فقه الواقع ضروري لأي تخطيط، وإلا ضاع الهدف لعدم تحديد المنطلق. وفقه الواقع ضروري لأي تشريع أو تنزيل، وإلا وُضع الشيء في غير موضعه، ووسّد الأمر إلى غير أهله. وما بعثة الرسل -عليهم الصلاة والسلام- في أقوامهم، إلا مراعاة لفقه الواقع، وما تطور تنزيل الدين عبر التاريخ، إلا مراعاة لتطور الواقع.

وبما أن البشرية اليوم تقف “على حافة الانهيار، يدعّها عبّاد العجل دعًّا إلى الدمار، وتسوقها العولمة سوقًا إلى النار، بكيدها العتيد، ومكرها الشديد، وأذرعها العالمية الجهنمية، بنوكًا ومنظمات؛ تستصرخ ولا من صريخ، وتتظلم إلى من فيه الخصام وهو الخصم والحكم. قد أحكم الدجال الأعور قبضته عليها، فخنق الأنفاس، ومص دماء الناس، ولا خلاص للناس كل الناس، إلا بظهور دين رب الناس، ملك الناس، إله الناس، على يد خير أمة أُخرجت للناس.

وبما أن أمتنا اليوم قد شاخت ووهنت بما كسبت، حتى صارت قصعة طعام يتهارش على خيراتها شر المفترسين.

وبما أن الأمر كذلك، فقد صار التجديد للأمة اليوم -قلبًا وقالبًا- فريضة شرعية وضرورة حضارية”.(1)

ولا سبيل إلى ذلك بغير فقه واقع الأمة، ذلك بأن التجديد يتطلب فقهًا لما به يكون التجديد، وهو هاهنا الدين ممثلاً في القرآن والسنة البيان.. وفقهًا لما له يكون التجديد، وهو هاهنا الأمة ممثلة في واقع المسلمين.. وفقهًا لكيف يكون التجديد، وهو هاهنا “السيرة” أو المنهاج ممثلاً في كيفية تنزيل الدين على الواقع وإحلاله فيه. وكل ذلك مرتبط بالواقع ضربًا من الارتباط.

وإذا جاز تصور تحصيل الفقه الأول بمعزل عن الواقع، فإن الفقهين الآخرين لا يستطاع تصور تحصيلهما دونه، فوجب الانطلاق من “فقه سديد” للواقع في أي محاولة للتجديد الصحيح.

مفهوم الأمة

“الأَمُّ” في لسان العرب: مداره على القصد، قال ابن منظور: “وأصل هذا الباب كله من القصد. يقال: أمَمْتُ إليه: إذا قصدتُه؛ فمعنى “الأُمة” في الدين، أن مقصدهم مقصد واحد، ومعنى “الإِمَّة” في النعمة، إنما هو الشيء الذي يقصده الخلق ويطلبونه، ومعنى “الأُمة” في الرجل المنفرد الذي لا نظير له، أن قصده منفرد من قصد سائر الناس… ومعنى “الأُمة”، القامة، سائر مقصد الجسد. وليس يخرج شيء من هذا الباب عن معنى “أممتُ”: قصدتُ”.

وعند تحليل هذا الأصل إلى مكوناته الدلالية، يتبين أنه يتكون “من أربعة معان: “اختيار، حركة، تقدم، هدف”.(2)

فإذا أضيف إلى ذلك أن مدار “الأمة” في لسان العرب على: “الجمع المُوحَّد” (بفتح الحاء) كما نبه على ذلك الراغب بحق: “والأمة: كل جماعة يجمعهم أمر ما؛ إما دين واحد، أو زمان واحد، أو مكان واحد، سواء كان ذلك الأمر الجامع تسخيرًا أو اختيارًا”.. تبين أن “العناصر” الكبرى المكونة لـ”مركّب” الأمة ثلاثة: عنصر الجمع، وعنصر الوحدة، وعنصر القصد. وسر تفاعلها جميعًا كامن في طبيعة الموحِّد (بكسر الحاء)، أو “الأمر الجامع”، بتعبير الراغب.

وبه يؤول الأمر إلى أن مناط وجود الأمة هو “الأمر الجامع؛ تسخيرًا أو اختيارًا” كما قال الراغب؛ فإذا وجد وجدت، وإذا غاب غابت. ثم من بعد ذلك يأتي التطور الدلالي للفظ الأمة لمن شاء تتبعه، والتطور الوجودي لكيان الأمة لمن شاء رَبْطَ مراحله.

هذا عن الأمة في اللسان، أما عن “الأمة” في القرآن والسنة البيان، فالذي يضاف مما يعنينا أمران:

الأمر الأول: أن مسمى الأمة المقصودة والمكونين لها تحدده هذه الآيات: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾(البقرة:143)، ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾(آل عمران:104)، ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾(آل عمران:110).

ومن الآيات يستفاد

• أن “جميع العناصر المكونة لـ”مركب الأمة” موجودة في المخاطَبين المتبوعين؛ فهم جماعة لا أفراد، وهم موحَّدون لا متفرقون، وهم رساليون قاصدون لا هَمَل… إنهم المهاجرون، والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، وإنهم “أمة واحدة من دون الناس”، هم “في تَوادِّهِم وتَراحُمهم وتعاطفهم مثل الجسد، إذا اشتكى منه عضو تَداعَى له سائر الجسد بالسهر والحُمّى” (رواه مسلم)، وإنهم أمة “أخرجت للناس” ليكونوا “شهداء على الناس”، وليُخْرِجُوا الناس -كلَّ الناس- من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة.

هكذا جعلهم الله تعالى ليكُونوا الأمة، وهكذا كانوا في واقع التاريخ وزمن الخطاب يمثلون الأمة، وهكذا ينبغي أن يكونوا في أي تاريخ وفي أي زمن ليصدق عليهم لفظ الأمة.

• أن “الأمر الجامع” للمخاطَبين المكوِّنين للأمة هو “الإسلام”. فالخطاب في “جعلناكم”، و”منكم”، و”كنتم” ليس إلا للمسلمين “من قريش، ويثرب، ومن تبعهم فلحق بهم…”(3) إلى قيام الساعة؛ فيشمل باصطلاح رسول الله صلى الله عليه وسلم، أصحابه وإخوانه، أي يشمل جميع المسلمين على امتداد الزمان والمكان منذ البعثة حتى انتهاء الكون.

• أن رسالة الأمة ووظفيتها وموقعها -كما تحدده آية البقرة وتفصله آيتا آل عمران- “هو الشهادة على الناس، وهو جَعْلٌ من الله رب الناس، ملك الناس، إله الناس، كما جعل آدم في الأرض خليفة، وكما جعل إبراهيم إمامًا للناس، وكما جعل البيت مثابة للناس، وكما جعل وجعل…”.

ولا شهادة بغير أهلية للشهادة ولو في الأمور الصغيرة ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾(الطلاق:2) ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾(البقرة:282)، فكيف بالشهادة على الناس كل الناس؟

وشروط الأهلية في الآية

أولا: أن تكونوا “أمة”. ولا أمة بغير وحدة ما يُؤَمّ، ولا وحدةِ من يَؤُمُّ ومن يُؤَمّ؛ إذ مدار الأَمّ كله في اللغة على القصد، ومدار الأمة كلها على الوحدة في ذلك القصد.

ثانيا: أن تكونوا “وسطًا”. ولا وسطية بغير خِيَرة، كما نصت الآية الأخرى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾(آل عمران:110)، ولا خيرة بغير قوة وأمانة ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ﴾(القصص:26). وإنما توسد الأمانة للأقوياء لا للضعفاء. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “يا أبا ذر، إنك ضعيف، وإنها أمانة”. (وراه مسلم)

ومع ذلك، كل ذلك لا يكفي لأداء الشهادة، إذ لابد من الشهود؛ أي الحضور لأداء الشهادة. وحين تكون الشهادة بالخيرة؛ أي بالحال أساسًا قبل المقال، ومن أمة لا من أفراد، وعلى الناس جميعًا لا على بعضهم، فإن الشهود والحضور لابد أن يكون حضاريًا؛ أي حضورًا بالإمامة في كل المجالات، وعلى جميع المستويات، وفي كل الأوقات”.(4)

الأمر الثاني: إن اسم الأمة المقصودة، والمكونين لها تحدده هذه الآيات:

﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾(البقرة:127-128)، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَجَاهِدُوا فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللهِ هُوَ مَوْلاَكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾(الحج:77-78).

ومن الآيات يستفاد

1- أن اسم الأمة الصحيح هو “الأمة المسلمة” لا “الأمة الإسلامية”، ولا غير ذلك مما هو أبعد من ذلك.

وفي ذلك ما فيه من تمثيل الاسم للمسمى ومطابقة المصطلح للمفهوم، إذ شتان في الصلة بالإسلام بين “أمة مسلمة” و”أمة إسلامية”؛ شتان بين أمة تتصف بالإسلام وتمارس الإسلام وخلُقها الإسلام، وبين أمة تنسب إلى الإسلام وتحسب على الإسلام وتضاف إلى الإسلام. إن البؤرة غير الهامش، وإن المضاف إليه غير المضاف.

2- أن اسم المكوِّنين للأمة الصحيح هو “المسلمون” لا “الإسلاميون”، انسجامًا مع اسم الأمة التي هم لها مكوِّنون وبها كائنون. وشتان في المصطلح والمفهوم بين “المسلمين” و”الإسلامين”، وشتان في الأصالة والرسوخ بين لفظ محدث يكاد يتبرأ منه الوحي، ولفظ عتيق مختار منصوص عليه ضارب في أعماق الوحي: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا﴾(الحج:78).

3- أن قِدَم الاسمين وتعاقبهما في دعوة إبراهيم عليه السلام يدل على قِدَم المسميين وتعاقبهما في تاريخ الإسلام ومنهج الإسلام. ولم تعرف الأرض، ولن تعرف دينا لله جل وعلا غير الإسلام. ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الإِسْلاَمُ﴾(آل عمران:19)، ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾(آل عمران:83)، ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾(آل عمران:85). ولذلك قال الله تعالى لرسله وأتباع رسله عبر التاريخ: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾(الأنبياء:92)، ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾(المومنون:52).

وإذن فالأمة المقصودة هي “الأمة المسلمة” بما تتضمنه من خصوصية في المكونات، وما تستلزمه من خصوصية في “الأمر الجامع” لها الذي هو الإسلام من وحدات؛ من وحدة الإله، إلى وحدة الكتاب، إلى وحدة الإمام، بغض النظر عما آلت إليه اليوم في تمثلها للإسلام وتمثيلها للإسلام.

مفهوم “الواقع”

الواقع في لسان العرب: الساقط والنازل. قال ابن فارس في المقاييس: “الواو والقاف والعين أصل واحد يرجع إليه فروعه، يدل على سقوط شيء”. وعند الراغب في “المفردات” أن “الواقعة لا تقال إلا في الشدة والمكروه، وأكثر ما جاء في القرآن من لفظ “وقع” جاء في العذاب والشدائد”.

أما الواقع في الاستعمال العربي المعاصر فيحتاج إلى دراسة مصطلحية خاصة؛ وصفية وتاريخية، على مدى قرن أو يزيد، وفي عدد من المجالات، لتحديد مفهومه الضخم المتشعب، كما يُشير إلى ذلك كثرة الاستعمال وتعدد المجال وهو ما لا سبيل إليه الآن، لأسباب ترجع إلى واقع الأمة نفْسه، الذي حقه أن يفقه ليعالج.

لكن لابد من تحديد المراد منه في هذه الدراسة، وذلك ما يمكن تلخيصه في:

الواقع هو ما عليه الأمر الآن. وبما أن الموضوع هو واقع الأمة، فإن المعنى سيكون:

الواقع هو الحالة التي عليها الأمة الآن؛ فيدخل فيه كل الجزئيات والكليات التي تتكون منها الأمة الآن، حسب حالتها الراهنة. وانسجامًا مع التحليل السابق لمفهوم الأمة، نترك التصنيف المألوف للواقع الذي يجزئ الحياة العامة إلى واقع سياسي، وواقع اقتصادي، وواقع اجتماعي… إلخ، مستبدلين به التصنيف حسب “العناصر المكونة لمركب الأمة”؛ من واقع الجمع البشري لها، وواقع وحدتها “والأمر الجامع” لها، وواقع قصدها والرسالة التي تضطلع بها.

ويقصد بواقع الجمع البشري للأمة: الحالة التي عليها الناس الذين يشكلون الجسم “المادي” للأمة، كثرة وقلّة، غنى وفقرًا، علمًا وجهلاً، صحة ومرضًا، شعوبًا وقبائل، طبقات ومستويات، مؤسسات وتنظيمات…

ويقصد بواقع وحدة الأمة و”الأمر الجامع” لها: الحالة التي عليها ممارسة الإسلام والتدين في الأمة، والروابط الجامعة المنبثقة عنه من عقيدة وعبادة وأخلاق وشريعة. ما درجة ذلك قوة وضعفًا، اتساعًا وضيقًا، صوابًا وخطأ؟

ويقصد بواقع قصد الأمة والرسالة التي تضطلع بها: الحالة التي عليها تأهل الأمة للشهادة على الناس، ومدى أدائها لها في مختلف المجالات، بالحال والمقال؛ ما درجة الأهلية وسطيّةً وخيرةً؟ وما درجة الشهود الحضاري والشهادة إمامةً وتبليغاً؟

هذا وللواقع زمن يتحرك فيه، ومجال يحيط به ويؤثر فيه أو يتأثر به.

فأما الزمن: فهو المعيش في بعديه المؤثرين: الماضي القريب، والمستقبل القريب. وهو ما قد يُسمّى بـ”العصر”، ولا يستطاع تحديده علميًّا بيوم أو شهر أو عام لتحركه المستمر، بتحرك العائش فيه. ويمكن تحديده دراسيًّا من أجل ضبط المعطيات والنتائج.

وأما المجال فهو المحيط الخارجي الذي يتبادل التأثر والتأثير مع الواقع الداخلي حسب سنن التجاور تآلفاً أو تخالفًا. وإنما يحدد بالأثر، ويصنف حسب القوة والضعف، والقبول والرفض.

وأكبر حاضر في المجال ومؤثر في واقع الأمة إلى حد “الصنع” أحيانًا أو ما يشبه “الصنع”، هو ما اصطلح عليه بـ”الغرب”.

إذن فالواقع المقصود: هو الحالة التي عليها الأمة بكل مكوناتها في هذا الظرف المعيش داخل المجال الدولي المحيط، وهي تتحرك فاعلة منفعلة متفاعلة.

مفهوم الفقه

الفقه في لسان العرب: “العلم بالشيء والفهم له”. وعند الراغب: “هو التوصل إلى علم غائب بعلم شاهدٍ، فهو أخص من العلم”، وهو عند الجرجاني في “التعريفات”: “عبارة عن فهم غرض المتكلم من كلامه”.وقد أحسن الحكيم الترمذي ما شاء حين قال: “الفقه بالشيء: هو معرفة باطنه والوصول إلى أعماقه”. وبعد دراسة الفقه “في عشرين موضعًا من القرآن”، تبين لصاحب المنار “أن المراد به نوع خاص من دقة الفهم والتعمق في العلم الذي يترتب عليه الانتفاع به”.

وهذا كله يفضي إلى أن:

الفقه فهم دقيق نافذ إلى البواطن والأعماق والأغراض.

فإذا أضيف إلى الواقع أمكن تعريفه هكذا:

فقه الواقع هو: الفهم الدقيق النافذ إلى أعماق ما يجري في الظرف المعيش والمجال المحيط.

فإذا أضيف فقه الواقع إلى الأمة صار المراد بفقه واقع الأمة هو: الفهم الدقيق النافذ إلى أعماق الوضع الذي عليه الأمة بكل مكوناتها في هذا الظرف المعيش داخل المجال الدولي المحيط.

وبتحليل التعريف إلى عناصره نجد الفهم بشروطه وهو أداة الفقه. والوضع بمكوناته وهو موضوع الفقه. والظرف المعيش بجريانه وهو الإطار الزماني. والمجال المحيط بتفاعلاته وهو الإطار الإنساني.

ولا سبيل إلى فقه واقع الأمة بغير إحكام أمر الأداة؛ أدمغةً وأجهزةً ومؤسسات، ومنهجًا في التوثيق والتدقيق والتحقيق، يقوم على الاستيعاب والتحليل والتعليل قبل أي تركيب، مقدمًا عند الدراسة الوصف على التاريخ، والجزئي على الكلي… إلى آخر ما يجب إحكامه من أمر الأداة لتأمين ذلك المستوى من الفهم.

كما لا سبيل إلى فقه واقع الأمة بغير التمكن من مكونات الوضع الموضوع، والتتبع الأفقي والعمودي لما يجري في الظرف المعيش ويتفاعل في المجال المحيط.

لا جرم أن هذا العبء ضخم، وأن التخطيط له بله إنجازه يحتاج إلى صفوة من أولي العزم، ولكن إذا وجدت الشروط وزالت العوائق، فإن الشروع بإذن الله تعالى يكون.

ـــــــــــــــــــــ

الهوامش

(1) أثر مدرسة المنار في تجديد فهم المصطلح القرآني (من خلال تفسير المنار)، عرض ألقي في ندوة “مدرسة المنار ودورها في الإصلاح الإسلامي” التي نظمتها المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة، بالتعاون مع المعهد العالمي للفكر الإسلامي وجمعية الدعوة الإسلامية العالمية بتاريخ 8-9/10/2002م، القاهرة.

(2) الأمة الشهيدة، المنطلق 26، نقلاً عن الأمة والإمامة لـ”علي شريعتي”، ص:32-33.

(3) الوثائق السياسية.

(4) نحو تصور حضاري للمسألة المصطلحية، ص:12-13.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.