يقول لك وقد برقت عيناه، وانتفخ صدره، ومال برقبته، وغلظ صوته، وشعر من نفسه بشيء من الرجولة والنخوة والشهامة:

– أنا لا أتزوج امرأة عاملة.

فتقول له:

– إن الرسول صلى الله عليه وسلم تزوج امرأة عاملة.

تضيف:

– ليست عاملة فحسب، بل أكبر تاجرة عرفتها مكة؛ خديجة رضي الله عنها.

يترنح يمينًا وشمالاً وتدور عيناه في رأسه باحثًا عن مخرج مناسب يتلاءم ومكانة النبي صلى الله عليه وسلم. تقول له:

– ليس ذلك وحسب، بل كان يعمل عندها في مالها.

تزيد حيرته واندهاشه وكأنه يسمع ذلك لأول مرة في حياته، وما من مسلم إلا ودرس ذلك في السيرة النبوية أو سمعه أو قرأه. ثم يكاد يجن جنونه عندما تقول له إن تلك المرأة العاملة كانت أحب النساء إلى قلبه حتى قال فيها: “رزقت حبها”، وحتى قال لها: “حبي لك كعقدة في حبل”. وكان يذكر فضلها عند نسائه حتى يَغرن منها، وظل وفيًّا لها ولم يتزوج عليها حتى توفِّيتْ، وهي التي أنجبت له كل أولاده عدا إبراهيم.

هل أنت أفضل من النبي صلى الله عليه وسلم، أو أكثر رجولة منه، أو أشد غيرة؟

ثم لا يجد ما يجيب به إلا أن يقول لك إن ذلك من خصوصيات النبي صلى الله عليه وسلم، ونحن لا يمكن أن نصل إلى مرتبته ومكانته.

يحوّل الحديث ويقول:

– إن الأصل أن تجلس المرأة في بيتها.

وكأنه قد ساق أصلاً من أصول العقيدة أو الشريعة تضافرت الأدلة وتواترت على ثبوته وقطعيته. وعندما تسأله عن الدليل يفتح فاه بآية تأبى إلا الخروج لدعم معنى لم ترد أصلاً له (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ)، فتقول له:

– إن الرسول صلى الله عليه وسلم جعل “رفيدة” رضي الله عنها على خيمة في مسجده، لمعالجة الجرحى ولم يقل لها “وقرن في بيوتكن”، فيدخلك في دوامة من الافتراضات: ربما فعل ذلك قبل أن تنزل الآية، ربما لم يجد طبيبًا ذكرًا.

ثم يحوّل الحديث مرة أخرى إلى ما هو اجتماعي فيقول تلك المقولة التقليدية التي أكل عليها الدهر وشرب:

– إن خروج المرأة للعمل وإهمالها لأبنائها وأسرتها هو سبب فساد المجتمع وانحراف الشباب.

فيربط كل آفات المجتمع ومشاكله بخروج المرأة للعمل. تقول له:

– لو نظرت إلى محيطك وواقعك، ستجد أن كثيرًا من المجرمين والمنحرفين والمنحلين ينحدرون من أُسرٍ نساؤها ربات بيوت، وستجد أن كثيرًا من المتفوقين والمتميزين والمصلحين ينحدرون من أُسرٍ نساؤها عاملات.

يقر بالأمر ويقول:

– ولكننا نبحث عن ربات البيوت بصفات معينة.

تقول:

– أنت الآن لا تقارن بين ربة بيت وعاملة، بل تقارن بين صفات يجب أن تتوفر في المرأة، وهذه الصفات قد توجد في ربة البيت وقد توجد في المرأة العاملة.

وتستطرد:

– لو رزقك الله ابنة، وكانت مجدّة في دراستها، متفوقة على قريناتها، لا شك سوف تدعمها وتشجعها وتحفزها على مواصلة دراستها، وقد تتخرج هذه الفتاة طبيبة أو مهندسة سوف تكون مسرورًا وفخورًا بابنتك.. وإذا تقدم لخطبتها رجل كفؤ ومتدين وهو كذلك من الذين يقولون “أنا لا أتزوج امرأة عاملة”، واشترط عليك أن توقف ابنتك دراستها أو تتخلى عن وظيفتها أو مهنتها، هل ستقبل الأمر وتوافق على الشرط؟

يصمت.. وتجيب أنت بدلاً عنه: “لن تقبل ولن توافق أبدًا، بل ربما طردته”.

هل أنت متأكد، لقد تزوجت ربة بيت، ألا ترضى أن تكون ابنتك ربة بيت، تزوج ابنتك وهي عاملة وترفض أن تتزوج بعاملة، توافق على عمل ابنتك وترفض عمل المرأة؟!

يقول ربنا تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (النحل:97).

والعمل الصالح لا يقتصر على العبادات فقط، بل يشمل كافة مناحي الحياة اليومية للإنسان، بل هو أشد ارتباطًا بالحياة اليومية منه بالعبادات؛ لأن الذي يأتي العبادات فهو لا يأتي إلا عملاً صالحًا محضًا، أما الحياة اليومية فهي التي يختلط فيها العمل الصالح بغيره. وقد ذكر سبحانه الذكر والأنثى تأكيدًا منه على أن ذلك من شأنهما معًا.

(*) كاتب وباحث مغربي.

 

Leave a Reply

Your email address will not be published.