للنبي محمد صلى الله عليه وسلم عشرات المعجزات، بل وصل بها بعضهم إلى المئات، حيث ذكر بديع الزمان النورسي أنها تصل إلى ألف معجزة، أورد ثلاثمائة منها في إحدى رسائل النور.
وسأذكر في هذه المقالة واحدة من إنجازاته العظمى صلى الله عليه وسلم والتي ترقى إلى صفوف المعجزات بل هي أعظم منها، باستثناء معجزة القرآن الكريم، وهي عبقريته الفذة في تحويل “النفوس” “الأمَّارة بالسوء” إلى “إمارات نفيسة” من القيم النبيلة والمبادئ السامية والأخلاق الرفيعة.
ومن يعرف ما كان عليه الأعراب قبل الإسلام، يدرك أنهم كانوا “نفوسًا أمَّارة” بذواتهم، حيث كانوا مضرب المثل في التخلف والتفرق وقطع الطرق والتقاتل لأتفه الأسباب، وصاروا بمحمد صلى الله عليه وسلم “إمارات نفيسة” تزخر بالمآثر، وتحفل بالمكارم، وتطفح بالعظائم، وتتزيّن بالمحامد، وتتعلق بالجلائل، وتهفو إلى المعالي.

لقد علَّم صلى الله عليه وسلم أصحابه كيف يرتفعون من القيعان نحو القمم، وكيف يتحررون من حبائل الجهل وآثار التردي في حفر الأنانية إلى آفاق العلم ومسامق العرفان

من الغرق في القيعان إلى الطيران فوق القمم

لقد علَّم صلى الله عليه وسلم أصحابه كيف يرتفعون من القيعان نحو القمم، وكيف يترفعون عن الأسافل والسفاسف إلى المعالي والعظائم، وكيف يتحررون من حبائل الجهل وآثار التردي في حفر الأنانية إلى آفاق العلم ومسامق العرفان، وكيف يصعدون من هاوية الجَور والبَخْس إلى سماوات القسط والإنصاف.
لقد حررهم من نوازع النفوس الأمَّارة بالسوء، ومن نوازغ أبالسة الشيطنة الرجيمية، الداعية إلى الشر المستطير، والمتنكبة للصراط المستقيم، والدافعة بالناس نحو أبواب الجحيم.
ولقد استأصل من نفوسهم نوازع الشر، وزرع بدلاً عنها أوازع الخير، انتزع منهم “ملَكة الافتراق” ووضعهم في “مملكة الاتفاق”.
وجعل من كل فرد منهم إمارة تذخر بالنفائس، حيث صارت نفوسهم تأمر بالعدل، وتتحرى الصدق، وتتبع الحق، وتأنس بالخير، وتسمو بالنصح، وتهفو إلى كل سامق، وتستمتع بكل جميل، وتأمر بكل معروف، وتحرص على كل نفع، وتشيد بكل صالح، وتستفيد من كل مفيد، وتهتم بإسعاد الورى، وتبتهج بخدمة الأنام.
وبالجملة، فقد علّمهم صلى الله عليه وسلم اجتراح العظائم وأبعدهم عن اقتراف الكبائر، دفعهم إلى اجترار المآثر دون ارتكاب الآثام، وحضهم على التلفُّع بالمزاين والانبتات عن المشاين.

معادلات الرجولة

استطاع صلى الله عليه وسلم اجتثاث أوضار التراب وأوزار الطين من تركيبة تلاميذه حتى صاروا رجالاً لا يعرفون الازْوِرار، بل صاروا أصحابًا ورفقاء له في العروج نحو الرحمن. فقد اهتدى إلى تركيب معادلات الرجولة التي جعلت كل واحد منهم قمة سامقة تطاول السماء، وقامة شامخة تعانق الملائكة، مما أدى إلى إخراج جيل من الرجال العظماء الذين أتْرعوا الحياة بالروائع، وغمروها بالخيرات، ساكبين فيها شلاّلات السلام التي أطفأت الحرائق، وأخمدت الفتن، وجلبت الأمن ووفرت السكينة، وأمّنت الروعات.
لقد استأصل من القلوب أدرانها، ومن الأفئدة أضغانها، ومن النفوس أوشابها، ومن العقول أوضارها، ومن الأرواح أكدارها، حيث خلّى من نفوسهم سخائم الأخذ، وحلاّها بسخاء العطاء، حرّر قلوبهم من مكاره الأثرة وزيَّنها بمكارم الإيثار.

استطاع صلى الله عليه وسلم اجتثاث أوضار التراب وأوزار الطين من تركيبة تلاميذه حتى صاروا رجالاً لا يعرفون الازْوِرار، بل صاروا أصحابًا ورفقاء له في العروج نحو الرحمن.

ومن أرواحهم انتزع أكدار الخرافات، وصبَّ عليها مياه العلوم الصافية الجامعة بين البَرْهَنة والعرفان، وأخلى من قلوبهم أوشاب التراب السوداء، مبقيًا الخطوط التِّبرية التي جعلت تلك القلوب تلمع بالحق وتبرق بالحقيقة، وسمحت لها بأن تشرق بالأنوار وتشرئب إلى الملائكية.
لقد أدْهَقَ صلى الله عليه وسلم عقولهم بكؤوس التفكر، وأتْرع قلوبهم بأواني التدبر، وغمر أرواحهم بمساكب التبصر، فانطلقت ذواتهم موحدة وفاعلة، تطير بجناحي التوْق والشوْق، لا ينسون ربهم في الخلوة والجلوة، وهم يسيرون في دروب إعمار الأرض وصناعة الحياة، دروب تحرير الخلق من الرِّق وتعبيد الناس للحق.

غيث السحائب المحمدية

من المعلوم أن جبريل عليه السلام شَقَّ صدر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في طفولته، لينقي قلبه ماديًّا من آثار التراب التي تسمح للشيطان بأخذ حظه منه.. وبالمثل قام النبي صلى الله عليه وسلم بشق صدور أصحابه، ولكن معنويًّا، وذلك بمبضع تربيته الذهبية، فأخلاها من أغلال الجهل وآصار الغفلة، وحطم الطبع الذي أحاط بها والران الذي حجبها عن فاطرها، ودمَّر ما استوطن فيها من قسوة وزيغ، ومن أكدار وسواد.
وقام بصبّ شلال القرآن عليها فأورقت وأزهرت ثم أثمرت وأينعت، وذلك من خلال مساكب عدة أهمها:
• التدبر: (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا)(محمد:24).
• التذكر: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ((ق:37).
• التفكر: (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَاِ((الحج:46).
• التوجُّل: (الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ((الحج:35).
• التوقِّي: (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ((الحج:32).
• الاستهداء: (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللهِ يَهْدِ قَلْبَهُ((التغابن:11).
• الطمأنينة: (وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ((النحل:106). وبهذا، ولج الرسول صلى الله عليه وسلم إلى القلوب من أبواب متفرقة، فأثلج الصدور، وأقرَّ الأعين، وسقى الأكباد، فسكّنت سواكب تربيته صلى الله عليه وسلم الثوائر، وأطفأت الأحقاد، وبددت غيوم الشر الأسود، وبذلك فرَّت الليالي الحالكات، وأقبلت قناديل الفجر، معلنة للدنيا كلها ابتداء مسيرة إسعاد البشر ومهرجان إبهاج الكائنات، حيث تمّت بلسمة الجروح، وشفاء الندوب، وترْيَقة القروح.

إن تعجب، فعجبٌ حال المسلمين الذين تمتلئ حياتهم اليوم بالفتوق وهم لا يرتقونها باتباع منهج محمد صلى الله عليه وسلم.

توحيد الخلق تحت راية التوحيد للخالق

وسكب الصحابة -بِدَورِهم- الإكسير المحمدي على الأجساد الهامدة والأرواح الميتة، فاستحالت أجسامًا تنبض بالحياة وتضجّ بالحركة، وأرواحًا تطير في العلالي وتسمو نحو المعالي.
لقد صبَّت سحائب تربيته النبوية أمطار غيثها على العقول فأنبتت أَسْمق الأفكار، وعلى القلوب فأورقت أسمى المشاعر، وعلى الأفئدة فأينعت أقوى الإرادات، وعلى الأرواح فأثمرت أرقى المعارج، وعلى النفوس التي تبوّأت الإيمان ليخرج من رحمها كل زوج بهيج.
ومن العقول “الضيقة الأفق” شيد صلى الله عليه وسلم مراقي للصعود إلى “الآفاق الواسعة”، وجعل من القلوب المصفّدة معارج للسموق في الأنحاء الفسيحة، وجعل من الأرواح الضنكة أجنحة للتّحليق في أجواء السعادة وللتسامي في قمم الإنسانية الشاهقة وذرى القيم الباسقة.
الكون الذي ذاب في محمد صلى الله عليه وسلم
مع أن محمدًا صلى الله عليه وسلم بشرٌ من لحم ودم، وكان يأكل الطعام ويمشي في الأسواق ويتزوج النساء، إلا أن كثيرًا من الظواهر الكونية ذابت فيه هيامًا، حيث صار كونًا في ذاتٍ بشرية بفعل “كُن” الإلهية التي ربّته فأحسنت تربيته، وأدَّبته فأجادت تأديبه، حتى صار حياة للكائنات، وإكسيرًا للأحياء كالماء تمامًا، فإن الماء هو محمد للحياة المادية، ومحمد صلى الله عليه وسلم هو ماء للحياة المعنوية.
وإذا كان الله سبحانه وتعالى قد فَتَقَ رَتْق السماوات والأرض، فقد رتَقَ بمحمد صلى الله عليه وسلم فتوق البشر، حيث رتق الفتْق الذي كان قائمًا بين المادة والروح في تكوين الفرد، ورتق الفتق القائم في تركيب الأسرة بين الذكر والأنثى، ورتق الفتق القائم في تكوين المجتمع بين الحاكم والمحكوم.
وإن تعجب، فعجبٌ حال المسلمين الذين تمتلئ حياتهم اليوم بالفتوق وهم لا يرتقونها باتباع منهج محمد صلى الله عليه وسلم.
توحيد الخلق تحت راية التوحيد للخالق
لأنه صلى الله عليه وسلم صار رتقًا لكل الفتوق، وجسرًا للربط بين الثنائيات المتناقضة والنواحي المتباعدة.. فقد كان موحدًا للناس تحت راية وحدانية الله تعالى الذي هداه للدين القيم، وأكرمه بقيم الائتلاف، ولذلك امتن الله به على المؤمنين فقال: (لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ((آل عمران:164).
لقد أجاد صلى الله عليه وسلم تشبيك العلائق وتمزيق العوائق، وأحسن توشيج أواصر الألفة وتقطيع أواصر التكلف، واستطاع -رغم أميته الأبجدية- كتابة همزات الوصل بين الناس وطمس همزات القطع ومحو ثقافة القطيع.
استطاع صلى الله عليه وسلم بمقدرة فريدة تربيط العلاقات، وتمتين الصلات، وتأسيس المشتركات، وتفعيل الأرحام، وتقوية جسور التكامل، وبناء قناطر العبور المتبادل، وردم الهُوَّات وغلق الفجوات، وحرق حطب الفتنة والحقد، ومحاربة التنافس المحموم والتنابذ المسموم.
لقد برزت عظمته صلى الله عليه وسلم في تأليف القلوب المتنافرة، وتلقيح العقول المتناحرة، وتجميع الأرواح المتدابرة، بدفع الجميع للاستظلال تحت أفياء دوحة التوحيد التي أسقطت ثمارها الجَنِية، وأشاعت في أوساطهم دفء الوعي الجمعي بدلاً من هجير الفرقة والتمزق، ورغّبتهم في التقارب والائتلاف حتى صاروا جسمًا اجتماعيًّا واحدًا.
وبفضل محمد صلى الله عليه وسلم الذي هو تفضل الرحمن عليهم، صاروا متفوقين في هندسة جسور الائتلاف، وفي كيمياء التفاعل الخلاق، وفي فيزياء الانصهار ضمن بوتقة الأمة، وفي رياضيات التجمع تحت راية الإسلام الذي “يطرح” الخلافات، و”يزيد” المشتركات، و”يضخم” القواسم المشتركة، و”يُصفِّر” الأحقاد والضغائن.
ولهذا مضوا في بناء جسور التآلف وهدم قواطع التخالف.. طاروا بأشواق التوحد وتطيّروا من أشواك التفرد.. ولم يزالوا واصلين لمفردات التزاور، قاطعين لأسباب الازْورار.. وما فتئوا مغزِّرين لعيون الائتلاف ومجففين لمنابع الاختلاف.. فارضين لرايات التوحد، ورافضين لآراء التفرد التي تساهم في تشظي الأمة.. مادّين لحبال الحب والودّ وممزقين لحبائل الفتنة والحقد.

الانحناء للحقائق والاستعلاء على الأحقاد

لقد علمهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يستمعوا للجميع، وحيثما كان الحق ذهبوا إليه وساروا معه، دون نظر إلى أي اعتبارات غير موضوعية، ودون استدعاء لأي عصبيات طينية، وبحيث لا يعميهم غبار التراب المُتكوّم في أجسامهم عن رؤية الحقيقة والاعتراف بالحق.
وعلَّمهم الانكسار أمام إخوان المبادئ والقيم السامية، والانتصار على أعداء الحق والحقيقة، حاثًّا إياهم على الصدع بالحق في وجوه المبطلين، وتصديع رؤوس أهل الباطل بمطارق الحق.
وربَّاهم صلى الله عليه وسلم على تصريف طاقة الذل إلى الداخل وتفريغ طاقة العز في الخارج، وعلى الاستكانة لأخوة الراية وإن اختلفت الآراء، وعلى السكينة عند مواجهة المتخندقين تحت رايات الضلال المبين.
لقد ربَّاهم على استشعار أنهم صغار بجانب إخوانهم، كبار أمام أعدائهم، بحيث يستحيل أن تحضرهم أدنى مشاعر الصَّغَار، إذ علمهم صلى الله عليه وسلم كيف يصنعون بالضعفاء وكيف يصفعون المتكبرين.
لقد أبعدهم صلى الله عليه وسلم عن أجواء التكبر والتجبر، ونأى بهم عن مهاوي الفواحش والفواسق، فصاروا أماثيل في الأخلاق، عجائب في الإنجاز، خوارق في الحركة، نماذج في التوازن، إذ يستزيدون ولا يتزيّدون، يطولون في ذواتهم ولا يستطيلون على غيرهم، يكبرون ولا يتكبرون، يسيرون في الأرض دون أن يتيهوا في الوديان أو تتيه بهم السبل، ودون أن تركبهم مشاعر التيه بما أعطاهم الله.
كانوا يصنفون الناس لكنهم ينصفون ولا ينسفون، وكانوا ينتقدون المخالفين لكنهم لا يَسِفّون ولا يُسفّهون، يعدلون في قول الحق ولا يعدلون عنه أو يعدلون به شيئًا.
يتحققون في البحث عن الحقيقة ويدققون في إدراك الحق، لا يبخلون بأفيائهم على الخلق ولا يَبخسون الناس أشياءهم.
كانوا رائقي الطباع تائقي العزائم، أنيقين في مظاهرهم مشرقين في جواهرهم، يختارون ثيابهم الجميلة بعناية غير متكلفة، وينتقون ألفاظهم العذبة باصطفاء غير متقعِّر.
في خطابهم يمزجون بين الإقناع والإمتاع، وفي دعواتهم يزاوجون بين الترغيب والترهيب، وفي سيرهم يجمعون بين الوعي والسعي، ويوازن جهادُهم بين إرهاب المعتدين والرحمة بالمتعبين، وبالجملة فإنهم يعتدلون ولا يعتدون.
ولقد كان صلى الله عليه وسلم منحازًا على الدوام إلى الحق والحقيقة، وما واجه كل أصحاب الباطل وأزهق الأباطيل إلا بهذا السلاح الفتاك.. فقد استعان على تراكم أطباق الضلال وتراكب طبقات الباطل بقذيفة الله النافذة فيه وهي الحق، ألم يقل الله تعالى: (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ((الأنبياء:18)؟

استخراج “خير أمة” من بين فرث ودم “القبائل”

بعبقريته الفذّة، وهِمَّته العالية، ورحمته السابغة، وسعيه الدؤوب، وجهاده العظيم، استطاع صلى الله عليه وسلم استنقاذ البشرية من الغرق في بحار الظلمات أوالفناء في محيطات العدم، ونجح في استخراج “خير أمة أخرجت للناس” من بين فرث القبائل ودم العشائر، حيث نقاها من أكدار الطين وأقذار الفرث وجعل منها لبنًا سائغًا للشاربين.
لقد استجمع من بين أشواك النفوس أزهارها، واستخلص من بين أكمام القبائل رحيقها، مازجًا إياه في بطن نحلته التربوية بمقادير منضبطة، صانعًا منه عسل “خير أمة” بعد أن صفّاه المصطفى بيديه وروحه، فصار شفاء للإنسانية من أسقامها، حيث خلّص القلوب من تقلباتها الزائغة، وأنقذ العقول من أوهامها الضلالية، ونقّى الأكباد من كُبَدها القاتلة، وعالج النفوس من آلامها المبرحة، وداوى الحلوق من غصصها الخانقة، وحرر الأجساد من أغلالها التي أوجعتها وشلَّت حركتها، وجعلتها مجرد أشياء في أسواق النخاسة وحظائر الطغاة.
تتجلى عظمة محمد صلى الله عليه وسلم في كل أقواله وأفعاله، في سائر قرارته وتقريراته، وفي جميع مناشطه وتحركاته، ومن ذلك بل وأهم ذلك، نجاحه المنقطع النظير الذي ما زال مدهشًا ومبهرًا لكل من عرف سيرته، ونفذ من خلالها إلى سريرته العظيمة إلى يومنا هذا، وذلك في جعل قبائل الأعاريب أمة الأعاجيب.
وإذا كانت أعظم معجزات عيسى عليه السلام إحياء الموتى، فقد أحيا محمد صلى الله عليه وسلم أمة بكاملها، إحياء ماديًّا ومعنويًّا، إذ صنع من زَبَد الناس زُبدة الأمم، وصنع من هواة الاختلاف عُشاق ائتلاف، وجعل من عصائب الترويع صُنَّاع روائع.
لقد سلّط عُبّاد الأصنام على منظومات الصنمية، فمزقوها بعلومهم ومعارفهم، بسننهم وأسنانهم، بسيوفهم وسنانهم، حتى صارت غثاء أحوى، ورمادًا تذروه الرياح!
وعلَّم قُطّاع الطرق كيف “يقطعون” الفيافي لاستنقاذ الناس من أوكار الشرك، مخرجًا إياهم من عماية الغواية إلى بصائر الهداية، وعلَّم الأعراب كيف يعبرون القفار الجدباء لأجل زراعة القلوب المتصحِّرة حتى تعمر بالخيرات، وإحياء الشعوب التي ماتت في بطون الفكر العدمي، واختنقت في سجون التقاليد السقيمة وفي زنازين الاستعباد الصنمي، بعد أن كَبَتَ الجبابرة آراء الناس، وكتموا أنفاس الحرية، وأمَّموا حقوق الآدمية، وسمّموا نسائم الكرامة.
لقد أطلق صلى الله عليه وسلم “خير أمة” من أسرها، مذكيًا أسرارها المخبوءة ونفائسها المطمورة تحت أركمة التخلف وطبقات الضلال المبين، فصارت العسل الشافي للناس من أسقام الاستبداد والاستعباد، حيث كرَّست نفسها لخدمة المستضعفين وتحرير المأسورين، واستمرت في جهادها حتى لم تكن فتنة، وكان الدين كله لله، وصارت الأرض جميعها لسائر البشر.

“أنفاس النبي” تصنع “نفائس الناس”

كانت أنفاس النبي صلى الله عليه وسلم ذلك الإكسير الذي أخذ شكل النسيم الساحر، والذي سرى بين العرب أولاً، فأحياهم من موات، وبصَّرهم من عمى، وأسمعهم من صمم، وأيقَظهم من سُبات، ونظّمهم من انتثار، وجمَّعهم من شعث، ثم سرت تلك النفخة الروحية في أوصال سائر الأمم، فانبعثت من موتها الذي استمر ردْحًا من الزمن.
لقد ظل يُقدم الحجج لأصحابه على قضايا الإيمان، ويرتقي بهم في سُلَّم البراهين إلى أن استقر معهم على متن اليقين، وإلى أن وقفوا على مرساة “المحجَّة البيضاء”، لم يَزغ عنها إلا الهلكى من المنافقين وعديمي الإيمان.
استطاع صلى الله عليه وسلم استنقاذ كل فرد من الكفر الأعمى إلى الفكر المبصر، ومن الشرك الأسود إلى الشكر النوراني، ومن الشك الشيطاني إلى الكشف الرباني، ونقل كل عربي من الوَحدة إلى الوُحدة، ومن النار إلى النور، ومن الحرمان إلى الحرية، ومن الأثرة إلى الإيثار.
لقد صنع صلى الله عليه وسلم المعجزة الباهرة التي تجلت في تربيته وتجسدت في دعوته، إذ حوَّل سُمّ العدوانية الزعاف عند الأعراب إلى ترياق ناجع للناس، وأحال أعاصيرهم -التي جعلت أرضهم يبابًا- إلى رياح لواقح، حملت الغيث الهنيء والخير العميم لسائر مخلوقات الله.
ولأن الفرد هو مضغة الأمة، والعقل هو مضغة الفرد، فقد ركز صلى الله عليه وسلم على بناء الفرد المؤمن المؤتلف مع الخلق، المنقاد للحق، المنفعل بالإيمان، الفاعل للصالحات، ولهذا جفَّف مياه الجبرية الآسنة، وأطلق عيون “القدر” السلسبيل التي استحالت إلى إكسيرٍ بَعَثَ الحياة في هوامد الناس، بإطلاق القوى من عقالها، والإرادات من أغلالها، والعزائم من أصفادها.

لقد صنع صلى الله عليه وسلم المعجزة الباهرة التي تجلت في تربيته وتجسدت في دعوته، إذ حوَّل سُمّ العدوانية الزعاف عند الأعراب إلى ترياق ناجع للناس

لقد علّم صحابته صلى الله عليه وسلم التدرع بالقدر لا التذرع، والتوسل بالأسباب دون الركون إليها، واستكمال مشاعر التوكل على الله دون أن تخالطها أي من شوائب التواكل، وبهذا صار الواحد منهم بأمة كاملة أو بألف رجل، وفي المتوسط العام فاقت فاعلية المسلم عشرة أضعاف فاعلية غيره في سائر مناحي الحياة.

الربيع ميلاد للمحامد المحمدية

من تدابير القدر الرباني واللطائف السبحانية أن ولادة محمد صلى الله عليه وسلم كانت في فصل الربيع، وهو الفصل الذي قضى الله أن تحيا فيه الأرض بعد موتها، وتخضرَّ بعد تَرَمُّدِها، وتُزهرَ بعد تَتَرُّبِها، وتَبْتسمَ بعد تَقَتُّمها، لتعود الأمطار إلى سحائبها، والحركة إلى كائناتها، والمياه إلى مجاريها، ويعود الأريج يُضمِّخ الأزهار، والتغريد يحدو العصافير، والخرير يفضح هدوء المياه، فتبتهج الطبيعة وتبتسم الحياة ويسعد الإنسان.
لقد كان ميلاد محمد صلى الله عليه وسلم في الربيع ميلادًا لربيع الإنسانية بأسْرها، فبمولده ولدت الفضائل، وانبجست السجايا، وانبثقت الكمالات التي صنعت “خير أمة”، تلك الأمة الذهبية التي قامت على أكتاف ذلك الجيل الماسي من الناس، والذي امتلأ بالعباقرة، وحفِل بالنوادر، وتميز بالنوابغ، وازدان بالأفذاذ، وتزين بالعظماء، مما جعلهم يزدحمون عند الواجبات ويؤثرون بعضهم عند الحقوق.
لقد اجتمع لهذا الركب العظيم من الناس، من الخلائل والخلائق ما لم يجتمع لأي جيل في التاريخ الإنساني كله، بفضل التربية المحمدية والإكسير النبوي.
ومن ذلك مزجهم الدقيق بين بواعث الخوف من الله ومشاعر الرجاء بما عنده، فإنهم يَلتاعون لجمال الله ويرتاعون من جلاله، ولا يزالون جامعين بين إقدام الرغبة في الجنة وإحجام الرهبة من النار، بين الطمع بوعد الله والفزع من وعيده، بين رجاء سحائب فضله والحذر من موازين عدله، بين التَّوْق للثواب والتَّوَقِّي من العقاب.
لقد أوجد محمد صلى الله عليه وسلم جيلاً فريدًا تجَرّد للمحامد وتأهّل للعظائم، حيث تعسْجَدت أفكارُه، وتذهَّبت مشاعرُه، قوالبُهم تعمل للمعاش وقلوبهم تهفو إلى المعاد.. أبصارهم تكتشف آفاق الدنيا وبصائرهم إلى آماد الآخرة تنفذ، أقدامهم تمشي على الأرض، وأرواحهم نحو السماء تطير.
وهكذا، فقد نجح محمد صلى الله عليه وسلم أيما نجاح في تحويل “النفوس الأمّارة” بالسوء إلى “إمارات” تفيض بالنفائس، وإلى لبنات متينة انبنت منها “خير أمة أخرجت للناس”، فماذا يا ترى يستحق منا محمد صلى الله عليه وسلم؟
(*) أستاذ الفكر الإسلامي السياسي، جامعة تعز / اليمن.

Leave a Reply

Your email address will not be published.