طب الأسنان، شأنه شأن غيره من العلوم الطبية، كانت له منزلة مرموقة في دائرة الاهتمام العلمي الإسلامي. ولو راجعنا تاريخ المسلمين الطبي، لوجدنا أن النبي والطبيب الأول محمدًا  صلى الله عليه وسلم، قد وضع معالم الطريق المؤدية إلى حماية الأسنان ووقايتها. أليس هو القائل: “ما لي أراكم تأتوني قُلْحًا، استاكو” (رواه الإمام أحمد)، “فلولا أن أشقّ على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة” (رواه البخاري)؛ و”القُلْح” هم المصابون باصفرار الأسنان. والقائل أيضًا: “السواك مطهرة للفم، مرضاة للرب” (رواه ابن ماجه).

فما هو السواك الذي حض عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فمنذ حوالي خمسة عشر قرنًا، لم يكن هناك ما يسمى فرشاة أسنان، بل كان هناك أداة تدعى “المسواك”. والفرشاة العصرية في حد ذاتها تعتبر مسواكًا لكنه مسواك صناعي، ولا بد لمعظم الناس حين استعمال هذه الفرشاة، من التعامل مع المعجون الطبي الذي يدعم فعلها الميكانيكي بفعله الكيميائي.

أما المسواك الطبيعي، فإنه يقوم بالفعلين الميكانيكي والكيميائي معًا، أي إنه فرشاة ومعجون، ومعجونه الطبي متغلغل بين أليافه، مندمج مع خلاياه. وهو في الوقت نفسه، ليس له محذورات المعجون الطبي المستخدم مع الفرشاة، والذي كثيرًا ما يعيق عملية التنظيف ويحول دون وصول أشعار الفرشاة إلى داخل الميازيب اللثوية.

إن المسواك الطبيعي النباتي، يحوي خلاصة تعطي الفم رائحة زكية وطعمًا مستحسنًا، فضلاً عن أن فيه بعض المواد القابضة -كالعفص- تشدّ اللثة وتنشط دوران الدم فيها، وهناك خلاصات أخرى نباتية لطيفة تستعمل مضادة لعفونة الفم بدرجة خفيفة. وقد عرفت خصائص عود الأراك فصار يدخل في المستحضرات السنية منذ ثلاثين سنة، وذلك بأن يدق وتؤخذ خلاصته المعروفة باسم مسحوق السواك.

علماء في طب الأسنان

وفضل المسلمين في ميدان طب الأسنان كبير، إذ إن كل طبيب من أطباء المسلمين على وجه العموم كان يعالج سائر جسم الإنسان، فوضعوا المؤلفات ووجدوا طرائق جديدة لمعالجة الإشكالات والأمراض في الفم عامة والأسنان خاصة. من ذلك أن لهم مساهمات في المعالجات اللثوية ومداواة الأسنان والجراحات الفكية والوجهية، إضافة إلى نصائحهم التي يمكن إدراجها ضمن ميدان طب الأسنان الوقائي. بمعنى آخر إن كل الأفكار الأساسية التي تقوم عليها معالجات طب الأسنان الحالية والوقائية، كان لها بديل عند الأطباء المسلمين القدماء.

الأطباء المسلمون نجحوا في تقويم الأسنان وعلاج تشوهات الفكين بطرق مبتكرة، وتوصلوا إلى استخدام جسور الأسنان الذهبية والفضية، وأدوات ضغط اللسان.

وعرف الأطباء المسلمون أيضًا طريقة حشو السن، ووصفوا مواد تُخلط لتصبح تركيبًا يُحشى به السن بعد حفرها. وكان هناك ما يُسمى بتحنيط اللب، أو ما يعرف حاليًّا باستئصال اللب. وقد تختلف المواد التي كانوا يستخدمونها عن المواد المستخدمة حاليًّا، لكن الفكرة الأساسية هي التي قامت على تجريف النخر وإزالته ووضع مواد حاشية مناسبة متوافرة لهم. ولعل أهم المواد المستخدمة في حشو السن؛ الشمع، وبرادة العقيق، والعاج، إضافة إلى بعض المعادن أو المواد ذات الأصل النباتي.

ولو تتبعنا ما قدمه المسلمون في مضمار طب الأسنان، لوجدنا الكثير؛ فأبو بكر الرازي يوصي بتحاشي الحموض بسبب سوء تأثيرها في عناصر السن، وأوصى بعدم اللجوء إلى القلع قبل استنفاد وسائل المعالجة كلها، وأوصى أيضًا بتشبيط اللثة وتسكين الآلام عن طريق الأفيون أو عطر الورد. والرازي يلجأ إلى المقبضات لتمكين السن ومنع اهتزازها، وينصح بسد الحفر والنخرات السنية بالمسك والشاب بعد تنظيفها. كل هذا يؤكد ممارسته ووعيه ودقة تشخيصه في مجال طب الأسنان.

وأبو الحسين بن كيشكرايا طبيب البيمارستان العضدي، وتلميذ سنان بن ثابت بن قرة، وأحد الأطباء المشهورين في القرن الرابع الهجري، يقول في كتابه “الكناش في الطب”: “ربما حدث البخر من فساد يحدث في الضرس أو في سن متآكل، فيجب أن نقلع ذلك الفساد، ويصير فيه ما يصلح فساده من السنونات وصفته في باب علاج الفم والأسنان.

وربما حدث البخر من بلغم قد فسد وبقي في المعدة، وعلاجه يكون بالقيء؛ بأن نأكل السمك المملوح قبل القيء ولا نشرب الماء حتى نعطش عطشًا شديدًا، ثم نشرب ما يهيج القيء، كالشب، والفجل المطبوخ، والملح الأندراني، فإنه يخرج ذلك البلغم العفن. ثم نستعمل بعد ذلك شرب الصبر والأيارج فيقرا فإنه ينقي المعدة”.

وابن سينا المكنّى بأبي علي، والملقب بالشيخ الرئيس، درس الطب على عيسى بن يحيى، فنبغ وأصبح مرجع الأطباء وهو في السادسة عشرة من العمر. وكان للاختبار تأثير طيب في مقدرته الطبية، قال ابن سينا: “ثمانية عشر شهرًا ما نمت فيها ليلة واحدة بطولها، أستعين على عجزي بالابتهال إلى الله فيهديني، وعلى استسلامي إلى النعاس بقدح يوقظني، ومتى أغمض أجفاني، تكشفت لي المشاكل العويصة عن حلول لم تكن اليقظة لتهديني إلى مثلها”.

وابن سينا هو أشهر جميع أطباء العرب، بلغ من التأثير في عالم الطب عدة قرون ما لقب معه بـ”أمير الطب”. ويشمل كتابه المهم “القانون” على علم وظائف الأعضاء، وعلم الصحة، وعلم الأمراض، وعلم المعالجة والمادة الطبية، ووُصفت فيه الأمراض بأحسن مما وصف به في الكتب التي ألفت قبله.

الوقاية من مرض الأسنان

كان ابن سينا في مقدمة العلماء الأطباء الذين قاموا بتنسيق المعلومات الطبية ووصفها، والإضافة عليها من خلال تجاربه التي دونها في كثير من كتبه، حيث قام ابن سينا بتعريف الطب وتقسيمه تقسيمًا علميًّا واضحًا. ومن بين جملة ما بينه، الفك والأسنان وأمراضهما، وكيفية مداواتهما، وقد قال عن حركة فتح الفك: “إن حركات الفك إلى الأسفل لم تحتج إلى أن تكون فوق ثلاث، حركة فتح الفم والفغر، وحركة الانطباق، وحركة المضغ والسحق”.

وقد أطال في شرح هذه الحركات، ثم تحدث عن الوقاية من مرض الأسنان، حيث وضع قواعد للحفاظ عليها يندرج تحت باب الطب الوقائي:

من أحب أن تسلم أسنانه، فيجب أن يراعي أشياء منها:

1- أن يتحرز عن تواتر الطعام والشراب في المعدة لأمر في جوهر الطعام، وهو أن يكون قابلاً للفساد وسريعًا، كاللبن، والسمك المملوح، والصحناة أو لسوء تدبير تناوله.

2- أن يتجنب مضغ كل علك، وخصوصًا إذا كان حلوًا، كالناطف والتين والعلك.

3- اجتناب كسر الصلب.

4- أن يتجنب كل شديد البرد وخصوصًا على الحار، وكل شديد الحر وخصوصًا على البارد.

5- أن يديم تنقية ما يتخلل الأسنان من غير استقصاء وتعدٍّ إلى أن يضر بالعمور وباللحم الذي بين الأسنان فيخرجه أو يحرك الأسنان.

6- أن يتجنب أشياء تضر الأسنان بخاصتيها، مثل الكراث؛ فإنه شديد الضرر بالأسنان، وسائر ما ذكرنا من المفردات.

وعلى ما ذكره ابن سينا، يكون سهلاً على الطبيب تشخيص المرض بدقة، وكأن الباحث في الطب يقف أمام طبيب عظيم من أطباء هذا العصر. حيث يتبع معظم أطباء اليوم الطريقة نفسها -تقريبًا- في تشخيص المرض مع تقدم التقنيات الطبية ووسائل التشخيص.

وكان ابن سينا واضحًا ودقيقًا في تحديد الغاية والهدف من مداوة نخور الأسنان حين قال: “الغرض من علاج التآكل، منع الزيادة على ما تآكل، وذلك بتقنية الجوهر الفاسد منه، وتقليل المادة المؤدية إلى ذلك” وهذا مبدأ أساسي في مداواة الأسنان.

سبق ابن سينا علماء العصر الحديث في مجال تثقيب الأسنان وتآكلها، فبينما كان يعتقد في أوربا -في القرن الرابع عشر- أن سبب نخر الأسنان وتآكلها هو الديدان والأرواح الشريرة -والتي كانت كثيرًا ما تعالج بوسائل السحر والشعوذة وتلاوة الصلوات الخاصة- كان ابن سينا يشخص هذا المرض -في القرن العاشر الميلادي- التشخيص العلمي الصحيح، يقول حَرفيًّا: “إن سبب تثقب الأسنان وتآكلها هو رطوبة رديئة فيها”؛ ويقصد بهذه الرطوبة، الجراثيم المختلفة الناشئة عن مختلف المواد الغذائية الموجودة في الفم.

ووصف العلاج الصائب لتلك الرطوبة فقال: “إن الغرض من علاج التآكل هو منع الزيادة على ما تآكل، وذلك بتقنية الفاسد منه وتحليل المادة المؤدية لذلك، وأن تُحشى بسلة وسعد، أو بسك ممسك وحده، فإنه يمنع التآكل ويسكن الألم”.

وقد وصف ابن سينا طريقة لرد خلع مفصل الفك السفلي، ولم يطرأ على هذه الطريقة أي تعديل يذكر حتى عصرنا.

كما عالج الأسنان اللبنية بإذابة زرنيخ أحمر بزيت، يغلى ويقطر منه في أصل الضرس، وهذه المادة لا تزال تستخدم حتى يومنا هذا. كما استخدم الكافور في الحشو، فكان نافعًا ومانعًا لزيادة التآكل، ومسكّنًا للألم، كما أوصى أن يكون الحشو برفق، لأنه يزيد الوجع.

(*) باحث في التراث العربي والإسلامي / مصر.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.