يعتبر مفهوم المنهج (Méthode) من أنفس ما اهتدى إليه العقل البشري عبر قرون متتالية من الكدح والمكابدة في المجال المعرفي، وهو عبارة عن آليات متضافرة للكشف عن الحقائق المعرفية في مجالاتها المتعددة والمتنوعة، إذ ينصبغ المنهج دوما بصبغة المجال الذي يُعمَل فيه.
وقد أدى إعمال المنهج إلى بروز مفهوم أدق هو مفهوم المنهجية (Méthodologie)، وهي عبارة عن إطار مرجعي جامع لمجموعة آليات استنطاقية بحثية متواشجة ينتظمها ناظم موحد.
ولم يهتد العقل البشري إلى المنهجية في المجال الكوني إلا بعد أن اكتشف أن الظواهر الكونية موحدة عضويا، انطلاقا من إدراك بنائية الكون ووحدته العضوية. وقد تمت تعدية هذا المفهوم إلى المجالات الاجتماعية والإنسانية من لدن مجموعة من المدارس.
وفي مقابل بنائية الكون، التي أطلق اكتشافُها إمكانَ البحث المنهاجي وفجر كلَّ هذه العطاءات المعرفية والمادية التي نشهدها اليوم، فقد منّ الله سبحانه بأن أقر بين ظهرانينا القرآن ترتيلاً، والترتيل لغة من “الرتل وهو حسن تناسق الشيء. وثغر رتَل ورتِل: حسن التنضيد مستوي النبات، ورتّل الكلامَ: أحسن تأليفه. والرتيلاء: جنس من الهوام” وهي العنكبوت التي تنضد بيتها بشكل شبكي بديع تتفاضى كل مكوناته. غير أننا نجد كثيرا من المفسرين -رغم اتفاق أقوال أئمة اللغة على أن الترتيل مأخوذ من النضد ومن الاتساق ومن التنسيق ومن الانتظام على استقامة- قد قصروه على الجانب الصوتي منه؛ فقالوا هو: “إرسال الكلمة من الفم بسهولة واستقامة”. ولما كان الأمر في القرآن ينصرف بالأصل إلى تدبر المعاني وتفهمها، إذ هو كتاب هداية، فإن قَصْر المعنى على الجانب الصوتي من القرآن رغم الحشد الحاشد من الآثار، كآثار ابن عباس ومجاهد وقتادة، ومن كلام أئمة اللغة، كابن الأعرابي والجوهري وابن منظور وابن عباد وغيرهم مما ينص جميعه على حسن تفهم المعاني وتفهيمها، أقول: رغم كل تلك الآثار والأقوال فقد تم إهمال البعد البنائي/النَّضْدي الاتساقي الذي تتضمنه هذه الكلمة: الأمر الذي يعد تحكما بغير برهان، خصوصا إذا وجدنا في تعريفات بعض القراء كأبي البقاء الكفوي للترتيل، النصَّ الصريح على أنه للتدبر والاستنباط أيضا وذلك في قوله: “وأما الترتيل، فإنه للتدبر والتفكر والاستنباط”.
إن الوحدة العضوية في القرآن المجيد، والتي تشكل أحد أهم وجوه الإعجاز فيه، تفتح المجال أمام القراءة المنهاجية للآيات/البصائر صُعُداً نحو مآلات معرفية لا حصر لها.
ولطالما دندن علماؤنا كالإمام ابن حزم الأندلسي (ت 456هـ)، والإمام عبد القاهر الجرجاني (ت 471هـ)، والإمام أبي بكر بن العربي (ت 543هـ)، والإمام أبي إسحاق الشاطبي (ت 790هـ) وغيرهم حول بنائية القرآن تحت عناوين مختلفة؛ فتارة سموها النظم، وتارة سموها الترتيب، وأخرى سموها الاتساق أو المعمارية أو البنائية مباشرة.
ومن أعظم وأجلى ما كتب حول بنائية القرآن تلك الورقات الوضيئة التي كتبها الدكتور محمد عبد الله دراز في كتابه القيم “النبأ العظيم”، وسوف نجتزئ منها بثلاث فقرات نرى فيها تعبيراً واضحا عن إدراكه العميق لهذه البنائية، محيلين على باقيها ليراجع في موضعه.
يقول رحمه الله: “فلو أنك نظرت إلى هذه النجوم عند تنـزيلها… فرأيتها وقد أُعِدّ لكل نجم منها ساعة نزوله سياجٌ خاص يأوي إليه سابقا أو لاحقا، وحُدد له مكان معين داخل السياج متقدما أو متأخرا، إذن لرأيت من خلال هذا التوزيع الفوري أن هناك خطة تفصيلية شاملة قد رُسمت فيها مواقعُ النجوم كلها من قبل نزولها، بل من قبل أن تخلق أسبابها، وأن هذه الخطة التي رسمت على أدق الحدود والتفاصيل قد أبرمت بآكد العزم والتصميم.. فما من نجم وضع في سورة ما ثم جاوزها إلى غيرها، وما من نجم جعل في مكان ما من السورة آخراً ثم وجد عنه أبد الدهر مصرفا ومحولا…”.
ويقول رحمه الله: “أقبل بنفسك على تدبر هذا النظم لتعرف بأي يد وضع بنيانه، وعلى أي عين صنع نظامه… ولسوف تحسب أن السبع الطوال من سور القرآن قد نزلت كل واحدة منها دفعة، حتى يحدثك التاريخ أنها كلها أو جلها قد نزلت نجوما، أو لتقولن إنها إن كانت بعد تنـزيلها قد جمعت عن تفريق، فلقد كانت في تنـزيلها مفرقة عن جمع، كمثل بنيان كان قائما على قواعده، فلما أريد نقله بصورته إلى غير مكانه قدّرت أبعاده ورقمت لبناته، ثم فرق أنقاضا، فلم تلبث كل لبنة منه أن عرفت مكانها المرقوم، وإذا البنيان قد عاد مرصوصا يشد بعضه بعضا كهيئته أول مرة”.
ثم قال رحمه الله: “ولماذا نقول إن هذه المعاني تنتسق كما تنتسق الحجرات في البنيان؟ لا، بل إنها لتلتحم فيها كما تلتحم الأعضاء في جسم الإنسان، فبين كل قطعة وجارتها رباط موضوعي من أنفسهما، كما يلتقي العظمان عند المفصل، ومن فوقهما تمتد شبكة من الوشائج تحيط بها عن كثب، كما يشتبك العضوان بالشرايين والعروق والأعصاب… كما يأخذ الجسم قواما واحدا ويتعاون بجملته على أداء غرض واحد، مع اختلاف وظائفه العضوية”.

أهمية بنائية القرآن المجيد في المجال المعرفي

إن القرآن المجيد في اتساق وحدته البنائية يحقق للبشرية وحدة معرفية تلملم شتات الإنسان المعرفيَّ، وتوحد بين زوايا إدراكه، بما يشبه إكسابه جهاز تنسيق معرفي يُمَكِّنه من الخروج من التفرع الإدراكي ومرحلة الشركاء المتشاكسين، إلى صيرورته سلماً لله رب العالمين، فيطفق في السير سوياً على صراط مستقيم. وقد تنبهت د. منى أبو الفضل -رحمها الله- بلوذعية إلى هذه الحقيقة فقالت في معرض حديثها عن حيوية الخطاب القرآني:
“إن هذه الحيوية إنما ترجع في جانب منها إلى الإعجاز البياني في الأسلوب القرآني في الخطاب؛ والذي يجمع بين خطاب النفس الإنسانية في أبعادها الفطرية والوجدانية وخطاب العقل في أبعاده المنطقية والبرهانية. ومناطُ الإعجاز هنا هو في تجاوزه للقوانين النفسية التي بمقتضاها نرى العقل والعاطفة لا يعملان إلا بالتبادل، وبنسب عكسية نحو تضافر وائتلاف بينهما… والدلالة العملية لذلك في مجال بحثنا، هي أن الأصول المنهجية للتعامل مع مصادر التنظير الإسلامي لابد أن تعتبر بهذا المعنى في أسلوب البيان القرآني. فإذا كان هناك موضع للتمييز بين تنوع جوانب ومصادر السلوك الإنساني والسلوكيات في المجتمع، فإن علينا أن نتعامل مع الإنسان في وحدته المتضمنة لأبعاده المتنوعة، وأن تنطلق مناهجنا في التعامل مع الظواهر الاجتماعية من تلك القاعدة التي توفِّر لها أوسعَ قدر من التكامل الممكن وسعة الأفق.
والوجه الآخر لهذه الملاحظة أن علينا أن نتعامل بكثير من التحفظ مع المناهج المتداولة في مجال التخصص، ليس فقط للاعتبار الجوهري الذي يحكم منحاها جميعاً، والذي ينشأ عن المنطلقات الفلسفية المعرفية التي تقوم عليها، مما يتنافى مع الأصول المعرفية الإسلامية، ولكن لأنها لا محالة واقعة بين مثالب الإفراط والتفريط، على النحو الذي من شأنه أن ينعكس في كل من طبيعةِ ونتيجة الدراسات التي ترتكز إليها.
وأول ما نستفيده من التعامل مع أسلوب البيان القرآني، هو ضرورة اتساق الأصول المعرفية ومحتوى الرسالة مع الأصول المنهجية أو طرقِ الاقتراب والتناول لها. بل إننا نرى أنه من شأن تمايز الخطاب القرآني على هذا النحو الذي يؤلف فيه بين المتنافرات، أنْ أوجد نسقا إسلاميا خاصا في المعرفة، قوامه الوحدة والاتساق، وإمكاناتُ التأليف بين المتباينات، وهذا على خلاف النسق السائد في المجال المعرفي المعاصر، والذي هو وليد وميراث التطور التاريخي الخاص بالحضارة الأوروبية في أبعادها الفكرية والروحية والواقعية”.
ولقد سُقت هذا النص بطوله ولم أشأ أن أثلمه بتصرف لما له من بالغ الأهمية في هذا الباب.
إن إدراك هذه الحقائق يضع على عاتق علماء الأمة مهمة تجليةٍ مستأنفةٍ لمعالم النسق المعرفي الإسلامي. ومن الواضح قيام هذا النسق على المنهاجية المؤسَّسة بدورها على إدراك البنائيتين في الكتابين: المنظور (الكون) والمسطور (القرآن المجيد). وفيما يلي بيان لعلاقة العلوم المتصلة بالكتابين بوحدتهما البنائية.

علاقة التسخير بالوحدة البنائية للكون

مفهوم التسخير: قال الزبيدي: “والتسخير: التذليل، وسفن سواخر مواخر من ذلك. وكل ما ذل وانقاد أو تهيأ لك على ما تريد، فقد سخِّر لك. وسخره تسخيراً: ذلّـله وكلفه عملا بلا أجرة… قال الله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَر﴾(إبراهيم:33). وقوله تعالى: ﴿وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ﴾(الأعراف:54). قال الأزهري: جاريات مجاريهن”.
وتسخير الخليقة للإنسان عام، يقول تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾(الجاثية:13).
إن الذي يحول دون الإنسان وتسخير الكون هو التعضية والتفرقة بين مظاهره وعدمُ الاستبصار ببنائيته. فمن خلال الاتساق يتمكن الإنسان من إدراك استمرارية النظام الكوني القائم على قوانين وسنن تؤدي وظيفتَها فيه، وتسري سريانا لا يتخلف ولا يقصر عن مظهر من مظاهره، ما علم منها الإنسان وما لم يعلم، وبالطرائق التي أحاطت بها معرفته أو تلك التي لم تبلغها بعد.
إن الكون نظام هادف نابض بالحياة مفعم بالمعنى، حيث إن كل أجزائه تكوّن “بناء عضويا تتفاعل أجزاؤه وأعضاؤه بطرق لا يزال البشر في بداية الطريق إلى اكتشافها بفضل العلم، لكن في أجزاء محدودة جدا من الطبيعة. أما المسلمون فهم يعلمون أن الخليقة كيان عضوي، وأن كل جزء فيها يخدم غاية ما، حتى ولو كانوا لا يعرفونها. وهذا العلم ثمرة لإيمانهم”.
ورغم أن وحدة الكون البنائية أضحت اليوم مُدرَكا لا يحتاج إلى مزيد برهنة، فإنه من النافع استحضار الآيات من القرآن التي تفيد بنائية الكون وغائيته وملابسته الحكمة لكل مظاهره ودقائقه آيات كثيرة يتعذر حصرها في مثل هذا المقام، منها قوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا * رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا * وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا * وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا * أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا * وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا * مَتَاعًا لَكُمْ وَلأَنْعَامِكُمْ﴾(النازعات:27-33)، قال الزبيدي: “والسَّمْك: السقف، أو هو من أعلى البيت إلى أسفله”.
وتلفت الآيات العديدة التي فيها ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ النظر إلى أن الكون بناء تسري في جنباته الحكمة والقصد والغائية.
قال برهان الدين البقاعي في معرض حديثه عن قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾(إبراهيم:19): “بالأمر الثابت من وضع كل شيء منها في موضعه على ما تدعو إليه الحكمة”.
إن هذه الوحدة البنائية في الكون هي التي مكّنت العقل البشري -بعد اكتشافها- من تأسيس كل العلوم التي يمكن أن نصطلح على تسميتها “علوم التسخير”، ثم تطويرها إلى حد بلورة المنهجية التوحيدية بين التخصصات، والتي أعطت الفكر العلمي الجديد مددا قويا، وفتحت أمامه إمكانات في غاية الكثرة والتنوع والنفع.
علاقة التيسير بالوحدة البنائية للقرآن المجيد
أ-مفهوم التيسير: اليسر بالفتح، ويحرك: اللين والانقياد… ويسره: لاينه. واليسر محركة: السهل اللين الانقياد… واليسر بالضم: السهولة والغنى. واليسر ضد العسر، واستيسر الشيء: تسهّل، ويسره: سهّله… ويسّرت الغنم: كثر نسلها ولبنها.
وقد وردت لفظة التيسير مقترنة بكتاب الله تعالى في ستة مواقع من القرآن المجيد، منها أربعة في سورة القمر بلفظ واحد هو قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾(القمر:17، 22، 32، 40) ومنها قوله تعالى في سورة مريم: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا﴾(مريم:97)، ثم قوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾(الدخان:58). ولفظ التيسير في هذه الآيات جميعها يفيد تسهيل القرآن للذكر من لدن الله الذي يفضي إلى لين وانقياد ذاتي لمن أراد الذكرى.
بـ-العلاقة بين علوم التيسير والوحدة البنائية للقرآن الكريم: في مقابل التسخير للكون إذن، نجد تيسير القرآن، وفي مقابل التفكر في الكون المنتج للمعرفة فيه ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَاْلأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً﴾(آل عمران:191)، نجد التدبر في القرآن المنتج للاهتداء به: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الأَلْبَابِ﴾(ص:29). وكما أن علوم التسخير تنتج عن الوعي ببنائية الكون وخضوعه لسنن قابلة للتعقل والإدراك بمقتضى المواءمة التي بين الكون والإنسان، وأنها علوم تتطور بفعل اتباع المنهجية الآياتية، وتفعيل القدرة على تسمية الأسماء -كما سيأتي بيانه حين الكلام عن المنهجية الآياتية- فإن علوم التيسير تنتج عن الوعي ببنائية القرآن المجيد وتضمنه لسنن قابلة للتعقل والإدراك من لدن الإنسان، بمقتضى المواءمة التي جعلها الله بين الإنسان والقرآن. غير أن علوم التسخير -وللنفع السريع الظاهر الذي ينتج عنها- قد شهدت وتشهد تطورات في غاية الأهمية والسرعة، في حين أن علوم التيسير قد أصابتها صنوف من الانتكاس، بسبب عوامل متعددة، أهمها التقليد وانعدام الرؤية وانقطاع الطريق، بفعل الحضور الجبار الكابت للاجتهادات وللجهود الموسوعية التي بذلها السابقون، إلى درجةِ رواج مقولات محبطة في أمتنا، من مثل: “ليس في الإمكان أبدع مما كان” وغيرها، مما يحتاج إلى استدراك ناجز من لدن مؤسساتنا العلمية والبحثية.
المنهجية الآياتية ثمرةٌ من ثمرات إدراك البنائيتين (بنائية الكون وبنائية القرآن) وبوابةٌ للمعرفة الناجعة الراشدة.
ونقصد بالمنهجية الآياتية المعرفية القائمة على قراءة الآيات والبصائر باسم الذي علم الأسماء، الله الذي خلق.
وقد كان هذا المضمون، هو أول وحي تلقاه سيدنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، وهو قوله تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾(العلق:1-5).
والآيات والبصائر مبثوثة في الكون، كما أنها مكونات القرآن. إن آيات سورة العلق تأمر سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم، ومن خلاله الإنسانَ في كل زمان وفي كل مكان، أن يقوم بضربين من القراءة: قراءة آيات وبصائرِ الخلق: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾، وقراءة في الوحي الذي حفظه الله في السطور وفي الصدور: ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾. فهي قراءة في آيات وبصائرِ الكون بتوجيهٍ وترشيد من آياتِ وبصائر القرآن.
إن الآيات والبصائر في القرآن المجيد تمكّن من إضافة الوجهة إلى قدرات الإنسان التسخيرية، والناجمة أساسا عن تعليم الأسماء الممكّنة من قراءة الآيات والبصائر الكونية كما يتضمن قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاَءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾(البقرة:31-33)، بيد أن الوجهة التي تحررها لنا آيات الكتاب الحكيم، وهي من الضرورة بحيث بدونها لا ينال رشد ولا يُهتدى إلى قبلة.
نعم، إن الآيات والبصائر الكونية، حتى حين تقرأ بدون هداية من آيات القرآن المجيد تُكسب الإنسان الفعالية التسخيرية، ولكنها فعالية قد تكون مردية في غياب الاستبصار بالوجهة؛ يقول تعالى: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمَ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ﴾(العنكبوت:38).
قال الفراء: “كانوا عقلاء ذوي بصائر”، فهم كانوا ذوي بصائر تسخيرية، غير أن عدم استجابتهم لرسلهم -والذين كسائر الرسل جاؤوا لإضافة الوجهة إلى الفاعلية- أدى بهم إلى الهلاك.
إن قراءة الآيات والبصائر الكونية استهداءً بالآيات والبصائر القرآنية في ضوء الإدراك المنهاجي للبنائيتين، تمكّن الإنسان من وجهته فقبلته، وبالتبع من السجود والاقتراب.
وهنا الفيصل بين منظومتين: منظومة الجمع بين الآيات الكونية والقرآنية، ومنظومة التعضية والتفريق بينهما. وهي منظومة لا ترى في كسب الإنسان إلا أداة إنتاج للمال والطعام/للقيمة المضافة، مما يشكّل حالة عدم إبصار مردية، إذ الكون في منظومة أرحم الراحمين عطاء غير مجذوذ، يسخر بالقراءة لآياته وبصائره في نور آياتِ وبصائرِ القرآن المجيد، للتمكن من الوجهة والقبلة فالسجودِ، وليس فقط مجالا لإنتاج القيمة المضافة: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾(الذاريات:56-58).
فالكون إذن في منظومة أرحم الراحمين ليس معملا مقتصرًا على إنتاج “القيمة المضافة” كما تراه منظومة الذين لا يوقنون ، بل هو ابتداء معمل لعبادة الله وحده، ووظيفة كل من فيه هي هذه، سجودا وتسبيحا، وهي وظيفة لا تنفي الوظائف الأخرى بل تؤطرها وتكملها، وحين تُعَطَّل من قِبَل مَن حمَل أمانة القيام بها إراديا، فإنه ترتّبت على ذلك عواقبه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق” ، أي بعد أن تعطل الوظيفة الأصلية للوجود الإنساني في هذا الكون.
إن الإعراض عن الاهتداء بالآيات والبصائر القرآنية في عملية القراءة للآيات والبصائر الكونية، يفضي إلى هلاك لا يصيب المعرضين خاصة، بل يعم معهم مَن يضلونهم بعلم وبغير علم. يقول تعالى: ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ * لاَ جَرَمَ أَنَّ اللهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ * لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلاَ سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾(النحل:22-25). إن العقل العلمي المعاصر يرفض استدماج مفهوم الوحي في بنيته المعرفية، وهو إذ يتسامح مع بعض موضوعاته، فإنه يصمم على رفض منهجيته ووحدته البنائية، وإطاره الغائي، مؤكدا على أن اختصاص الكتب الدينية يجب أن يتوقف عند القناعات الإيمانية، وغيبيات ما وراء الطبيعة… فطالما أن هناك مقولات في الكتب الدينية تتعلق بالغيب، فإنه لا مجال لاتخاذها مصدرا من مصادر العلم، ومن ذلك تعريف المعرفة على أنها “كل معلوم خضع للحس والتجربة”.
إن القراءة الآياتية للكون تتجاوز بالإنسان حالة الإفراز الذهني للمعرفة، المنفصل عن الكون والتجريب (الأنموذج اليوناني القديم) كما تتجاوز به حالة الغرق في التجريب، دون النظر إلى الغائية والقصد (الأنموذج المعرفي الغربي المعاصر)، إنها قراءة تمكّن الإنسان من تجاوز المحدودية التي تفرضها عليه الحتمية الكزّة، نحو آفاق الوصل غير المتناهي بين آيات الكتابين، باعتبار إمكان النظر إليها من زوايا مختلفة، أو باعتبار التفصيل للمجملات الذي يُتيحه إعمالُ قدرة الأسماء، وهو لا شك تفصيل يفتح أمام العقل الإنساني إمكانات في غاية السعة.
إن المنهجية الآياتية تحول دون مُعتمِدها واستبداد سَوْرة الإحساس بامتلاك الحقيقة المطلقة/الاستغناء، مما يوقع في الطغيان، كما تحول دون مُعتمِدها ورفض ما خضع من المعارف لتأييد الآيات وشهادتها.
إن المعرفة الناتجة عن المنهجية الآياتية أشبه ما تكون بصراط لامتناه نظرا لتجدد القراءة في كل حين، بسبب تعددِ وتنوع الآيات. أما إذا تم الانطلاق نحو الربط بين الآيات وبين ما ينبثق من آيات جديدة بعد تفصيلها، فإن المعرفة تصبح نابضة بفعل تصديقها لما بين يديها والهيمنة عليه نحو تصديق آخر جديد، بما يشبه حركة نواسية متنامية سيارة، وهنا تتحول القدرة على التسمية إلى مَعبر نحو إبصار الآيات والبصائر، إذ الأشياء والحقائق تُعرف بكيفية أدق وأمثلَ عبر آياتها، وليس عبر مسمياتها. فتسمية الحياة حياة ليست أقدر على التبصرة بماهيتها من الآيات الدالة عليها: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾(فصلت:39).
إن المسمى في نشأته الأولى كان عبارة عن رؤية للآيات/قراءة لها، فهو تسجيل وتعبير عن رؤيةِ راءٍ وقراءة قارئ. والمنهجية الآياتية تلغي الوسائط وتجعل الإنسان في كل مرة محقِّقا للاتصال المباشر بالآيات، فحديث المتحدثين بالأسماء لا يعدو -في ظل المنهجية الآياتية- أن يكون تنبيها للنظر الشخصي في الآيات: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ * قُلْ سِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾(العنكبوت:19-20)، ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * …قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾(الأنعام:98-104).
إن هذه المنهجية الآياتية باعتبارها ثمرة من ثمرات إدراك الوحدة البنائية للكتابين المنظور والمسطور هي التي تعطي لسير الإنسان في الكون معناه، وتجعل كسبه التسخيري كسبا باحثا عن الرشد، إذ هي منهجية يشعر إنسانها بالافتقار إلى الوحي: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ * فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لاَ أُحِبُّ الآفِلِينَ * فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾(الأنعام:75-77).
﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾ (الأنبياء:51). وفي مرحلة الختم للنبوة والحفظ للذكر واتضاح معالم المنهجية الآياتية يصدع القرآن بتحميل إنسانها كامل مسؤوليته، كما يصدع برفع نِير الإكراه ونتق معالم القدرة عنه لِما استقر في واقعه بطريقة جلية بينة محفوظة من البراهين والحجج، ومن الآيات والبصائر الدالة جميعها على سبيل الرشد: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لاَ انْفِصَامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * اللهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾(البقرة:256-257).
والرشد في القرآن المجيد من الجلاء والبيان بحيث ما لبثت الجن حين سمعته أن قالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾(الجن:1-2).

خاتمة

وإجمالا، فإن من آكد مقتضيات التعامل مع كتاب الختم، الوقوفَ على المنهج القرآني المكنون النابض المتجدّد الذي يقود الإنسان نحو آفاق الإفادة من قابلية القرآن المجيد للهداية للتي هي أقوم ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾(الإسراء:9)، ولن يتيسّر ذلك إلا عن طريق الاطّراح الملحّ، استنطاقا واستهداء، بين يدي كلام الله تعالى. ومن مقتضيات هذا الاطراح، التلقي المسلّم من الوحي عن طريق الإعمال المتصاعد المتنامي لمنهاجيته السارية فيه والتي تتكشف بالاجتهاد عبر الزمن، وهي منهاجية قد تبدّى من خلال ما سلف، أن من دعاماتها الأساس، الوقوفَ على بنائية القرآن المجيد، وإدراكَ أنه ترتيل، ولنا بعون الله عودة إلى الموضوع.

About The Author

لأمين العام للرابطة المحمدية للعلماء. المملكة المغربية

Related Posts

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.