لا يخفى على أحد ما للمثال من أثر في توضيح المقال و إخراج الألفاظ الخفية إلى الجلية، و تقريبها إلى الأذهان في صورة قريبة تزيد المعاني وضوحًا ودقة ورسوخًا، وتزداد أهمية هذا الأسلوب في مجال التربية والعليم إذ كلما كان المدرس مُلمًا بتخصصه قادرًا على تبسيط مادته المدرسة مستحضرًا الأمثلة المناسبة بين الفينة والأخرى كلما كان الدرس ناجحًا ومفيدًا، وكلما كان المثال واضحًا ومستمدًا من بيئة المتعلم وواقعه المعاش كلما كان أنسب وكانت نسبة الفهم أكبر، والعكس صحيح إذ كلما كان الدرس مجردًا من الأمثلة الموضحة للمعاني أو فيه أمثلة منتقاة من بيئة بعيدة عن واقع المتعلم كلما كان الدرس جافًا ومملاً ولربما كان غير مفهوم أصلاً، ولنا في معلم البشرية ومنقذها من الضلال ومخرجها من غيابات الجهل والأوحال صلى الله عليه وسلم خير مثال لمن وظف الأمثال في تعليم الصحابة الكرام.

فقد كان صلى الله عليه وسلم يكثر من توظيفها منتقيا إياها بدقة وعناية لدرجة تُزيل اللبس عن الأذهان وتُطوّع النفوس لتُقبل على شرع ربها دون ريب أو إبهام في محاولة منه صلى الله عليه وسلم للربط بين أمرين أحدهما غائب عن ذهن المتلقي، والآخر محسوس متخيل في ذهنه، ليحصل تقريب ما غيب عن الذهن من المعاني بصورة بلاغية موجزة تنفذ إلى أعماق النفس، مخترقة للعواطف والوجدان، تمامًا كما حصل مع ذاك الأعرابي الذي ولد له غلام أسود فجاء الرسولَ صلى الله عليه وسلم محتجًا ومستنكرًا ونافيًّا ابنه عنه ومُضمرًا اتهام زوجته بالزنا مستبعدا أن يكون هذا الغلام من نسله لا لشيء إلا لاختلاف لون بشرته، فأقعده النبي صلى الله عليه وسلم وحدثه بهدوء تام محاولا توضيح الأمر له باستحضار مثال من بيئته البدوية قائلا صلى الله عليه وسلم : هل لك من إبل ؟ قال : نعم . قال : فما ألوانها ؟ قال : حمر. قال : هل فيها من أورق ؟ قال : إن فيها لورقا قال: فأنى أتاها ذلك . قال : عسى أن يكون نزعه عرق . قال : وهذا عسى أن يكون نزعه عرق. فتجلى المعنى للأعرابي وزال اللبس عن ذهنه بعد أن توصل للجواب عن نازلته بنفسه من خلال ربط معرفته ودرايته بكيفية انتقال الصفات والخصائص الوراثية لدى الإبل وقياسها على حالته ليستنتج في الأخير أن بشرة ابنه وإن كانت مخالفة للون بشرته فلربما كان أحد الأجداد أو الجدات القدامى بلون البشرة ذاك فانتهى الإشكال، وزال الإبهام ولم نسمع قط أن ذاك الأعرابي زاد في المُحاججة أو الإنكار أو أنه لم يقتنع بالجواب أو أنه طلق زوجته أو اتهمها بالزنا أو غير ذلك مما يبين وقع المثال على نفس الأعرابي وكيف جلّى له معنى بعيدًا بعبارات موجزة مختصرة وبمثال بسيط منتقى من بيئته التي ترعرع فيها.

كان صلى الله عليه وسلم يكثر من الأمثال منتقيا إياها بدقة وعناية لدرجة تُزيل اللبس عن الأذهان وتُطوّع النفوس لتُقبل على شرع ربها دون ريب أو إبهام في محاولة منه للربط بين أمرين أحدهما غائب عن ذهن المتلقي، والآخر محسوس متخيل في ذهنه

ومثل هذا ما أخرجه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم – يقول :”إنما مثلي ومثل الناس كمثل رجل استوقد ناراً، فلما أضاءت ما حوله جعل الْفَرَاشُ وهذه الدواب التي تقع في النار يَقَعْنَ فيها، يَنْزِعُهُنَّ وَيَغْلِبْنَهُ فَيَقْتَحِمْن فيها، فأنا آخذ بِحُجَزِكُمْ عن النار، وهم يقتحمون فيها”.

قال ابن بطال: مثّل صلى الله عليه وسلم اتباع الشهوات المؤدية إلى النار بوقوع الفراش في النار، لأن الفراش من شأنه اتباع ضوء النار حتى يقع فيها، فكذلك متبع شهوته يؤول به ذلك إلى العذاب، وشبه جهل راكب الشهوات بجهل الفراش، لأنها لا تظن أن النار تحرقها حتى تقتحم فيها.

ومثله أيضا ما رُوي عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إنما مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير، فحامل المسك، إما أن يحذيك (يعطيك)، وإما أن تبتاع منه، وإما أن تجد منه ريحاً طيبة، ونافخ الكير (الحَدَّاد)، إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد منه ريحاً منتنة. وهذه دعوة منه صلى الله عليه وسلم إلى ضرورة حسن اختيار الرفيق والجليس الصالح الذي مثل له بحامل المسك الذي لا محالة ينفع صاحبه بريحه الطيب مع تحذيره من اتخاذ جليس السوء الذين نفّر منه من خلال تشبيهه بنافخ الكير الذي لا محالة يضر برفيقه إما بإحراق ثيابه بشظايا الحديد المتطايرة  وإما بإنتان رائحته.

وغير ذلك من النماذج الشيء الكثير الذي يبين مدى اهتمام النبي صلى الله عليه وسلم بالمثال وحرصه على توظيفه في مواضيع مختلفة إيمانا منه صلى الله عليه وسلم بنجاعته وقدرته على التأثير وترسيخ التعلمات والقيم والمبادئ لدى متعلميه من الصحابة وغيرهم، قال الأصبهاني: لضرب العرب الأمثال واستحضار العلماء النظائر شأن ليس بالخفي في إبراز خفيات الدقائق ورفع الأستار عن الحقائق، تريك المتخيل في صورة المتحقق والمتوهم في معرض المتيقن والغائب كأنه مشاهد، وفي ضرب الأمثال تبكيت للخصم الشديد الخصومة، وقمع لسورة الجامح الأبي؛ فإنه يؤثر في القلوب ما لا يؤثر في وصف الشيء في نفسه؛ ولذلك أكثر الله تعالى في كتابه وفي سائر كتبه الأمثال، وفشت في كلام النبي وكلام الأنبياء والحكماء.

وخلاصة القول: إذا كان ضرب المثل أسلوبًا وظفه الأنبياء والحكماء في الدعوة والتربية والتعليم وأثبت نجاعته في التأثير فمن حكمة المربين والمعلمين في عصرنا الراهن اقتفاء أثر الأنبياء والسير على نهج الحكماء في إغناء درسهم بالمثال لأنه كما يقال بالمثال يتضح المقال.

One Response

Leave a Reply

Your email address will not be published.