قبل مائة سنة مضت، قصّ “جون راسكين” (John Ruskin)، حكاية رجل صعد على متن سفينة وهو يحمل كل ثروته في كيس كبير مملوء بالقطع النقدية الذهبية. وبعد بضعة أيام من بداية الرحلة هبَّت عاصفة هوجاء، وانطلق الإنذار داعيًا إلى هجر السفينة. صعد الرجل إلى السطح رابطًا الكيس حول خاصرته، ثم قفز من الحافة ليغوص إلى قاع البحر مباشرة.. هنا يتساءل راسكين: في تلك اللحظات التي كان فيها الرجل يغوص باتجاه القاع، هل كان هو مَن يمتلك الذهب أم الذهب مَن كان يمتلكه؟
خصائص الذهب
لقد حرّك الذهب مجتمعات بأكملها، وقضى على اقتصاديات وحوّلها إلى أشلاء، وحدّد مصائر الملوك والأباطرة، وكان الملهم لأروع الأعمال الفنية.. كما حرَّض الناس لارتكاب أفظع الجرائم، وجعل الرجال يتكبدون المشاق بأمل العثور على ثروة سريعة للتخلص من الفاقة والقلق.
“يا لروعة الذهب، من يمتلك الذهب يمتلك كنزًا باستطاعته مساعدة الأرواح في الدخول إلى الفردوس”؛ تلك كانت كلمات “كولومبوس” أثناء رحلته الأولى إلى أمريكا. ورغم حالات الهوس المعقدة التي كان الذهب وراءها، إلا أنه بسيط من حيث الجوهر لدرجة تبعث على الدهشة. إن رمزه الكيميائي AU مشتق من كلمة AURORA التي تعني “الفجر المتألق”. ولكن رغم الروعة التي يوحي بها هذا الرمز، يبقي الذهب عنصرًا خاملاً كيمائيًّا مما يفسر سر تألقه.
وبعكس أي عنصر آخر على سطح الأرض، لا يزال القسم الأعظم من الذهب الذي تم تعدينه، متواجدًا حاليًّا، ونرى الكثير منه في المتاحف يزخرف التماثيل القديمة وأثاث تلك التماثيل، أو معروضًا بشكل قطع نقدية، كما نرى بعضه على صفحات المخطوطات المزينة بالرسوم، وبعضه الآخر بشكل سبائك برّاقة مخبأة في الأقبية المعتمة للمصارف المركزية.. كما نرى الكثير منه على الأصابع والآذان وفي الأسنان.. وهناك البقية الباقية التي ترقد بهدوء داخل حطام السفن في أعماق البحار.
فمقاومة الذهب العنيدة للتأكسد، وكثافته غير العادية والطواعية للطرق، هذه الخاصيات الطبيعية هي التي تفسر الصبغة الرومانسية للذهب، حتى كلمة Gold بحد ذاتها لا تتضمن ما يثير الخيال فهي مشتقة من كلمة إنجليزية قديمة Geol وتعني أصفر.
إن دوافع الجشع والخوف ومشاعر التوق إلى القوة وإلى الجمال، التي حرّكت القصص التي تلت تلك الدوافع والمشاعر، ما تزال حيَّة وفعالة في اللحظة الراهنة. وبالتالي يمكن القول بأن قصة الذهب هي قصة عصرنا الحالي بقدر ما هي حكاية من حكايا الماضي. فَمِن المَلِك المسكين “ميداس” الذي دمّره حب الذهب إلى “علي خان” الذي كان يوزع سنويًّا مقدار وزنه ذهبًا، مِن المناجم الرطبة في جنوب أفريقيا إلى الأقبية فائقة النظافة في “فورت نوكس”، من الأعمال الفنية البديعة لشعب سكايثيا إلى معابد قبائل الأنكا، ومن الأسواق الشعبية في البنغال إلى الأسواق المالية في مدينة لندن.. يعكس الذهب سعي البشر وراء الحياة الخالدة ووراء اليقين المطلق والنجاة من الخطر.
إن الفكرة الرئيسية في الحكاية بأكملها، هي تلك المفارقة الساخرة في أنه لا يمكن للذهب تحقيق هدف ذلك السعي، فالناس مثلهم مثل مسافر “راسكين” الذي قفز من السفينة، يأخذون رمز الذهب على محمل الجد إلى حد كبير ويقومون، وقد أعماهم بريقه بالتخلي عن أنفسهم في سبيل وهم.
علاقة الإنسان القديم بالذهب
شهدت علاقة الإنسان بهذا المعدن النفيس تحولات درامية خلال مسيرة الحضارة البشرية، لكن أولى عرى هذه العلاقة توطدت في المجتمعات القديمة على أسس غير مادية، إذ كان الذهب رمزًا للحياة الأبدية؛ لما يتميز به من خصائص فريدة لعل من أهمها ديمومته وقدرته على الصمود في وجه الزمن. وفي عصر ما قبل التأريخ كان الذهب يُدفن تحت الأرض نذورًا للآلهة، ويلقى في الأنهار والبحيرات المقدسة طلبًا للبركة والقبول.. كما أدى دورًا كبيرًا في الطقوس والشعائر من دون أن تصبح قيمته محلاًّ للتبادل التجاري. لقد جسّد الذهب لحظة الوداع الأخير، فكان يصاحب الموتى عونًا لهم في طلب الخلود. وربما فُسّر ثبات حالته بمقاومة الروح البشرية للموت، كما استُخدم -ولا يزال- رمزا للثروة والرخاء والمكانة الاجتماعية الرفيعة.
بالتوازي مع تطور الفكر الإنساني وتقدم المجتمعات والاقتصادات، نشأت الحاجة إلى تنظيم التبادل التجاري باستخدام وسيط يحمل في مادته قيمة حقيقية، إذ كانت النقود تُضرب من معادن رديئة لا تنطوي على أي قيمة ذاتية، أو تصنع من مواد أخرى كالحجارة والجلود والملح، وغيرها. فظهرت أولى قطع النقد الذهبي في “ليديا” غرب تركيا الحالية نحو عام 650 قبل الميلاد، وقد صنعت تلك القطع من خليط الذهب والفضة الذي يعرف بالإلكتروم. وبدأت دول العالم القديم تؤسس أنظمتها المالية على معدن الذهب الذي ضمن لها استقرار قيمة عملاتها، وساعد على توطيد سلطتها ونفوذها.
وفي المنطقة العربية وشبه الجزيرة العربية انتشر النقد البيزنطي إلى جانب النقد الفضي الساساني، ومع امتداد رقعة الدولة الإسلامية، بدأت مرحلة الانتقال إلى النقد العربي الصرف في عهد الخلافة الأموية. ولم تعرف الدول الإسلامية المتعاقبة، ولم تعترف بنقد غير النقدين، الذهب والفضة. وظل نظام المعدن الثنائي قائمًا مع تعاقب الدول الإسلامية حتى انهيار الخلافة العثمانية في مطلع القرن العشرين.
فورة الذهب الأولى
في القرن الثالث عشر تأسس نظام نقدي في أوروبا محوره الذهب، كانت الثروة حينها تقاس بما تملكه الدول من الذهب والفضة. كانت الدول متعطشة إلى الذهب، وكانت دُور سك العملة في أوروبا تغلق أبوابها. لقد أذكى هذا التعطش فورة الذهب الأولى كانت مغامرة وحشية وفتاكة وعنيفة وإجرامية ابتلعت حضارة بكاملها، وتقيأتها في صورة مسكوكات نقدية.
ففي القرن السادس عشر غزت إسبانيا حضارة الأنكا في العالم الجديد، بحثًا عن الذهب والفضة لرفد الاقتصاد الإسباني. وانتصر الجشع وهيمنت الوحشية، وتلاشى نتاج آلاف السنين من الأعمال الفنية في أفران الصهر، وتحولت حضارة برمتها إلى نقد.
مرحلة معيار الذهب
وفي القرن التاسع عشر اندلعت أحداث ما يعرف بفورة الذهب في كاليفورنيا، وبعد هذه الفورة بخمسة عشر عامًا، بدأت ارهاصات تشكل نظام نقدي جديد عُرف بقاعدة الذهب أو معيار الذهب أولى مراحل تبدُّل دور الذهب داخل النظام النقدي، التي ستعقبها مرحلة قاعدة الصرف بالذهب، ثم مرحلة هيمنة الدولار وإزاحة الذهب عن عرشه النقدي.
ولكن مع اندلاع الحرب العالمية الأولى، اضطرت الدول إلى التخلي عن العمل بمعيار الذهب في عام 1914 للميلاد، بسبب حاجة الحكومات الملحة إلى التوسع في إصدار الأوراق النقدية من دون التقيد بكميات الذهب المقابلة، وذلك لتمويل الحرب. وساءت الأحوال الاقتصادية بعد الحرب، ووجهت أصابع الاتهام إلى معيار الذهب.
وتدخل الرئيس الأمريكي “فرانكلين روزفلت” لتأميم الذهب وحظر تداوله بين الأفراد ومؤسسات القطاع الخاص، وأبطل العقود التي حددت مدفوعاتها بالذهب. وبعد الحرب العالمية الثانية، بدأت مرحلة جديدة عرفت بنظام “بريتون وودز” (1946)، ثُبتت من خلاله أسعار صرف العديد من عملات دول العالم بالدولار، وثبت تحويل الدولار إلى ذهب عند مبلغ 35 دولار للأونصة. واستمر العمل بهذا النظام إلى العام 1971 للميلاد، حيث كانت الولايات المتحدة تتكبد مصروفات هائلة على حرب فيتنام. ووقعت صدمة نيكسون، وألغى تحويل الدولار إلى ذهب، وخرج الذهب من دائرة النظام النقدي، وبدأ عهد العملات القانونية غير السلعية، التي اعتبرت طباعتها حقًّا سياديًّا للدولة، ولها أن تصدرها وفق الحاجة من التوسع المفرط خشية ارتفاع مستويات التضخم في الاقتصاد.
فورة الذهب الصينية
في السنوات التي أعقبت صدمة نيكسون، بدأت الضغوط تتصاعد على الدولار الأمريكي، وتذبذبت قيمته، وتشكلت بوادر فورة ذهب جديدة، لكن هذه المرة في قلب القارة الآسيوية، عرفت باسم ثورة الذهب الصفراء نسبة إلى الصين.
تلخص قصة إنتاج الذهب الصيني، حكاية تحول الصين الأيدلوجي والاقتصادي؛ كانت الصين في حاجة ماسة إلى العملات الأجنبية لتمويل مشترياتها من الأسواق الخارجية، وإلى أصل يوفر لها سبل التحوط من تذبذبات أسعار العملات، فلجأت إلى الذهب لتحقيق هذه الغايات. لكن كان على الصين أولاً، أن تطوع عداء الأيديولوجيا الشيوعية المتأصل لهذه المادة الذهب التي تعتبر الأساس للثروة الشخصية. لقد تغيرت الآمال والأحوال المادية بفعل التحولات التي طرأت على الدولة الصينية، والتي أدت إلى تغير موقفها من التنقيب عن الذهب.
وبعيدًا عن نظرة الشك إلى الذهب، باعتباره رمزًا للثروة الخاصة التي تهدد القيم الشيوعية المثلى، وصلت الصين إلى اقتناعات، تعكسها احتياطياتها المتنامية من سبائك الذهب مفادها أن الذهب ربما يكون أداة تحوط نافعة في عالم الدولار المتقلقل. وبعد أن فتحت الصين باب التنقيب على مصراعيه للشركات الصينية وللصينين أيضًا، تبدلت أحوالها وارتفع انتاجها من الذهب بصورة ملحوظه، واستطاعت إزاحة جنوب أفريقيا عن عرش أكثر دول العالم انتاجًا للذهب في العام 2007 للميلاد.
بدأت مرحلة جديدة من المسيرة التاريخية للذهب، لكن التطور السريع الذي شهدته الأسواق المالية خلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات، أدى إلى تراجع الذهب لعدة سنوات فقط، ثم عاد إلى الواجهة مرة أخرى إثر وقوع الأزمات المالية.. فكان ملاذًا أخيرًا لأصحاب الاستثمارات ورؤوس الأموال وللحكومات والمؤسسات المالية. وفي مطلع عام 2008 للميلاد حطم سعر الذهب أرقامًا قياسية، عكس تجاوز الطلب للعرض، وبات مصدر الطلب الاستثماري عاملاً مهمًّا جدًّا في صيرورة هذا السعر. وكما كان الذهب في المجتمعات القديمة ملاذًا معنويًّا للناس، فقد أصبح الذهب هذه المرة ملاذًا ماديًّا للبشر في زمن الأزمات الاقتصادية.
على مدى قرون ظل الذهب يحرك العواطف نحو السطوة والمجد، نحو الجمال، نحو الأمان، وحتى نحو تمني الخلود.. ظل الذهب وسيلة للتباهي، وعامل ضبط فعال كمعيار نقدي، وما من مادة أخرى فرضت هذا القدر من التبجيل طوال تلك المدة من الزمن. إن أكثر ما يلفت النظر في هذا التأريخ الطويل، هو أن الذهب قد جر معظم الذين كانوا يدافعون عنه خلال مسيرته إلى الهاوية مرة بعد أخرى، بدا الأشخاص أشبه بمسافر “راسكين” الذي غرق متشبثًا بذهبه، واكتشف بعد فوات الأوان، أن الذهب كان يملكه لا العكس.

(*) كاتب متخصص في علوم البحار والبيئة / اليمن.
المرجع
(1) الذهب التنافس على أكثر معادن العالم إغراءً، تأليف: ماثيو هارث، ترجمة: محمد باكير، سلسلة عالم المعرفة، نوفمبر 2018، ع466.
(2) The Power of Gold, by Peter. Bernstein, 2000,John Wiley.