هبت رياح صرصر عاتية على العالم الإسلامي من جهات العالم الأربع في نهاية القرن الماضي للميلاد، تحمل بذورا على الإنسانية مشؤومة، تنبت الزندقة والإلحاد، وتنكر الغيب وتؤمن بالحس والمادة وتهزأ مما سواهما. وطاشت تحت وطأتها عقول الراشدين الأسوياء، إلا من رحم الله، فمن موافق ومن متجاهل ومن ملفق، وقليل ما هم الذين واجهوا الأعاصير هذه وتصدوا لها بحواجز الإيمان ومعارف القرآن وبما تسلم به عقول الأسوياء من بني الإنسان. ومن هؤلاء النخبة المصطفاة والخيرة المجتباة النابغةُ المتميز، بديع الزمان سعيد النُّورْسِي الذي كان تحطيم مركز وجوده هو المقصود، ومركز الدائرة وسرها المرصود.لقد كرع هذا من حياض القرآن وهديه، وأصاخ السمع للمعارف الجديدة بعقله وقلبه، فشرح الله منه الصدر والفؤاد، وبدأ يجابه المادة بنفس ما تستعمله من سلاح وعتاد، ألا هو المادة والطبيعة والكون والإنسان فأجاد في ذلك أيما إجادة، وأفاد فوائد تربو على الحصر والزيادة. وفي تقديري أن استعماله لهذا السلاح الذي كان يمسك به الخصم هو الذي جعل الشباب يقبلون على رسائله وينتظرون أبكار أفكاره، وواضح أدلته. فثبت الله به الجم الغفير، وكتب لعمله وعطائه البقاء، غضا طريا، تستهديه الأجيال وتستنير به القلوب الظامئة الطامحة إلى أحسن الأحوال.
لقد كان للكون والطبيعة أثر بالغ في نفس النورسي، ويرى في ذلك أدلة حق قاطع، وشهادات صدق ساطع، ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾(الأنفال:42). ففي كل صفحة من رسائله وكتبه يرى قراؤه الكون والطبيعة، فكيف كان أثر هذه الرؤية على نفسه أولا؟

النورسي والكون

إن ظروف وحدته في سجونه وتنقلاته، فتحت على الكون عين بصره وبصيرته، فأصبح يرى ما لا يراه المغمورون في خضم الحياة. وبحكم ما تكنه حناياه ومشاعره من آي القرآن، تولّد لديه إحساس مرهف بهذا الكون من حوله، ففجر طاقات عظيمة جدا، واقتبس نزرا من النماذج الكثيرة الوفيرة التي تبين لنا مدى تأثره وتفاعله بهذا من حوله. يقول رحمه الله: “في إحدى الليالي كنت على ارتفاع عظيم في وكر منصوب على قمة شجرة القطران المرتفعة على قمة من قمم جبل “جام”، نظرت من هناك إلى وجه السماء الأنيس الجميل بمصابيح النجوم، فرأيت أن في القَسَم الوارد في الآية الكريمة: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ﴾(التكوير:15-16) نورا ساميا من أنوار الإعجاز، وشاهدت فيه سرا بليغا لامعا من أسرار البلاغة”.
ويقول: “لقد بقيت منذ شهرين أو ثلاثة وحيدا فريدا، وربما يأتيني ضيف في كل عشرين يوما أو ما يقرب من ذلك، فأظل وحيدا في سائر الأوقات، ففي هذه الجبال الموحية بالغربة، وعندما يرخي الليل سدوله، فلا صوت ولا صدى إلا حفيف الأشجار الحزين، رأيتني وقد غمرتني خمسة ألوان من الغربة…”.
ويقول: “كنت جالسا ذات يوم في الطابق العلوي من فندق “شهر” عقب إطلاق سراحنا من سجن “دنيزلي” أتأمل فيما حولي من أشجار الحور والصفصاف الكثيرة في الحدائق الغناء والبساتين الجميلة، رأيتها جذلانة بحركاتها الراقصة الجذابة تتمايل بجذوعها وأغصانها، وتهتز أوراقها بأدنى لمسة من نسيم، فبدت أمامي بأبهى صورها وأحلاها وكأنها تسبح لله في حلقات ذكر وتهليل. مست هذه الحركات اللطيفة أوتار قلبي المحزون من فراق إخواني، وأنا مغموم لانفرادي وبقائي وحيدا، فخطر على البال فجأةً موسمَا الخريفِ والشتاءِ وانتابتني غفلة، إذ ستتناثر الأوراق وسيذهب الرواء والجمال، وبدأتُ أتألم على تلك الصور الجميلة، وأتحسر على سائر الأحياء التي تتجلى فيها تلك النشوة الفائقة تألما شديدا حتى أغرورقت عيناي واحتشدت على رأسي أحزان تدفقت من الزوال والفراق تملأ هذا الستار المزركش البهيج للكائنات.
ويقول: “بينما كنت على قمة جبل في “بارلا” أيام منفاي، أسرح النظر في أشجار الصنوبر والقطران التي تغطي الجهات، وأتأمل في هيبة أوضاعها وروعة أشكالها وصورها، إذ هب نسيم رقيق حوّل ذلك الموضع المهيب الرائع إلى أوضاعٍ تسبيحات وذِكر جذابة، واهتزازات نشوة شوق وتهليل، وإذا بذلك المشهد البهيج السار يعتصر عبرا أمام النظر، وينفث الحكمة في السمع، وفجأة خطرت ببالي الفقرة الآتية بالكردية لأحمد الجزري ترجمتها:
لقد أتى الجميع مسرعين من كل صوب لمشاهدة حسنك.
إنهم بجمالك يتغنجون،
وتعبيرا عن معاني العبرة بكى قلبي على هذه الصورة،
يا رب إن كل حي يتطلع من كل مكان،
فينظرون معا إلى حسنك،
ويتأملونه في روائع الأرض التي هي معرض صنعك،
فهم كالدعاة الأدلاء ينادون من كل مكان…
من الأرض ومن السماوات العلى إلى جمالك…إلخ.
ويقول في الكلمات: “كنت سارحا في رفقة غربتي أسوح مع الفكر، وأجول مع الخيال والتأمل. فقادتني قدماي إلى سفح رابية مزدانة بالخضرة فرنت إليّ على استحياء من وسط هذا البساط الأخضر زهرةٌ صفراء ساطعة النضرة، وألوت جيدا إليّ تناغيني بود ومحبة، فأثارت مشاعري وأشواقي إلى زهرات مثلها التقيتها في ربوع بلدتي “وان” وفي سائر المدن الأخرى التي كانت تحتضن غربتي مرة بعد أخرى، فانهال هذا المعنى فجأة على قلبي…”.

النورسي بين الكتابين

لقد كان النورسي رحمه الله مرهف الإحساس رقيق المشاعر يقظ الفؤاد نبيه الفكر، رأى الكون والطبيعة من حوله فتأمل فيها بهذا الإرهاف والنباهة. فعكس ذلك على قلبه أفكارا عميقة الغور بعيدة المدى. إنه يرى كل شيء في هذا الوجود من حوله صغيرا وكبيرا، فينظر إلى موضعه وغايته وهدف وجوده ويفجر منه الأحاسيس والأفكار، وقد نثر ذلك في كتابه بما يضيق المقام عنه.
إن القارئ ليشعر أن آيات الكتاب المسطور (القرآن الكريم) تفاعلت في كيانه مع آيات الكتاب المنظور (الكون)، فأبدع أروع الأفكار وأهم الرؤى والآثار، ومِن تتبُّعِ ما كتب نجد أن أكثر ما أثر فيه منظر الربيع بما يضمه ويبتدئ فيه من حياة، ومنظر الخريف، وكيف يتغير فيه وجه الأرض ويستعد للموت، لذلك أكثر جدا من وصف هذا المنظر المؤثر البليغ. علما بأنه تأمل في صغير المخلوقات وكبيرها، من الأرض والسماء انتهاء إلى صغيرها كالأرضة والبعوضة والنحلة والذباب، وتأمَّلَ في النافع والضار، وبيّن حكمة هذه الأضداد في مخلوقات الله وضرورتها وفائدتها.
وإنه في سياحته الكونية، وتقلبه في أحضان الطبيعة في ليلها ونهارها، وفي ظاهرها وباطنها في صغيرها وكبيرها، كان يرى أن هذا الكون مع تباعد أرجائه، واختلاف مادته وأحيائه هو شجرة متناسقة، تؤدي وظيفتها بدقة وإتقان، وتدل على الكبير المتعال. وبهذا الكون أنكر الماديون الخالق ونفوا عالم الغيب وتبلد فيهم الإحساس، فهو بنفس السلاح يحاربهم وبمظاهر هذا الكون وأرجاء الطبيعة يقرعهم ويوقظهم من غفلات جهلهم.

الأرض قصر ضيافة

وكان يرى كذلك أن هذا الكوكب الأرضي قصر منيف، لضيافة الإنسان، يأتيه رزقه رغدا من كل مكان، يقول: “رحمتُك المطلقة التي صيرت الكون في حكم قصر منيف لذوي الأرواح وبخاصة الإنسان”.
ويقول: “إن تجدد المصنوعات الجميلة، وتبدل المخلوقات اللطيفة ضمن الغروب والشروق، وباختلاف الليل والنهار، وبتحول الشتاء والصيف، وتبدل العصور والدهور، كما أنها تدل على وجودِ ذي جمال سرمدي رفيع الدرجات دائم التجلي، وعلى بقائه سبحانه ووحدته، فإن موت تلك المصنوعات وزوالها بأسبابها الظاهرة يبين تفاهة تلك الأسباب وعجزها وكونها ستارا وحجابا ليس إلا، فيُثبت لنا هذا الوضع إثباتا قاطعا أن هذه الخلقة والصنعة وهذه النقوش والتجليات إنما هي مصنوعات ومخلوقات متجددة للخالق جل جلاله الذي جميع أسمائه الحسنى مقدسة بل هي نقوشه المتحولة ومراياه المتحركة، وأختامه المتبدلة بحكمة”.
إنه كرر مرارا في رسائله وأفكاره أن هذا الكون فيه أربعمائة ألف نوع من شعوب النباتات وأمم الحيوانات، يقول في الكلمات: “لو أن جيشا عظيما يضم تحت لوائه أربعمائة ألف نوع من الشعوب والأمم لكل نوع جنس طعامه المستقل عن الآخر، ونمط تدريباته وتعليماته يباين الآخر، ومدة عمله وفترة رخصته هي غير المدة للآخر… فقائد هذا الجيش الذي يزودهم وحده بالأرزاق المختلفة والأسلحة المتباينة والألبسة المتغايرة دون نسيانه أيا منها ولا التباس ولا حيرة لهو قائد ذو خوارق بلا ريب، فكما أن هذا المعسكر العجيب يرينا بداهةً ذلك القائدَ الخارق، بل يحببه إلينا بكل تقدير وإعجاب كذلك معسكر الأرض، ففي كل ربيع يجند مجددا جيشا سبحانيا عظيما مكونا من أربعمائة ألف نوع من شعوب النباتات وأمم الحيوانات، ويمنح لكل نوع ألبسته وأرزاقه وأسلحته ورخصه الخاصة به من لدن قائد عظيم واحد جل وعلا بلا نسيان ولا اختلاط ولا تحير، وفي منتهى الكمال وغاية الانتظام”.
ويقول في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾(البقرة:164): “ما من جرم في الأجرام السماوية إلا ويشهد شهادة على ربوبيتك وإشارة إلى وحدتك بسكونها في أداء وظيفتها بلا ضوضاء وببقائها بلا عمد. وما من نجم إلا ويشهد على عظمة ألوهيتك ويشير إلى وحدانيتك بخلقته الموزونة وبوضعه المنتظم وبتبسمه النوراني وبمماثلته ومشابهته للنجوم كافة. فهذه السماوات الصافية الطاهرة الجميلة تدل دلالة ظاهرة على هيبةِ وعظمة قدرتك المبدعة، وتشير إشارة قوية إلى سعة حاكميتك المحيطة بالسماوات الشاسعة، وإلى رحمتك الواسعة المحتضِنة لكل ذي حياة، وتشهد بلا ريب على شمول حكمتك لكل فعل وعلى إحاطة علمك بكل شيء المنظِّمين في قبضتهما جميعَ شؤونِ وكيفيات جميع المخلوقات السماوية بأجرامها التي هي في غاية الضخامة وفي غاية السرعة، وبإظهارها أوضاعَ جيش منظم ومهرجان مهيب مزين بمصابيح وضاءة، فتلك الشهادة والدلالة ظاهرتان جليتان، كأن النجوم كلماتُ شهادة للسماوات الشاهدة ودلائلها المتجسمة النورانية. أما النجوم السابحة في بحر السماوات وفي فضائها فإنها تُظهر شعشعةَ سلطانِ ألوهيتك بأوضاعها المماثلة لجنود منصاعين وسفن منتظمة وطائرات خارقة ومصابيح عجيبة، ورفيقات شمسنا التي هي نجمة من ذلك الجيش ترنو إلى عوالم الآخرة، وليست معطلة بدلالة وظائف الشمس سياراتها وفي أرضها ولربما هي شموس عوالم باقية.
ويقول في تفسير ﴿حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾(آل عمران:173): “إنك تستند بهوية الانتساب الإيماني إلى سلطان عظيم ذي قدرة مطلقة بحيث يجهِّز بانتظام تام في كل موسمِ ربيع على سطح الأرض جميعَ جيوش النباتات والحيوانات المتشكلة من أربعمائة ألف من الأمم والطوائف بالأعتدة والأجهزة اللازمة، فيجدِّد ملابسَ جيشه العظيمة وهي الأشجار والطيور ملابسَ جديدة مبدِّلا أنواطهما وشاراتهما حتى إنه يبدل لباس الجبل ونقاب الصحراء مثلما يبدل فساتين الدجاج اللطيفة وأثواب الطيور الجميلة ويوزع جميع أرزاق الجيش الهائل للأحياء، وفي مقدمتها الإنسان”.

الجندية الكونية

إنه كان يقيم من كل ذرة من ذرات هذا دلائل على التوحيد وعظمةِ الخالق وبديع صنعه وكريم عنايته بالإنسان سيد هذا الوجود، وأن أسماءه الحسنى المقدسة تتجلى في هذا الكون، ويشرح ذلك بتطويل وتفصيل ويتحدى المادية والماديين ومذهبهم.
ويقول في بيان الحاكمية المطلقة: “إن من ينظر بنظرة واسعة فاحصة إلى الكون يرى أنه بمثابة مملكة مهيبة جدا في غاية الفعالية والعظمة، وتظهر له كأن مدينة عظيمة تتم إدارتها إدارة حكيمة وذات سلطنة وحاكمية في منتهى القوة والهيبة، ويجد أن كل شيء وكل نوع منهمكٌ ومسخر لوظيفة معينة، فالآية الكريمة: ﴿وَلِلهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾(الفتح:4)، تشعر بمعاني الجندية في الموجودات التي تتمثل ابتداءً من جيوش الذرات وفرق النباتات، وأنواع الحيوانات إلى جيوش النجوم كل أولئك جنود ربانية مجندة لله، فنجد في جميع أولئك الموظفين الصغار جدا وفي جميع هؤلاء الجنود المعظمة جدا سريانَ الأوامر التكوينية المهيمنة، وجريانَ الأحكام النافدة وقوانينَ الملك القدوس مما يدل دلالة عميقة بالبداهة على وجود الحاكمية المطلقة والآمرية الواحدة الكلية”.
وفي تفسير قوله تعالى ﴿فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾(الروم:17) يقول: “إن عقارب الساعة التي تَعُد الثواني والدقائق والساعات والأيام كل منها يناظر الآخر ويمثل الآخر ويأخذ كل منها حكم الآخر، كذلك في عالم الدنيا الذي هو ساعة إلهية كبرى، فإن دوران الليل والنهار الذي هو بحكم الثواني للساعة والسنوات التي تعد الدقائق، وطبقات عمر الإنسان التي تعد الساعات، وأدوار عمر العالم التي تعد الأيام كل منها يناظر الآخر ويماثله ويذكر كل منها الآخر ويأخذ حكمه. ووقت الفجر إلى طلوع الشمس يشبه ويذكّر ببداية الربيع وأوله، وبأوان سقوط الإنسان في رحم الأم… وأما وقت الظهر فهو يشبه ويشير إلى منتصف الصيف وإلى عنفوان الشباب وإلى فترة خلق الإنسان في عمر الدنيا… وأما وقت العصر فهو يشبه موسم الخريف وزمن الشيخوخة… وأما وقت المغرب فإنه يذكّر بغروب أغلب المخلوقات وأفولها نهاية الخريف ويذكّر أيضا بوفاة الإنسان… وأما وقت العشاء فيذكر بغشيان عالم الظلام وستره آثارَ عالم النهار بكفنه الأسود… وأما وقت الليل فإنه يذكر بالشتاء وبالقبر وبعالم البرزخ فضلا على أنه يذكر روح الإنسان بمدى حاجتها إلى رحمة الرحمن… وأما التهجد في الليل فإنه يذكر بضرورة ضياء ليل القبر، وظلمات عالم البرزخ وينبه ويذكر بنعم غير متناهية للمنعم الحقيقي عبر هذه الانقلابات، ويعلن عن مدى أهلية المنعم الحقيقي للحمد والثناء… وأما الصباح الثاني فإنه يذكر بصباح الحشر… نعم، كما أن مجيء الصباح لهذا الليل ومجيء الربيع لهذا الشتاء معقول وضروري وحتمي، فإن مجئ صباح الحشر وربيع البرزخ هي بنفس القطعية والثبوت”.
ويقول: “لقد أحصيتُ ذات يوم عناقيد ساق نحيفة لعنب متسلق بغلظ أصبعين -تلك العناقيد التي هي معجزات الرحيم ذي الجمال في بستان كرمه- فكانت مائة وخمسين عنقودا، وأحصيت حبات عنقود واحد منها فكانت مائة وعشرين. فتأملت وقلت: لو كانت الساق الهزيلة خزانة ماء معسل وكانت تعطي باستمرار، لما كانت تكفي أمام لفح الحرارة ما ترضعه لمئات الحبات المملوءة من شراب سكر الرحمة، والحال أنها قد لا تنال إلا رطوبة ضئيلة، فيلزم أن يكون القائم بهذا العمل قادرا عن كل شيء. فسبحان من تحير في صنعه العقول”.
الطبيعة مطبعة مثالية لا طابعة
إن الطبيعة عند الإمام النورسي مطبعة مثالية وليست طابعة، هي نقش لا نقّاش، قابلة للانفعال لا فاعلة، مسطر لا مصدر، نِظام لا نظّام، قانون لا قدرة، شريعة فطرية لا حقيقة خارجية. وإن رؤيتها غيرَ ذلك جُموحٌ ومادية، والفلسفة المادية طاعون معنوي، حيث سبّب في سريانِ حمىً مدهشةٍ في البشرية، وعرّضها للغضب الإلهي، وكلما توسعت قابلية التلقين والنقد توسع ذلك الطاعون أيضا.

أفكار جديدة لم يسبق إليها

إن الإمام النورسي قد فتح الله عليه بأفكار جديدة ورؤى سديدة لا يجدها الباحث عند سواه، ولم يسبقه إليها أحد ممن نحا منحاه؛ فمن ذلك إبرازه لحكمةِ وإعجازِ قَرن الأرض بالسماوات في القرآن الكريم إذ يقول: “إن الإنسان الذي هو ألطفُ ثمرة العالم، ومعجزة جامعة من معجزات القادر الحكيم وأبدعُ المخلوقات وأعزها وألطفها، مع أنه أعجزها وأضعفها، هذا الإنسان يعيش على هذه الأرض. فالأرض إذن مهد لهذا الإنسان -مع صغرها وحقارتها قياسا إلى السماوات- عظيمةٌ وجليلة من حيث المعنى والمغزى والإبداع، حتى أصبحت -بالمنظور القرآني- موضعَ تجلي الأسماء الحسنى كلها، حتى إنها البؤرة الجامعة لتلك الأنوار، ومحشر الأفعال الربانية المطلقة ومرآتها، وسُوق واسع لإبراز الخلاقية الإلهية المطلقة، ولاسيما إيجادها الكثرةَ الهائلة من النباتات والحيوانات الدقيقة بكل جود وكرم، ونموذج مصغر لمصنوعات عالم الآخرة الواسعِ الفسيح، ومصنع يعمل بسرعة قصوى لإنتاج منتوجات خالدة، وموضع عرض لنماذج المناظر السرمدية المتبدلة بسرعة فائقة، ومزرعة ضيقة مؤقتة لاستنبات بُذَيراتٍ تربى بسرعة للبساتين الخالدة الرائعة. لهذا كلِّه يجعل القرآن الكريم الأرضَ صنوا للسماوات من حيث عظمتها معنىً وأهميتها صنعة، وكأنها ثمرة صغيرة لشجرة ضخمة، وكأنها قلب صغير لجسد ضخم فيذكُرها القرآن الكريم مقرونة بالسماوات، فهي في كفة والسماوات كلها في كفة، فيكرر الآية الكريمة ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾(ص:66).

حول مفهوم الموت والعدم

ومن ذلك رؤيته أن الموت والاندثار الذي يصيب في الخريف مخلوقاتِ الربيع والصيف الجميلة ليست فناء نهائيا، وإعداما أبديا، وإنما هو إعفاء من وظائفها وتسريح منها، وهو إفساحُ مجال وتخلية مكان لما سياتي في الربيع الجديد من مخلوقات جديدة، فهو تهيؤ وتهيئة لما سيحل من الموجودات المأمورة الجديدة، وهو تنبيه رباني لذوي المشاعر الذين أنْستهم الغفلة مهامهم، ومنعهم السكر عن الشكر. والدنيا شجرة رائعة ترسل ثمارها إلى سُوق الآخرة.
لقد كان النورسي يرى تجدد الربيع -وهو في غربته وتأمله- أطباقَ كرم إلهي تأتي الإنسان بما فيه بقاؤه واستمراره. يقول في الشعاعات: “فما إن يحل الربيع حتى ترى الرحمة تزين الأشجار والنباتاتِ المثمرة وتُلبسها ثيابا خضراء كأنها حور الجنة، وتسلم إلى أيديها أنواعا مختلفة من ثمار شتى وتقدمها إلينا قائلة: “هاكم كلوا وتفكهوا” وتراها تطعمنا عسلا مصفى شافيا لذيذا تصنعه حشرة سامة، وتُلبسنا حريرا ناعما تنسجه حشرة بلايد، وتدخر في حفنة من بذيرات وحبوب آلافَ الأطنان من الغذاء وتُحوِّلها إلى كنوز احتياطية لنا. انظر إلى قافلة مهيبة تنطلق من الغيب مقبلةً علينا، فهي قافلة تحمل صحون أرزاق الأحياء، قافلة النباتات في الربيع… ثم انظر إلى ذلك المصباح الوضيء المعلق في قبة المملكة فهي تنير الجميع وتنضج المأكولات بخيط دقيق والمعروضة أمامه بيد غيبية (إشارة إلى أغصان الأشجار وثمارها). ألا تلتفت معي إلى هذه الحيوانات النحيفة الضعيفة العاجزة كيف يسيل إلى أفواهها غذاء لطيف خالص من مضخات متدلية فوق رؤوسها (الأثداء) وحسبها أن تلصق أفواهها بها”.
إنه بعد أن تحدث طويلا وتفصيلا بتؤدة وتأن عن الكون والطبيعة في رسائله وكلماته وشعاعاته وغيرها كان يقول: “لذا فإن جميع الآثار والمخلوقات والمصنوعات في هذا الكون كله تدل بوجودها غير المحدود دلالة قاطعة على وجود أفعالِ خالقها وصانعها وفاعلها وعلى وجود أسمائه وعلى وجود أوصافه وعلى وجود شؤونه الذاتية وعلى وجوب وجود ذاته المقدسة جل جلاله. يتجلى عنوان من عناوين اسم من الأسماء الحسنى في كل عالم من عوالم الكون وفي كل طائفة من طوائفه ويكون ذلك الاسم حاكما مهيمنا في تلك الدائرة، وبقية الأسماء تابعة له بل مندرجة فيه”.

الإنسان الانسجامي

وإذا عرف الإنسان ربه بدلائل التوحيد وبديع الصنع، فما هي الغاية من ذلك؟ إن الإمام النورسي يأخذ بيد العارفين رويدا، فكما أقام لهم الأدلة من المادة والكون على الله تعالى وأسمائه وصفاته يدلف إلى ضرورة الانسجام مع تعاليم الخالق وأوامره ونواهيه. يقول رحمه الله: “الأمر في الشجرة المسماة بالكون التي تمثل العناصرُ أغصانَها، وما في نهايات تلك العناصر من أوراق وأزاهير تمثل النباتات والحيوانات، وما في قمم تلك الأغصان وفي ذروة تلك الأزاهير والأوراق من ثمرات تمثل الإنسان، فإن أجلّ نتائج سعي تلك الثمرات البديعة ونتيجة خلقته، هي العبودية لله وتقديمُ الشكر والحمدِ لله وحده، ولاسيما ما ينطلق من تلك النوى الجامعة لتلك الثمرات، تلك هي قلوب البشر وقواهم الحافظة المسماة بظهر الغيب، لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يدعها سبحانه لاغتصاب الأغيار فيهون من شأن عظمة ربوبيته وعزتها مخلا به معبوديته، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا”.
ويخاطب الغافلين السادرين بقوله: “يا هذا! ارفع رأسك وانظر إلى غرائب الصنعة وبدائع الخلقة للفعال القدير الذي يريد أن يعرّف نفسه لعباده، فكما أنك لست طليقا سائبا مفلت الزمام في هذا الوجود، فلن تكون هذه الحوادث سدى ولا عبثا، بل كل منها تشتاق إلى وظائف حكيمة بخضوع واستسلام، وكل منها يُستخدم من لدن رب حكيم”.

الأسباب ليست إلا ستائر

إنه ينعى على الماديين الذين ركنوا إلى المادة وتوجهوا إليها بإجلال وعبادة فيقول: “أيها الغافل الغارق في عبادة الأسباب! اعلم أن الأسباب ليست إلا ستائر أمام تصرف القدرة الإلهية، لأن العزة والعظمة تقتضيان الحجاب، أما الفاعل الحقيقي فهو القدرة الصمدانية، لأن التوحيد والجلال يتطلبان هذا، ويقتضيان الاستقلال”.
لقد أقام الدلائل من الموجودات على أن هذه الموجودات -غير الإنس والجن- خاضعة مسبحة لله تعالى لا تخرج عن أمره وإرادته، فلهذا يرى أن هذا العاقل خلاصة الكون يجب أن لا يكون أقل من باقي المخلوقات طاعة وخضوعا وشكرا وعبادة لله، ولهذا خلق الجن والإنس ليجعلوا الأرض مسجدا ومكانا للتهليل والتقديس في كل حركة من حركاتهم وتصرف من تصرفاتهم.
يقول رحمه الله: “يا رب الأنبياء والصديقين! إن أولئك جميعا مسخرون وموظفون في ملكك أنت، وبأمرك وقدرتك أنت، وبإرادتك وتدبيرك أنت، وبعلمك وبحكمتك أنت، وقد أظهروا الكرة الأرضية بالتقديس والتسبيح والتكبير والتحميد والتهليل في حُكمِ أعظم مكان لذلك، وأبرزوا الكون في حكم أكبر مسجد للعبادة”.
ويعرّض بالجاحدين الملحدين، وأن الإنسان خلق لغاية سامية وحكمة عالية فيقول: “فيا نفسي الغافلة! إن كنت تريدين أن تفهمي شيئا من غاية حياتك فإن مجملها تسعة أمور:
أولها: القيام بالشكر الكلي، ووزنُ النعم المدخرة في خزائن الرحمة الإلهية بموازين الحواس المغروزة في جسمك.
ثانيها: فتح الكنوز المخفية للأسماء الحسنى بمفاتيح الأجهزة المودعة في فطرتك، ومعرفة الله جل وعلا بتلك الأسماء الحسنى.
ثالثها: إعلان ما رَكبت فيك الأسماءُ الحسنى من لطائف وتجليات وبدائع صنع، وإظهارُها أمام المخلوقات بعلم وشعور.
رابعها: إظهار عبوديتك أمام عظمة ربوبية خالقك بلسان الحال والمقال…” إلى أن يقول: “تاسعها: إدراك درجات القدرة الإلهية والثروة الربانية المطلقتين بموازين العجز والضعف والفقر والحاجة المنطوية في نفسك…”. ويطيل الحديث في ذلك رحمه الله.
وأختم بنظراته للحياة الدنيا وعلاقة الإنسان بها وقد كررها في عديد من مكتوباته: “… واعلم أنها دار ضيافة وأنت فيها ضيف مكرم، فكلْ واشرب بإذن صاحب الضيافة والكرم، وقَدِّم له الشكر ولا تتحرك إلا وفق أوامره وحدوده، وارحل عنها دون أن تلتفت إلى ما وراءك، وإياك أن تتدخل بفضولٍ بأمور لا تعود عليك ولا تفيدك بشيء، فلا تغرق نفسك بشؤونها العابرة التي تفارقك”.
وختاما فقد كان الإمام النورسي رحمه الله متفاعلا مع الكون بكل أبعاده، متأثرا شديد التأثر بمظاهره وأحيائه، يرى المنظر فيَترك في فكره ونفسه أعظمَ الأثر.
وكانت شدة التأثر للكون والطبيعة تريه يد القدرة الإلهية في كل شيء، وجمالُ الوجود يُظهر له حكمةَ الخالق وجماله وجلاله في كل شيء، فجَعَل الكونَ والطبيعة شهبَ أدلةٍ للملحدين وأنوارَ هداية للراغبين، فكان في هذا الباب مجدِّدا فذا، وإماما متميزا رائدا يقود الظامئين لتحقيق العبودية بين يدي رب العالمين، وإن أدلة التوحيد التي ساقها حَرِيَّة بالدرس والبحث، لأنها لا تزال بنت عصرنا وحاجة دهرنا، فرحمه الله رحمة واسعة في جنان الخلد مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
_______________
المصادر
(1) الكلمات، لبديع الزمان سعيد النورسي، ترجمة: إحسان قاسم الصالحي، دار سوزلر للنشر، القاهرة، 2003م.
(2) المكتوبات، لبديع الزمان سعيد النورسي، ترجمة: إحسان قاسم الصالحي، دار سوزلر للنشر، القاهرة، 2003م.
(3) الشعاعات، لبديع الزمان سعيد النورسي، ترجمة: إحسان قاسم الصالحي، دار سوزلر للنشر، القاهرة، 2003م.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.