تعرض العالم الإسلامي في القرن التاسع عشر إلى أزمات متعددة، ومن أخطرها الأزمة الفكرية والتربوية التي استهدفت المقومات الأساسية للأمة الإسلامية. فحين تعرضت الدولة العثمانية للهجمة الغربية كانت تلك نقطة البداية في قطع أواصر الأمة بحضارتها وثقافتها وتراثها، وكانت بداية لمرحلة جديدة، اكتسب من خلالها المجتمع المسلم القابلية لاستقطاب التقنية والمنظومة التربوية الغربية التي أقنعت الكثير من الكتاب والمفكرين بأهميتها، من أجل التقدم الذي ينبغي الاحتذاء به. وقد كانت كتابات المفكرين الغربيين في أغلبها تُنقص من شأن العرب والمسلمين، كما فعل رينان (ت 1892م) الذي اعتبر العقل العربي عاجزًا عن إنتاج المعرفة وإقامة الحضارة والتقدم. وفعلاً قد أثرت هذه الأفكار في الكثير من أبناء الأمة العربية والإسلامية إلى يومنا هذا. ومهما يكن فإن ضغط العلوم والتكنولوجيا الحديثة على الإسلام ما زال قويًّا، خصوصًا ونحن في حالة الضعف الفكري والحضاري بسبب تعلقنا بالمنظومة الغربية والتقليل من أهمية المنظومة الإسلامية، على الرغم من أن هذا الفضاء ذاته قد شهد تقدمًا علميًّا كبيرًا أثناء العصر الذهبي للحضارة الإسلامية. والقرآن الكريم يحث على التفكير والتدبر في الكون في أكثر من 700 موضع في كتاب الله تعالى، وأن أول ما نزل منه هو كلمة “اقرأ” التي تؤسس للبحث العلمي وتصنيف العلوم.

تصنيف العلوم فيه ثوابت وفيه متغيرات، فالمتغير يتأثر بالنظرة العلمية وبالعصر، والثابت يتأثر بعقيدة المجتمع، ولا يكون لهذا التصنيف دور فعّال في الحضارة إلا إذا انطلق من عقيدة التوحيد.

الأساس العقدي لتصنيف العلوم

الأساس العقدي لتصنيف العلوم ينبثق أصلاً من مقاصد القرآن، المتمثلة في ترسيخ مبادئ الإيمان والتوحيد، باعتباره المحور الأساس الذي تدور حوله جميع العلوم والمعارف، حيث تتكامل وتشكل لنا وحدة معرفية واحدة تصب في الغاية القصوى من وجود الإنسان؛ وهي توحيد الله تعالى، وعبادته، والقيام بالخلافة كما أرادها الله تعالى للإنسان باعتباره خليفة الله في الأرض، قال تعالى لداود عليه السلام: (يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ)(ص:26).
وتلقي المعرفة المتكاملة يكون من مصادرها، فلكل معرفة مصادرها التي تؤخذ منها، فنجد القرآن يرشد إلى المصادر حال الاستفسار: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)(النحل:43).
وأهل الذِّكر هم أهل التخصص في أي جانب من جوانب المعرفة.
وتصنيف العلوم فيه ثوابت وفيه متغيرات، فالمتغير يتأثر بالنظرة العلمية وبالعصر، والثابت يتأثر بعقيدة المجتمع، ولا يكون لهذا التصنيف دور فعّال في الحضارة إلا إذا انطلق من عقيدة التوحيد التي هي المبدأ الأساس الذي ينبثق منه النظام في الكون والإنسان والحياة، ويمد الإنسان بفهم الذات.
والإصلاح الحقيقي يتمثل في تفعيل دور العقيدة والإيمان في جميع العلوم والمعارف التي تدرس في جامعاتنا سواء العلمية منها أو الأدبية في تناسق وانسجام وتكامل، وهذا ما يعترف به “ألكسيس كاريل” بقوله: “إن العقل وحده لا يستطيع إيجاد العلم، ولكنه عامل لا مفر منه في الابتداع. والعلم بدوره يقوي العقل.. فقد جلب للإنسانية موقفًا عقليًّا جديدًا، علاوة على الوصول إلى الحقيقة بواسطة الملاحظة والتجريب والتفكير المنطقي. فالحقيقة المستمدة من العلم، تختلف اختلافًا تامًّا عن تلك المستمدة من الإيمان. فالأخيرة أكثر عمقًا ولا يمكن التشكيك فيها بالمجادلات.. ولقد كان يطلق على هذه الظاهرة اسم “الإلهام” أو “الوحي” في الأزمنة السابقة”(1). فـ”كاريل” يعترف بدور الإيمان في معرفة الحقيقة، ويصرح بصدق الحقيقة المستمدة من الإيمان التي لا تحتمل الخطأ.

القرآن وتصنيف العلوم

إن الرؤية الإسلامية الكونية هي رؤية تعبر عن الفطرة الإنسانية السوية، وترشدها، وبها تتحقق الذات والفطرة الإنسانية السوية كما خلقها الله وأبدعها، ولا مجال فيها للتعارض بين الوحي والفطرة، ولا أحرص على فهم هذه الفطرة وتفعيلها وترشيدها من الإسلام(2)، والآيات التي فيها إشارات طبّية -مثلاً- كثيرة نذكر بعضها في هذا الجدول:
الطب النفسي: (وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ)(البقرة:45).
علم الأجنة: (اللهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ)(الرعد:8).
طب النساء والتوليد: (وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ)(لقمان:14).
طب العيون: (ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ)(الملك:4).
علم الوراثة: (يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ ذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمْ)(الزمر:6).
أمراض جلدية: (اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ)(الزمر:23).
الجراحة: (سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ)(النساء:56).
طب الأطفال: (وَنُقِرُّ فِي الأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ)(الحج:5).
علم التشريح والطب الشرعي: (فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً)(يونس:92)، (وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي)(طه:27).
ولذلك فالجانب الأكاديمي في الجامعات، يجب أن يبنى على أساس التزام العلم بالكليات الإسلامية، والمنهجية العلمية والتجريبية، ومن خلال الأساليب الإبداعية التي تؤدي إلى تكامل المعرفة الإسلامية من الوحي والعقل والواقع، وتنتهي باستعادة الرؤية الإسلامية، وتنقية الثقافة، وتصحيح أساليب التربية، والتكامل المعرفي والمنهجي في بناء الإنسان المسلم.
فتصنيف العلوم من منظور مقاصد القرآن الكريم المتمثلة في التكامل المعرفي بين علوم الوحي وعلوم العقل، أمسى ضروريًّا في عصرنا، حيث طغت أفكار على عقول الباحثين والدارسين بأن تاريخ المعرفة عند المسلمين كان خليًا من هذه العلوم، كما أن لتصنيف العلوم أثرًا إيجابيًّا في التعليم والتنمية العلمية، وذلك بإحصاء العلوم والتأريخ لها، وليست الغاية من تصنيف العلوم هو مجرد إحصائها وترتيبها كما هو متبادر إلى الذهن، بل الغاية تتمثل أيضًا في اتخاذ من وصف ما كان من واقع العلوم، بناء لما ينبغي أن يكون في توجيهات العقل إلى المعرفة على المستوى الإبداعي والاستكشاف، بحسب ما يقتضيه تقدم الحياة الإنسانية، وما تمليه حاجة الأمة ومصلحتها. ولقد اختلف العلماء في المنهج الذي ينبغي سلوكه أثناء عملية تصنيف العلوم وترتيبها، اختلافًا ناتجًا عن النظرة إلى العلوم ذاتها؛ فمن يرى أن العلوم تتفاضل فيما بينها قام بترتيبها ترتيبًا حسب الأشرفية والأفضلية، وأما من يرى أن العلوم منها النافع ومنها الضار، فيقوم بترتيبها حسب هذا المنظور في التفرقة بين العلوم النافعة والضارة كما ذهب إلى ذلك ابن حزم، وعند الغزالي في “الإحياء”، يجعل العقل والنقل هما المعيارين في التصنيف. أما ابن سينا فيعتمد على ثنائية العلم العملي والعلم النظري ذات الأصول اليونانية، على قدر ما نجده يختلف مع هذا التصنيف في أحيان أخرى، وهذا ما ثبت في مؤلفه “منطق المشرقين”؛ إذ يصنف العلوم في واحدة تجري أحكامها الدهر كله، وأخرى متساوية النسب في جميع أجزاء الدهر وهذه العلوم أولى بأن تسمى “حكمة”.
وابن خلدون يصنف العلوم إلى ما يمكن تحصيله بالوحي، وما يمكن تحصيله بالعقل فيقول: “اعلم أن العلوم التي يخوض فيها البشر ويتداولونها في الأمصار تحصيلاً وتعليمًا، هي على صنفين: صنف طبيعي للإنسان يهتدي إليه بفكره، وصنف نقلي يأخذه عمن وضعه. والأول هي العلوم الحكمية الفلسفية وهي التي يمكن أن يقف عليها الإنسان بطبيعة فكره، ويهتدي بمداركه البشرية إلى موضوعاتها ومسائلها وأنحاء براهينها ووجوه تعليمها، حتى يقفه نظره ويحثه على الصواب من الخطأ فيها، من حيث هو إنسان ذو فكر.
والثاني هي العلوم النقلية الوضعية، وهي كلها مستندة إلى الخبر عن الواضع الشرعي، ولا مجال فيها للعقل إلا في إلحاق الفروع من مسائلها بالأصول، لأن الجزئيات الحادثة المتعاقبة لا تندرج تحت النقل الكلي بمجرد وضعه فتحتاج إلى الإلحاق بوجه قياسي”(3).
وما نريده من التصنيف من منظور التكامل المعرفي، هو محاولة التقريب بين العلوم الإسلامية والعلوم الغربية للتداول الإسلامي، والافادة منها في تطوير العلوم والدراسات الإسلامية، وفي الوقت نفسه تجب القراءة الفاحصة لكل العلوم الوافدة، ومرجعتها والتنبيه إلى خطورة ما ورد فيها من قوالِب لا تُناسب أهل الإسلام. فالنقد الأساسي الذي يوجه للعلوم التربوية والنفسية والاجتماعية أنها نشأت في بيئات لا دين لها، جعلت الإلحاد منهجية ينطلق منها. وهذا يلزم الأمة بناء حصانتها العلمية من مصادرها، وتصفيتها، فتأخذ ما ينفعها ويناسبها وترد ما ليس منها. فالمنهجية العلمية الواعية تلتقط الصواب من كل أحد، ما دام خيرًا لا يصادم ما هي عليه، بغض النظر عن صفات قائله وخصائص مصدره، ويجب التمييز بين الغزو الثقافي والتبادل المعرفي.
والبحث في تاريخ وأحوال الأمم؛ من عمران، وأساليب العيش، وتزكية الأخلاق، كلُّها وردت في القرآن، في أحد محاوره الهامة وهي القَصَص: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لأُولِي الأَلْبَابِ)(يوسف:111).
ويمكن استنتاج تصنيف العلوم بالمنظور التكاملي في القرآن، من خلال نظرة شمولية للقرآن الكريم، حيث نجد أن العلوم تدور في الغالب على محاور ثلاثة كبرى هي:

إن الرؤية الإسلامية الكونية هي رؤية تعبر عن الفطرة الإنسانية السوية، وترشدها، وبها تتحقق الذات والفطرة الإنسانية السوية كما خلقها الله وأبدعها، ولا مجال فيها للتعارض بين الوحي والفطرة

1- علوم الألوهية: وهي كل ما يتعلق بتوحيد الله تعالى، وما يتعلق بها من قضايا العبادة.
2- علوم الكون: وهــــــي ما يتعـــــــــلق بقضايا الكون، وما أودع الله فيه من الأسرار والقوانين.
3- علوم الإنسان: وهي ما يتعلق بأحوال الإنسان وعلاقته بالخالق، والعلاقات الفردية والاجتماعية.
وكل قسم من هذه الأقسام تتعلق به علوم متخصصة:
فالقسم الأول: تتعلق به علوم الشريعة على اختلاف تخصصاتها، على أن يكون بين المسلمين من هذه العلوم قدر مشترك لا يعذر أحد بجهله، ثم يكون ما بقي ميدان اجتهاد ومنافسة بين أهل العلم فيه.
والقسم الثاني: يتعلق بكل العلوم الطبيعية على اختلاف تخصصاتها.
القسم الثالث: يتعلق بالعلوم الإنسانية على اختلاف تخصصاتها.
وفي الوقت نفسه، هناك تكامل وانسجام وتوافق بين هذه الأقسام الثلاث، بحيث تتكامل لبناء حضارة الإنسان. فالمتخصصون في هذه العلوم كلها حين يريدون بها وجه الله تعالى، تكون لهم ضربًا من العبادة، وهو ما يدعو المسلم إلى الإبداع حين يشعر في قرارة نفسه أنه يمارس هذه الفنون وهو مأجور عند ربه.
وهذه الصورة هي التي تعطي شمولية للعلم في القرآن الكريم، فلا مادية ملحدة ولا لاهوتية رهبانية مغالية في المثالية. فالتوازن من خصال التوسط والوسطية في القرآن، فمدلول العبادة واسع في الإسلام، و”يشمل ثلاثة مظاهر: مظهر شعائري، ومظهر اجتماعي، ومظهر كوني.
• أما المظهر الشعائري، فهو يتمثل في شعائر وممارسات ترمز إلى أشكال الحب والطاعة التي يعبد بها الإنسان الخالق.
• وأما المظهر الاجتماعي، فموضوعه الثقافة والقيم والعادات والتقاليد، والقوانين والنظم.
• وأما المظهر الكوني للعبادة، فموضوعه العلوم الطبيعية التي توفر للعالم المسلم دخول مختبر الآفاق، وإبراز معجزات العصر وبراهينه، وتوفير الشواهد التي تكشف عن عظيم صنع الله وقدرته، وتقنع المتعلم الجديد والأجيال الجديدة بوجوب محبة الخالق محبة كاملة، وطاعته طاعة كاملة.
فهذا التصنيف الهيكلي للعلوم الغرض منه هو تنظيم المعارف وتحقيق الأهداف التعليمية والتربوية، كما يحقق المعرفة بالحقائق العلمية ذاتها، فله أيضًا بعدًا تربويًّا يتمثل في تسهيل عمليات التعليم وتحقيق التعلم. وهذا المخطط الذي نقترحه لتصنيف العلوم من منظور التكامل المعرفي، يصب في النهاية في مقصدين اثنين هما غاية وجود الإنسان، وهما توحيد الله عز وجل وعبادته، وبناء الحضارة الإنسانية.

(*) باحث في الدراسات الإسلامية والإعجاز / الجزائر.
الهوامش
(1) الإنسان ذلك المجهول، ألكسيس كاريل، ترجمة: شفيق أسعد، مكتبة المعارف، بيروت 2003، ط1، ص:134.
(2) الرؤية الكونية الحضارية القرآنية، أبو سليمان، دار السلام، القاهرة 2009، ط1، ص:200.
(3) المقدمة، ابن خلدون، دار الكتاب العربي، بيروت 2005، ص:403.

Related Posts

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.