لقد اختزلت العقلية المادية الإنسان، صاحب العبقرية الفذة والأفق الممتد إلى اللامحدود، في أبعاده المادية وغرائزه الحيوانية، ونزعاته الاجتماعية، وأغلقت حقيقة جوهره التي تقتفي أثر الروح والمعنى، حتى أدت إلى شقاء بؤساء هذا الزمان الذين لا ينجون من ملمة حتى يتردوا في أخرى، ومن ثم يواصل فتح الله كولن تأكيده في مقاله الرئيس بعنوان: أعماق الذات الإنسانية(2) على ضرورة أن تعي الإنسانية قيمة الذات الإنسانية وتنفذ إلى أعماقها، وتتخلى عن تعظيم المنفعة وتصدير إشباع الجوانب الغرائرية على قائمة الأولويات، وإلا فمن يدري كم من مآس مروعة يمكن أن تقع، وكم من سيول من الدموع والدماء يمكن أن تتفجر.

أما خالد راتب فيبين في مقال العبادة الاجتماعية أن الشريعة الإسلامية قدمت نموذجًا وازنًا بين العبادة الفردية والعبادات الاجتماعية بغية تحقيق مقاصد اجتماعية متعددة تسهم في إعمار الأرض وتحقيق التوازن بين حاجات الفرد ومتطلبات المجتمع.

ولا يزال المخ البشري لغزًأ محيرًا يبحث عن تفسير، حيث يحاول العلماء كل يوم حل جزء من هذا اللغز والوصول إلى كامل أسراره، وهو ما يعرض بعضًا منه الخبير في باب العلوم محمد السقا عيد في مقال ماتع. أما إدريس الكنبوري فقد أوضح في مقاله أن الإسلام قد خرق أعراف الديانات والعقائد التي ترى أن التفكير فيها يشجع على العصيان والتمرد، ويمس بهيبة المؤسسة الدينية، حيث كان أول شيء حض عليه القرآن الكريم هو دعوة الفرد إلى التفكير والتفكر بدل التسليم الأعمى، كما دعا القرآن الجماعة أيضا إلى عقد مناقشات بين أفرادها بشكل جماعي، وتبادل الرأي والتحليل للوصول إلى نتائج بناء على عمل الفريق.

كما تتابعون في هذا العدد أيضا عددًا من المقالات التي ترصد جائحة كورونا من نواحي متعددة فحمزة بومليك يحدثنا عن الآثار الإيجابية التي أسهمت في تعاضد المجتمع ونزوعه من الفردية إلى التضامن المجتمعي في مقاله “كورونا من الأنا إلى نحن”، وصهباء بندق تتحدث عن لمس الوجه في أزمن كورونا وطرق تفادي ذلك، وعائشة المشرفي تتحدث عن دور المجتمع المدني في مواجهة هذه الجائحة، وبمناسبة موسم الحج تتابع أميرة الشناوي كيوان أصداء هذه الشعيرة في عيون الشعراء ووجدانهم، وكيف نقلوا لنا هذه الأصداء في ثوب إبداعي قشيب، هذا إلى جانب مقالات أخرى فكرية وحضارية وتربوية وأدبية. وأخيرًا يستعرض عبد السلام كمال أبوحسن أحد أنشطة حراء الثقافية، حيث احتفت المجلة بذكرى وفاة العلامة المغربي المرحوم فريد الأنصاري الحادية عشرة من خلال عقد ندوة دولية بعنوان “فريد الأنصاري مفكرًا وأديبًا”، بمشاركة مجموعة من النخبة والمفكرين والباحثين من مختلف دول العالم، الذين تناولوا المنجز الكفري والأدبي والإصلاحي للمرحوم العلامة فريد الأنصاري، وقد جاءت هذه الندوة من حراء عرفانًأ منها بمسيرة الراحل الفكرية وتقديرًا لإسهاماته الرائعة على صفحات المجلة.. نرجو لكم متابعة ممتعة لأبواب المجلة ومقالاتها، والله المستعان.