنبذ “الطائفية”، وترسيخ معاني الجامعة وتوثيق أواصر الوحدة والتعاون والتكامل على مختلف الأصعدة، خصوصًا أواصر “الوحدة الثقافية”؛ فما زال الواقع -للأسف- كالحًا شاحبًا، تتوالى عليه معاول التفتيت والتجزيء والتعصب المذهبي، وعوامل التفريق والتقسيم و”الفئوية” الضيّقة.. وما زال الحديث متواصلاً عن محنة “الجامعة الإسلامية”، وانقسام الوعي المحلي حول قضايا المرجعية والهوية وأطروحات البدائل.. إن على الدعوة أن تواجه رواسب قرون من الشتات والتشرذم الثقافي والتعصب المذهبي والطائفي بين أبناء “الأمة الواحدة”، وإن إحياء وتجديد رصيد هذه “الوحدة الثقافية” واستثمارها، هو الكفيل بتوسيع وتعميق دوائر الوحدة الكبرى المنشودة.

3- احترام عقول المخاطبين؛ ومعناه أن يحترز الداعية أو الخطيب، من الخضوع لمنطق الشارع، والتورّط في -أي شكل من أشكال- الإسفاف والسطحية والابتذال في الخطاب، لأن ذلك يحطّ من قدره وقدر ما يدعو إليه. فكلما استطاع الداعية أن يجتنب المقولات السطحية والألفاظ النابية والمعاني المبتذلة التي تمجّها الأسماع ولا تستسيغها الطباع، كان خيرًا له وأهدى سبيلاً. كما أن عليه أن يخضع دعوته لقواعد اللياقة وآداب الحديث، فلا يخاطب الناس بما يكرهون، ولا يسمّي الأشخاص، ولا يتقصّد نقد المخاطبين، ولا يبالغ في تبكيتهم وتحميلهم المسؤولية، ومواجهتهم بالأوزار والمثالب، ورمي الزمان بالنقائص والمعائب.. فهذا كله مما تكرهه النفوس وتنفر منه. وإنما ينبغي للداعية أن يكون مفتاحًا للخير، مجتهدًا في ملامسَة الأفكار الملهِمة، والتبشير بالآمال الواعدة والحلول الممكنة. وقوامُ النصح والإصلاح على الدوام، أن تخاطب الأمة -في كل شؤونها- بالمعروف وببيان تام، حتى تستطيع أن تفهم الذين يصارحونها بالحقائق أكثر مما تفهم غيرهم.

4– البصيرة الفقهية، وذلك بأن يكون واعيًا لما يعظ به أو يدعو إليه من كتاب أو سنة، فقيهًا في أحكامهما، مستوعبًا لمقاصدهما. وهذا يستوجب -من جهة- أن يكون الداعية ريّانًا في علوم الشريعة، وعلوم القرآن والحديث، وعلم الفقه وأصوله، وعلوم اللغة.. فمن لم يكن ريّانًا في هذه العلوم -وهي آلات العلم وموارد التفقه- تكلّم في الدعوة بلسان قصير، وأفسد من حيث أراد أن يصلح.

ومن جهة أخرى، أن يكون عارفًا بواجب الوقت، ناظرًا في تعيين المحل الذي يليق بما يدعو إليه؛ وهذا دستور الفقه وملاك الاجتهاد بتحقيق المناط، وهو ثلاثة أرباع النظر الفقهي كما يقول الشيخ أبو حامد الغزالي. وفي هذا تفاوت أهل الفقه والدعوة، إذ المزية كلّها في قوة التفطن لانطباق الكليات والقواعد على صور الحوادث. ومعلوم كذلك أن معرفة الأحوال الواقعة، ومراعاة العوائد والأوضاع الغالبة والمستقرة في الواقع الاجتماعي، ومعرفة حيل الناس وطباعهم وهمومهم واتجاهاتهم الثقافية، أصل عظيم من أصول الاجتهاد والتشريع المشهور بمراعاة العرف. ومن قواعده المأثورة: “المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا”، وقولهم: “العادة محكمة”(4).

ومن ثمرات الفقه الواعي الحكيم  في هذا الباب، أن ينظر إلى مآلات ما يدعو إليه بالنسبة إلى حال الزمان وأهله. وهذا فن دقيق في التعليم والدعوة ضلّت فيه أفهام، وزلّت فيه أقدام. وإليه يشير قول الإمام البخاري في صحيحه في كتاب العلم، باب من خصَّ بالعلم قومًا دون قوم كـراهية أن لا يفهموا، وقال علي رضي الله عنه: “حدثوا الناس بما يعرفون أتحبون أن يكذب الله ورسوله”. وأخرج مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه: “ما أنت بمحدّث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم، إلا كان لبعضهم فتنة”. ويؤكد ابن القيم هذا فيقول: “ومن أفتى الناس بمجرد المنقول في الكتب على اختلاف عرفهم وعوائدهم وأزمنتهم وأحوالهم وقرائن أحوالهم، فقد ضل وأضل، وكانت جنايته على الدين أعظم من جناية من طبب الناس كلهم على اختلاف بلادهم وعوائدهم وأزمنتهم وطبائعهم بما في كتاب واحد من كتب الطب على أبدانهم”(5). وعبّر عنه الشاطبي في الموافقات بأسلوبه التقريري، ومنهجه التقعيدي الكلي قائلاً: “ليس كل ما يُعلم مما هو حقٌّ يُطلب نشره وإن كان من علم الشريعة، ومما يفيد علمًا بالأحكام، بل ذلك ينقسم منه ما هو مطلوب النشر وهو غالب علم الشريعة، ومنه ما لا يطلب نشره بإطلاق، أو لا يطلب نشره بالنسبة إلى حال أو وقت أو شخص. وقد أخبر مالك عن نفسه أنه عنده أحاديث وعلمًا ما تكلم بها ولا حدّث بها”(6).

5- التزام اليسر؛ أن يلتزم مسلكَ التيسير والسّماحة في دعوته. والسماحة أول أوصاف الشريعة وأكبر مقاصدها، ووصف الإسلام بالسماحة معلوم من الدين بالضرورة، وثابت بأدلة الكتاب والسنة، حتى عبّر عن ذلك الإمام مالك بقوله: “ودين الله يسر”(7)، وإن الأدلة على رفع الحرج في هذه الأمة بلغت مبلغ القطع، وهو في الدعوة والتبليغ ألزم وأوجب.

والسماحة هي سهولة المعاملة في اعتدال، فهي وسط بين التضييق والتساهل، وحكمة امتداحها والتنويه بها راجع إلى أن الشريعة بنيت على وصف عظيم وأصل كبير وهو الفطرة، ومن الفطرة النفور من الشدة والإعنات والفظاظة، ولأن في فطرة الناس حبّ الرفق، والميلَ إلى الملاطفة واللّين، ولأن اللين يُعين على التذكُّر، ويحمل على الخَشْية كما قال جلّ وعلا: (اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلاَ تَنِيَا فِي ذِكْرِي * اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى)(طه:42-44)، وقال في حق نبينا صلى الله عليه وسلم: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ)(آل عمران:159)، وقال سفيان الثوري: “إنما العلم عندنا الرخصة من ثقة، فأما التشديد فيحسنه كل أحد”(8).

خاتمة

إن طرفًا مهمًّا من التحوّلات المستقبلية للمجتمعات المسلمة المعاصرة، متعلّق بتجديد مؤسّسة الدعوة؛ بتجديد أفكارها وتطوير برامجها وخططها ووسائلها وأهدافها، وبمدى ما تحققه من تأصيل لقيمها وأولوياتها على أساس المقاصد الكلّية للوحي، وإدراك المفاهيم والمسلّمات الثقافية الجديدة التي يحتويها الواقع، حتى تضطلع بمهمتها الأصلية: الدلالة على الحقّ، وإقامة الحجّة على الناس، وتعديل اتجاهات القيم والسلوك، وحفظ نظام المجتمع.

وعليه، لا بد أن تسلك مقاصد الدعوة سبيلاً متوازنًا بين المأمول والممكن، والمبدأ والواقع، وأن تصاغ بناء على فقه الموازنات، وترتيب الأولويات، ومراعاة المآلات القريبة والبعيدة، وضبط النّسب، مع تخليصها من “قسرية” التقرير إلى إيجابية الفهم والتقويم.

وأحسب أن الاتجاهات التي على المشروع الدعوي الإسلامي أن يرسيها في منطلقاته وبرامجه وأدبياته ما يلي:

أ- تقديم المشروع الدعوي باعتباره مبادرة إنقاذ وترشيد لمواجهة الأزمة الفكرية والأخلاقية التي تتشخّص في مظاهر الخلف بين القول والفعل، أو بين المبدأ والواقع، أو بين الظاهر والباطن، أو بين الشعار وحقيقة الحال، مما يجعل بعض أطراف الأمة في خصومة مع ذاتها ومع العصر، أو في حالة فقدان التوازن والانسجام بين ضميرها الديني والأخلاقي، وبين الواقع التاريخي المتغير.

بـ- إعادة الاعتبار لدور الرسالة الدعوية في بناء المفاهيم وتصحيحها، وبرمجة الأولويات، وترسيخ قيم إيجابية جديدة في التصورات والاتجاهات والسلوكيات المتعلقة بالوعي الجمعي، وذلك بالتركيز على تعديل نظرة الوعي للأشياء وعلاقته بها، والانتقال من الاهتمام بالفرد  إلى تغيير الأطر والقيم والمعطيات والنماذج المستقرة في جَذر النظام الثقافي والمجتمعي.

جـ- التأكيد على أصول المشترك الإنساني ومعاني الجامعة الإسلامية، والتركيز على قيم السّلم والحوار وتدبير الاختلاف والعيش المشترك في مضامين الخطاب الدعوي وقيمه ومقاصده، فذلك -برأينا- قوام ضروري لإعادة بناء الإنسان في المجال الإسلامي اليوم، وتحقيق التجديد النوعي المأمول في التجربة التاريخية المعاصرة.

د- ختامًا، لا بد من التوصية بالاهتمام بمؤسّسات ومناهج تكوين الداعية، من خلال بناء معاهد علمية تعنى بالتأصيل والتوصيل والتكييف للقضايا والمفاهيم، استنادًا إلى حقائق الحياة الاجتماعية الجديدة التي تستمد روحها من الرؤى الفلسفية والعلوم السياسية وعلوم الإدارة والاقتصاد والحقوق، ومن معرفة القيم السياسية والإنسانية المعاصرة، واستنادًا إلى الرؤية الثقافية الكونية التي تتناسب مع المقاصد العامة للرسالة الخاتمة، وتعنى بتطوير وسائل التوصيل وأساليب الخطاب والوعظ، ومهارات التحدث وفنون الإلقاء، والاستفادة من تكنولوجيا المعلومات ومواقع وتقنيات التواصل الاجتماعي المعاصرة. وبالله تعالى التوفيق.

 

(*) عضو المجلس الأكاديمي للرابطة المحمدية للعلماء / المغرب.

الهوامش

(1) إحياء علوم الدين، لأبي حامد الغزالي، د.ت. 4/187، ط. دار المعرفة، بيروت.

(2) نظم الدرر في تناسب الآيات والسور، لإبراهيم بن عمر البِقاعي، د.ت. 4/282، ط. دار الكتاب الإسلامي، بيروت.

(3) طبقات الحنابلة، لأبي الحسين بن أبي يعلى، د.ت. 2/55، ط. دار المعرفة، بيروت.

(4) الأشباه والنظائر، لجلال الدين السيوطي، 1/148، ط. مكتبة الباز، ط2، سنة 1418هـ/1978م.

(5) إعلام الموقعين عن رب العالمين، لابن قيم الجوزية، تحقيق مشهور بن حسن آل سلمان، 4/470، ط. ابن الجوزي، ط1، رجب 1423هـ.

(6) الموافقات، لأبي إسحاق الشاطبي، تحقيق أبي عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، 5/167، و5/171، ط. دار ابن عفان، ط1، سنة 1417هـ/1997م.

(7) ترتيب المدارك، للقاضي عياض، 3/105، تحقيق جماعة من المحققين، ط. فضالة، المحمدية، المغرب.

(8) المجموع شرح المهذب، لأبي زكريا محيي الدين يحيى بن شرف النووي، 1/46، مع تكملة السبكي والمطيعي، ط. دار الفكر.

One Response

  1. بومهدي عبداللطيف

    أاقدم بالشكر الجزيل للأستاذ المتمكن والمربي الحليم والعالم الأصيل على هذه المقالة القيمة من جوانب عديدة :
    1 – من حيث الزمن الذي جاءت فيه ، يعيش فيه الفكر الإسلامي مجموعة من التحولات البنيوية دوليا وإقليميا ، وهو ما جعل كل غيور عن الدعوة الإسلامية التفكير في مراجعة الخطاب الدعوي ليس تأصيلا فقط بل حتى موضوعا ومنهجا .
    2 – من حيث إثارة المقالة لمجموعة من القضيا الأساسية االمهمة بطريقة سهلة و مبسطة مع وضع الأصبع على الداء بالضبط ، وكل القضايا تحتاج الى بحث وتقعيد .
    3- منهجية التقعيد والتأصيل والتركيز على الدراسة المصطلحية وهذه مداخل نحتاج الي إعطائها الاهتمام اللازم .
    فشكرا لك أستاذي حين فتحت أبواب الأمل في وجه الغيورين على فكر الدعوة وجزاك الله خيرا .

    رد

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.