ركّز التداول حول كونية حقوق الإنسان في عمومه، كثيرًا على إشكالية مدى مخالفة أو مواءمة القانون العالمي لحقوق الإنسان للممارسات التشريعية والثقافية المحلية، كما رام هذا التداول فكّ العُقَد بهذا الخصوص لصالح البراديغم الكوني… ويلاحظ بجلاء، أن عناية أقل بكثير، قد أوليت إلى البحث عما يمكن أن يفيده ويَثْرى به الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بدراسة الأنساق التشريعية والثقافية الكونية المختلفة.
وقد طرحت كونية حقوق الإنسان، تحديات معتبرة على المختصين والباحثين، من أمثال(1) Kimberly Younce Schooleyy، وعبد الله أحمد نعيم(2)، Charles Taylor(3)، وFernando R. Teson(4)، ورضى أفشاري(5)، وغيرهم.
ولا يخفى أن هذه المسألة تكتسي أهمية استثنائية من الناحية البرجماتية العملية الصرف، بالإضافة إلى أهميتها العلمية والمعرفية، وذلك لأن التجانف، بل والتنكر للحقوق الإنسانية، أمر في غاية الورود إذا لم تراع أثناء عملية تنزيلها، مواءمتها الثقافية للسياقات الحضارية، والأنثربولوجية المستقبِلة. ولأن المصداقية الثقافية لهذه الحقوق لدى المتلقين محورية في عملية تملكهم لها، فإنه ينبغي تشجيع الجهود الرامية إلى تعويض الفرض والإقحام والإلزام بالتوطين والإفهام والإسهام. وذلك ليس فقط من أجل ضمان مشروعية حقوق الإنسان في مختلف المجتمعات، ولكن أيضًا لما يتيحه هذا الأمر من إمكانات في المجال الحقوقي؛ للإفادة والربح المتبادلين، بسبب تضافر وتواشج أضرب الخبرة والحكمة العالمية الغنية والمتنوعة، مما من شأنه أن يجعل حقوق الإنسان -كما هي متعارف عليها كونيًّا- أكثر جاذبية، وأوفر قابلية للتطبيق والتبني في كافة المجتمعات.
إلا أن جملة صعوبات تعترض سبيل هذا الطموح، ومن أبرز هذه الصعوبات؛ الاختلاف الجوهري بين الأسس البراديجماتية التي تنبني عليها التشريعات الكونية لحقوق الإنسان، وتلك التي تنبني عليها كثير من التشريعات العالمية الأخرى. وأبرز مثال على هذا الاختلاف الجوهري، كون الحقوق في القانون العالمي لحقوق الإنسان صريحة ومباشرة، في حين أن ما يقابلها من واجبات، متضمنة -وقد تكون أحيانًا متضاربة- وهو ما يشير إليه “دوكلاس هودكسون” (Douglas Hodgson) بقوله: “في قانون حقوق الإنسان، الحقوق صريحة ومباشرة، في حين أن ما يقابلها من واجبات تبقى متضمنة ومتضاربة وغير مغناة من الناحية التنظيرية، بيد أن العكس هو الصحيح في عدد من المنظومات التشريعية والقيمية والعقدية الأخرى، كالشريعة الإسلامية، والشريعة اليهودية، والنصرانية، والهندوسية، والكنفوشيوسية”(6).
ولأن المقاربة المؤسسة على الحقوق، وكذا تلك المؤسسة على الواجبات، كلتاهما تصدران عن رؤية براديجماتية متجذرة لها تجلياتها في سائر مفردات الكسب التشريعي والتنزيلي للمنظومتين، فإنه لا يمكن الزعم بأن التوفيق بينها يمكن أن يتم بدون بذل ما يلزم من جهد واجتهاد في أفق الإسهام في حل عدد من الإشكالات المطروحة بهذا الصدد كونيًّا.

وتبتغي هذه الدراسة وضع جملة لبنات وظيفية، تسهم في التعزيز التعارفي لمقاربة “النسبية المعتدلة المعكوسة”
(Reverse Moderate Relativism: R.M.RR) والتي تختلف عن مقاربة “النسبية الثقافية المعتدلة” (Moderate Cultural Relativism: M.C.R) حيث إن الأولى تعنى بالنظر التعارفي المنفتح، إلى ما يمكن أن تغني به المنظومات التشريعية المختلفة، منظومة حقوق الإنسان الكونية، بيد أن الثانية تقتصر على النظر في كيفية زرع وفسل منظومة حقوق الإنسان في المنظومات التشريعية الأخرى(7).
غير أنه مع انبثاق الجيل الثالث من حقوق الإنسان، الحقوق التضامنية؛ كالحق في البيئة السليمة والحق في السلام والحق في التنمية، تبين أن مكوّن الحقوق يفتقر إلى التواشج مع مكوّن الواجب في طفرة متجاوزة لما كان عليه الأمر في الجيلين السابقين من حقوق الإنسان، جيل الحقوق المدنية والسياسية ثم جيل الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، المرتكزين على البراديغم القائم على الحقوق فقط. وسبب ذلك، على حد تعبير الباحث Ben Saul: “إن النضالات التي قامت بها حركة حقوق الإنسان ضد الاستبدادات المختلفة في مرحلة أولى وفي مرحلة ثانية، ضد النفاقات الاجتماعية، والإقصاء، ونقائص النضالات السالفة، والتي ارتكزت جميعُها على مواجهة ما كان يفرضه المتنفدون من واجبات ظالمة على الأفراد، فقد بلورت حركة حقوق الإنسان حذرا وحساسية تلقائيين، تجاه كل لغة فيها حضور لمفاهيم الواجب والإلزام، وهما حذر وحساسية مبرران، بالنظر إلى تاريخ هذه الحركات النضالي”(8).
ومن هنا تأتي المعاناة التي ترافق السعي إلى تنزيل الجيل الثالث من حقوق الإنسان، والتي تستدمج في عين بنيتها، ضرورة الارتكاز على الواجبات أيضًا، بإزاء الحقوق التي لا يمكن جلبها للأفراد إلا إذا كان لديهم الاستعداد للقيام بواجباتهم بهذا الخصوص. فمثلاً، لا يتصور النهوض بتنمية بدون انخراط الأفراد في هذا النهوض من خلال القيام بواجباتهم بهذا الصدد. مما يستدعي وجوب مواكبة هذه الحقوق أولاً: بنسيج تأهيلي، تصوريًّا، وتربويًّا، ونضاليًّا، وتقويميًّا بطريقة قصدية، وإلا فستبقى الحقوق التضامنية مجرد شعارات. ومواكبتها ثانيًا بنسيج تشريعي احترازي، لحمايتها من الارتداد إلى أتون الدولانية (Etatism) من جديد كما يقول “دون. إي. إيبرلي” (Don. E. Eberly) في كتابه Building a Community of Citizen.
وجليّ أن هذا التواشج بين الحقوق والواجبات، من خلال الاستمداد من مختلف المرجعيات تأسيسًا على مكتسب حقوق الإنسان في كونيتها وعدم تجزيئها، يمكن أن يسهم في اختراع مفهوم دينامي للمواطنة في عالم اليوم المعولم، في منأى عن الشعاراتية، وفي حرص على بحث عقد اجتماعي، فيه التجانف عن الاقتصار على الإستراتيجيات الفوقية، والتشريعات غير المرفقة بالتدابير الإجرائية التنزيلية على أرض الواقع، في مراعاة لكافة مقتضيات السياق.

أولاً: المرتكزات

يروم هذا المبحث الأول، إبراز المرتكزات التي يتأسس عليها مقصد ضمان حقوق الإنسان في الإسلام.
أ- التكريم:
يشكّل مبدأ التكريم الإلهي للبشر، معلمًا بارزًا من المعالم التي تستنبط منها مقصدية ضمان حقوق الإنسان، وذلك تأسيسًا على قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾(الإسراء:70). فحين يتم تجذير الوعي بالتكريم في كيان الفرد، وتتم مواكبة ذلك بإتاحة المقومات الديداكتيكية للتنشئة، والمقومات التشريعية للنهوض والحماية(9)، فإنه يسهل أن ينبثق في حالة تهديد هذا التكريم، مثل رد فعل عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- المشهور حين قال لعمرو بن العاص وقد ظلم قبطيًّا: “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا”(10). ومن مقومات هذا التكريم في القرآن والسنة:
1- الإيجاد(11)
2- تكريم إحسان التقويم: وهو المشار إليه في الآية الكريمة: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾(التين:44)، وكذا الآية: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾(التغابن:3).
33- تكريم إعظام الدور: وهو تكريم يظهر من خلال التكليف بإعمار الأرض كما في الآية: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾(هود:61)، والآية: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي اْلأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ﴾(الأعراف:10)، وكذا الآية: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً﴾(طه:53).
ويسجل بهذا الصدد أن ارتكاسًا كبيرًا حصل بعد فترة التأسيس هذه، لأسباب متداخلة لا يتسع المقام هنا لذكرها(12).
44- الخلافة: تعكس خلافة الإنسان في الأرض أسمى مراتب التكريم الإلهي؛ ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾(البقرة:30).
55- التسخير: كما في الآيات: ﴿اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ * وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾(إبراهيم:32-34)(13).
قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾(الحج:65).
66- إيداع القدرة على وسم الأشياء من أجل تعقلها، وتوظيفها: قال تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاَءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾(البقرة:31)، مما يمكن الإنسان من تنمية قدراته الإدراكية التي تسعفه في تنمية استقلاليته من خلال تزايد قدرته على الفعل في الكون بالتسخير، ولذلك يسمي بعض الباحثين العلوم الكونية “علوم التسخير”(14).
77- الوحي/الكلمات: وهو المستفاد من العديد من الآيات كما في قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ﴾(البقرة:37)، والآية: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾(البقرة:124).
والإفادة من قدرة الأسماء ومن إيتاء الكلمات، لا يمكن أن تتم في منظومة الوحي إلا بالنظر والتفكّر والتعقُّل؛ فالاستدلال بالأدلة من أوجَبِ الواجبات بعد الإيمان الفطري الجبلِّي. وإلى هذا ذهب البخاري -رحمه الله- حيث بوَّب في كتابه “باب العلم قبل القول والعمل لقول الله عز وجل”: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ﴾(محمد:19).
88- إتاحة العلاقة المباشرة بين العبد وربه: فقد ألغى الشَّارع الحكيم أيَّ وساطة بينه وبين عبادِه تفسد الاعتقاد الجازِمَ به سبحانه(15)، قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾(البقرة:186).
99- الحرية: قال الراغب الأصفهاني: “الحرية ضربان: الأول من لم يجر عليه حكم الشيء، نحو “الحر بالحر”. والثاني: من لم تتملكه الصفات الذميمة من الحرص والشره على المقتنيات الدنيوية، وإلى العبودية التي تضاد ذلك أشار النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: “تعس عبد الدرهم، تعس عبد الدينار”، وقيل: عبد الشهوة أذل من عبد الرقّ”(16).
وقال الجرجاني صاحب التعريفات: “الحرية في اصطلاح أهل الحقيقة: الخروج عن رق الكائنات وقطع جميع العلائق والأغيار، وهي على مراتب: حرية العامة عن رق الشهوات. وحرية الخاصة عن رق المرادات لفناء إرادتهم في إرادة الحق. وحرية خاصة الخاصة عن رقّ الرسوم والآثار لانمحاقهم في تجلّي نور الأنوار”(17).

وهو ما ينص عليه القرآن الكريم في الآية: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾(البقرة:256)، وفي الآية: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾(هود:28)، وكذا الآية: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾(الكهف:29)،وفي الآية: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾(الإنسان:29)، وفي الآية: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾(يونس:99)، وفي الآية: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ﴾(الغاشية:22).
وقد سيقت كلمة “إكراه” بالتنكير في قوله تعالى: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾، والتنكير عند علماء الأصول، يفيد الاستغراق لكل مرتبة أو نوع من الإكراه. قال الإمام محمد الطاهر بن عاشور -رحمه الله- في تفسير آية نفي الإكراه؛ البقرة 256: “جيء بنفي الجنس لقصد العموم نصًّا، وهي دليل إبطال الإكراه بسائر أنواعه؛ لأن أمر الإيمان يجري على الاستدلال والتمكين من النظر”(18).
وما أجمل ما قال عبد المتعال الصعيدي بهذا الصدد في كتابه “حرية الفكر في الإسلام”: “مثل المرتد مثل الكافر الأصلي في الدعوة إلى الإسلام، فكما يُدْعَى الكافر الأصلي في الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة ويجادل بالتي هي أحسن، كذلك يدعى المرتد إلى العودة إلى الإسلام بالحكمة والموعظة الحسنة ويجادل بالتي هي أحسن، ولا يكره على العودة إليه بوسيلة من وسائل الإكراه، كما لا يكره الكافر الأصلي على الإسلام بهذه الوسائل أيضا”(19).
وقد أحسن بعض الدارسين حين فكك الردة إلى قسمين: مركبة، فيها الارتداد عن الدين ومفارقة الجماعة والعمل على إلحاق الأذى بها، وردة بسيطة فيها الارتداد عن الدين فقط. وقد ذهب العلماء إلى أن الردة غير المركبة تجري عليها أحكام قوله تعالى: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾(20).
فالحرية في المنظومة التشريعية الإسلامية هي الأصل، قال محمد الطاهر بن عاشور: “الحرية وصف فطري نشأ عليه البشر، وبه تصرفوا في أول وجودهم على الأرض، حتى حدثت بينهم المزاحمة، فحدث التحجير”(21).
بـ- التكليف:
يبرز الإنسان في منظومة الإسلام الاعتقادية والتصورية، باعتباره الجسر الكوني المؤهَّل الذي تعبر منه القيم والأخلاق، والتشريعات الحاملة لمراد الله التكليفي من الإنسان تجاه نفسه ومحيطه الكوني، إلى البعدين الزماني والمكاني، لتصبح جزءًا من التاريخ والحياة. ويبرز التكليف الملقى على عاتق هذا المخلوق (الأمانة): ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً﴾(الأحزاب:72)، باعتباره تكليفًا لا يعرف حصرًا ولا حدودًا، إذ الكون كله في هذه المنظومة مسرح لفعل الإنسان وعتاد له. فالنوع الإنساني كله موضوع فعله الأخلاقي، كما الكون كله.
وتبرز مقومات القيام بالواجب في هذه المنظومة الاعتقادية والتصورية من خلال:
11- تزويد الإنسان بالعقل وجعله مناط التكليف: ﴿وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾(النحل:78).
2- المواءمة بين الإنسان والكون من جهة “التسخير”: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾(الجاثية:133)، وبين الإنسان والوحي من جهة ثانية “التيسير”: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾(القمر:40).
33- قصدية الخلق: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾(الذاريات:56-58).
44- بنائية الشرع والعقيدة ووحدتهما ومفهوميتهما، فمقاصدُهما، وأوامرهما، ونواهيهما واضحة قابلة للتعقل، ومتكاملة تحرر تماسكًا يُمكِّن من تحديد الأولويات وتبَيُّن مراتب الأعمال.
ويعتبر تكليف الإنسان بتزكية نفسه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾(الشمس:9-100)، إفادة بالتأسي ممن تم تكليفه بريادة هذا الفعل عمرانيًّا: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ﴾(الجمعة:2).
يعتبر هذا التكليف، رافعة عملية تستند على الواجب إزاء الحق، لتمكين الإنسان فردًا واجتماعًا من ضمان الحقوق والاسترواح في ظلها؛ لأن التزكية بهذا المقترب القرآني ذات حمولة وظيفية وليست فقط استيطيقية.
جـ- الجزاء:
وهنا يبرز دور المسؤولية والمحاسبة؛ إذ برز أن على الإنسان مسؤولية العمل في ذاته وفي محيطه، وفق قيم الوحي الحاكمة وشرائعه الموجِّهة. وقد زوِّد بالقدرات التي تُمكّنه من الاضطلاع بذلك، وكان الكون قابلاً لفعله مسخرًا له، وكان الوحي مُيَسَّرًا له متستجيبًا لتساؤلاته: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾(النحل:89). فإن ذلك يستتبع المحاسبة التي يُجزى بمقتضاها المحسنون عن إحسانهم، والمسيئون عن إساءتهم. وهذا البناء هو الذي يحرر الشعور المتسامي بالواجب، وهو شعور انزرع في نفوس المسلمين، فأثمر المسلكيات والممارسات التي رفعت، في جمالية صرح الحضارات والثقافات الإسلامية المتنوعة.
وهو ما انتبه إليه الباحث الأمريكي Jason Morgan Fosterr حين قال: “ولأن الواجبات لها مركزية في الاعتقاد والتطبيق الإسلاميين، فإن لغة وبنية الواجبات تطورت في الشريعة الإسلامية، وهما إلى حد بعيد أكثر تركيبًا من الإحالات البسيطة إلى الواجبات التي نراها في الإعلانات العالمية لحقوق الإنسان، فالشريعة الإسلامية عبارة عن مخطط عمل اجتماعي عقلاني المعنى لكل أفعال المسلمين، والتي قد أُطّر مجملُها من مدخل الواجب”(22).
وفي التراث العلمي الإسلامي وفرة من الشواهد تؤكد ما انتبه إليه هذا الباحث. منها ما جاء عن إمامنا مالك  أنه سئل عن طلب العلم أفرض هو؟ فقال: “أما على كل الناس فلا” يعني به الزائد على ما لا يسع المسلم جهله من أركان وغيرها… وقال أيضًا: “أما من كان فيه موضع للإمامة فالاجتهاد في طلب العلم عليه واجب، والأخذُ في العناية بالعلم على قدر النية فيه”(23)، فانظر إلى هذه الدقة في التمييز بين الواجب ومناطه.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش
(1) Kimberly younce schooley, Comment, cultural Sovreignty, Islam and Human Rights, Toward a communitarian Revision.
(2) Abdullah Ahmed An-Naim: Human Right in The Muslim World.
(3) في كتابه Multicultiralism and the politic of recognition
(4) Fernando Teson; International Human Right, and cultural relativism.
(5) Reza Afshari an Essay on islamic cultural relativism in the discourse of Human Rights.
(6) Douglas Hodgson, Individual duty Within a Human Right Discourse pp: 41- 60, 2003.
(7) انظر Jason Morgan Foster كتاب جامعة ييل عن حقوق الإنسان والتنمية 8/69.
(8) Ben Saul, Supra-note 62, at 616.
(99) ومن ذلك الوفرة في الآيات والأحاديث التي واكبت التنشئة والتشريع، من مثل قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾(البقرة:34)، وقوله: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلاَئِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾(ص:72-73)، وقوله صلى الله عليه وسلم عند طوافه بالكعبة: “ما أطيبك وأطيب ريحك، ما أعظمك وأعظم حرمتك. والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك” (رواه ابن ماجة وصححه الألباني في صحيح الترغيب 2/630). وقوله صلى الله عليه وسلم: “كل المسلم على المسلم حرام دمه وعرضه وماله” (أخرجه مسلم رقم الحديث 2564)، وغير ذلك من الآيات الكريمات والأحاديث الشريفة.
(10) جلال الدين السيوطي، حسن المحاضرة في تاريخ مصر والقاهرة 2/10.
(11) من أدلة ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلاَلَةٍ مِنْ طِينٍ﴾(المومنون:122)، وقوله تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ﴾(السجدة:7)، وقوله سبحانه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾(الحجر:26)، وقوله عز وجل: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾(الروم:20).
(12) انظر بهذا الخصوص، كتاب الإسلام وهموم الناس، أحمد عبادي، كتاب الأمة العدد:49، الدوحة 19966م. وانظر أيضًا نماذج عائشة رضي الله عنها، وأبي ذر، والحسين بن علي، وعبد الله بن الزبير من الصحابة رضي الله عنهم، وفي جيل التابعين نماذج سعيد بن جبير، وأبي مسلم الخولاني، وفي جيل أتباع التابعين نماذج أبي حنيفة، ومالك، وسفيان الثوري، وغيرهم.
(133) وفي القرآن الكريم نسيج متكامل في الآيات بهذا الصدد، منها قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلاَ هُدًى وَلاَ كِتَابٍ مُنِيرٍ﴾(لقمان:20).
(14) أحمد عبادي، مفهوم الترتيل في القرآن المجيد: النظرية والمنهج.
(15) كاتخاذ كفار مكة الأصنام واسطةً، وقولِهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللهِ زُلْفَى﴾(الزمر:3).
(16) مفردات ألفاظ القرآن، تحقيق عدنان داوودي، دار القلم، دمشق، الطبعة:3، 1423هـ/2002م، ص:224.
(17) التعريفات، تحقيق الأبياري، بيروت، لبنان، دار الكتاب العربي، ط:1985م، ط:116.
(18) التحرير والتنوير، الشركة التونسية للتوزيع، 3/26.
(19) حرية الفكر في الإسلام، ص:73.
(20) أحمد الريسوني في العيد من حواراته.
(21) الطاهر بن عاشور، أصول النظام الاجتماعي في الإسلام، دار الكتاب، تونس، ط 1977م، ص:162.
(10) YALE, human rights and development, Vol.8 pp.106.
(22) الموافقات، 1/282.
(233) قال ربعي بن عامر تعبيرًا عن المقصد الكلي للإسلام، في جوابه لرستم بعد أن سأله: “لم جئتم؟” قال رضي الله عنه: “ابتُعِثنا لنخرج من شاء من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده…” ابن جرير الطبري، تاريخ الأمم والملوك، دار الفكر، ط1979م، 3/23 فما بعدها، أحداث سنة 14 هجرية.

Leave a Reply

Your email address will not be published.