يعجب المرء حينما يرى بعض النساء يجرين وراء الموضات التى قد تأتينا من الغرب، أو قد يروِّج لها بعض المنتسبين إلى ذوي الحجي والرأي، حينما يشيرون على المرأة بأن تعهد لبعض الأمهات البديلة لرضاعة الطفل وتربيته، كي تحافظ المرأة على صحتها ورونقها، وتتفرغ لحياتها وجمالها ومتعتها! وهل يمكن أن تحظى مثل هذه السيدة بلقب الأم؟

ومن جهة ثانية فالرضاعة تفيد الأم ولا تضرها إلا في أحوال شاذة. فقد لوحظ أن الرضاعة تعمل على تحسين الحالة الصحية العامة للمرضع، حيث إنها تعمل على تنشيط الجهاز الهضمي، وحمله على العمل للحصول على المواد الغذائية اللازمة للمولود، وذلك فوق ما تفيده الرضاعة في شكل ووظائف الجهاز التناسلي للمرأة؛ إذ إنها تعمل على إعادة الرحم uterus إلى أوضاعه الطبيعية بعد عملية الولادة. أما فطام الطفل فيتم بشكل تدريجي، ويمكن أن يُفطم الصغير لأقل من عامين من ولادته، إذا كانت حالته الصحية تتحمل ذلك، إما إذا كان لا يستسيغ الطعام الخارجي ولا تُعاوِنُه صحته على تحمل الفطام فيجب استمرار إرضاعه لمدة حولين كاملين كما تشير الآية الكريمة، وبعدهما يمكن أن يستغنى استغناء كاملاً عن لبن الأم.

هذا، وتستمر الغدد الثديية mammary glands في النمو خلال فترة الحمل، وفى الوقت الذي يتم فيه ولادة الطفل، تبدأ هذه الغدد في إنتاج اللبن. ومِن ثمَّ يجب أن تتم تغذية الوليد من صدر أمه بعد 6 ساعات من ولادته، وهنا لا بد من التأكيد على أن أفضل غذاء للطفل هو لبن أمه.

وكما أن الرضاعة الطبيعية هامة جدا بالنسبة للطفل فإنها كذلك تُريح الأم، كما أنها تُقوى الرابطة بين الأم ووليدها وتُبقى عليها. ولخطورة الرضاعة وأهميتها يسمى القرآن الكريم المرأة التى تُرضع طفلا ليس ابنها: أمه “في الرضاعة”، وكذلك الأخوة والأخوات في الرضاعة، ويترتب على ذلك شرعًا ما يترتب على الأم الحقيقية والأخوة الحقيقيين، من أحكام فقهية، خاصة ما يتعلق منها بالزواج والنسب والمصاهرة.

هذا، ويمكن التأكيد هنا -من الناحية العلمية والطبية- أن الرضاعة الطبيعية لها كثير من الفوائد الصحية والنفسية والاجتماعية، سواء بالنسبة للطفل الرضيع، أو لأمه المُرضع، أو للمجتمع الذى سينشأ فيه هذا الطفل، فيشبَّ سليمًا معافى من النواحي الصحية الجسمانية، والنفسية (السيكولوجية)، والاجتماعية، والتى أشرنا إلى بعضها آنفا، ونشير إلى البعض الآخر فيما يلى.

أهمية الرضاعة الطبيعية بالنسبة للطفل

لبن الأم مناسب جدا للطفل من ناحية التركيب الكيميائي، فألبان الثدييات المختلفة تتباين تباينًا كبيرًا في نسب عناصرها الغذائية المختلفة، وكل منها مناسب لما خُلِقَ من أجله. ومِن ثمَّ فلبن الأم، الذي يعمل على نمو الطفل من الناحية الجسمية والعقلية والنفسية، مناسب له تمامًا، لا يعوضه عنه أي نوع آخر.

تمثل الرضاعة في الثلاثة الأيام الأُوَل من عمر الطفل أهمية كبيرة؛ إذ إن لبن أمه في هذه الفترة يحتوي على أجسام دفاعية مضادة للأمراض المنتشرة في بيئة الطفل وأمه، وغني عن البيان أن أمراض الإنسان تختلف كثيرًا عن أمراض الحيوان، ومِن ثَمّ تتوافر هذه الأجسام المضادة بالمعايير المضبوطة التى تكفُل حماية الطفل في لبن أمه. فاللبن في هذه الفترة الأولى من حياة الوليد يسمى لبن المسمار colostrum أو (السرسوب)، ويكون على هيئة سائل غليظ أصفر اللون به الكثير من البروتينات حيث يحتوي على نسبة كبيرة من الجلوبيولينات globulins   والقليل من الدهون واللاكتوز lactose سكر اللبن الثنائي، ومن ثم يختلف في قوامه وتركيبه الكيميائي عن اللبن المعتاد اختلافًا كبيرًا، وبعد ذلك يبدأ إفراز اللبن بصورته الطبيعية.

تناوُل الطفل غذاءه من صدر أمه مباشرة يمثل أعلى درجات الضوابط الصحية من حيث عدم تدخّل أية وسائط من نقل أو تداول من أي نوع، يمكن أن تتسبب في تلويثه أو تغيير تركيبه؛ فهو يتناوله من المنبع، طازجًا مُعقمًا بدرجة حرارة مناسبة بقدرة الله تعالى.

يحتوي لبن الأم على معدلٍ عالٍ من تركيز عنصر الحديد، مقارنا بغيره من ألبان الحيوانات، وهذا العنصر ضروري لتكوين كريات الدم الحمراء.

لبن الأم سهل الهضم بالنسبة للطفل لاحتوائه على نسبة منخفضة من الدهون بالمقارنة بألبان الحيوانات خاصة لبن الجاموس والبقر وغيرها، كما أنه يحتوي على أنواع مناسبة من البروتينات.

يقل حدوث مرض الكساح عند الأطفال في حالة رَضاعتهم الطبيعية من لبن أمهاتهم.

يزيد معدل نمو الطفل بانتظام حال رضاعته الطبيعية، كما ينام نوما هادئا.

يحتوي لبن الأم على إنزيم الليبيز lipase، الذي يساعد على هضم الدهون.

لوحظت زيادة عامة في المناعة، مع قلة حدوث النزلات المعوية في الأطفال الذين يتناولون لبن أمهاتهم، ومِنْ ثمَّ تقل نسبة الوفيات بينهم.

أما أهمية الرضاعة بالنسبة للأم فتتمثل فيما يأتي:

إن من تقوم بواجبها في إرضاع فلذة كبدها إنما تقوم بذلك في المقام الأول إرضاء لربها، وتمشيا مع فطرتها السليمة ولها الأجر من الله عز وجل.

تقل معدلات حدوث حالات أورام الثدي في النساء اللائي يرضعن أولادهن، مُقارنة بمن لا تقُمْن بهذا الواجب.

وُجِدَ أن من تقوم بإرضاع وليدها تعمل في الوقت ذاته على تنظيم نسلها بطريقة طبيعية لا رَهَقَ فيها ولا تكلفة ، إذ إن عملية مَصِّ حلمة الثدي التى يقوم بها الطفل في أثناء الرضاعة، تعطى إشارة للفص الأمامي من الغدة النخامية، لإفراز هرمون البرولاكتين prolactin، الذى يعمل على إنتاج وإدرار اللبن ، وفى الوقت نفسه يعمل على إعاقة إفراز هرمون آخر، وظيفته تنشيط المبيض لإفراز بويضات جديدة، ومِنْ ثمَّ فإن الرضاعة الطبيعية في معظم النساء تعمل على التنظيم الطبيعي للنسل، ومن ثم َّ توفِّر عنت البحث عن وسائل أخرى، قد يكون ضررها أكثر من نفعها ، لاسيما حينما تكون هذه الوسائل غير مُناسِبة.

تعمل الرضاعة الطبيعية على تحفيز الفص الخلفي للغدة النخامية لإفراز هرمون أوكزيتوسين oxytocin، الذي يعمل بدوره على انكماش الرحم، ومن ثمَّ عودته إلى حجمه الطبيعى بسرعة، عقب عملية الولادة.

يسبب الإرضاع في معظم الأحيان انقطاع الطمس في المرأة المُرضِع، فيؤدي ذلك على راحة الأعضاء التناسلية في المرأة خلال هذه الفترة.

أهمية الرضاعة الطبيعية بالنسبة للمجتمع

إن الرعاية الوالدية سِمة تميز حياة جميع الكائنات الثديية؛ خصوصا الإنسان الذي تتمتع صغاره بأطول فترة طفولة، بالمقارنة إلى الحيوانات الثديية الأخرى، وما كان ذلك إلا لتأصيل وتنمية الجوانب التربوية والنفسية والسلوكية والاجتماعية، جنبًا إلى جنب مع التكوينات الجسمية والبدنية وما يتعلق بها من وظائف الأعضاء.

إن التقام الطفل ثدي أمه، وعلاقته المباشرة بها، وحضنها الدافئ، وضمّاتها الحنونة، لا يغنى عن كل ذلك أي شيء آخر، فإن هذا يمثل بالنسبة له إشباعًا نفسيًّا وعاطفيا، يؤثر عليه طوال عمره بعد ذلك، ويجعله يشب عن الطوق سليما معافى من الناحية الصحية والنفسية والوجدانية. فيستقبل المجتمع أفرادا لا يعانون من أمراض سوء التغذية، أو من الأمراض النفسية، أو يحسُّون بنقص في الإشباع العاطفي والوجداني، مما يشوه نفسياتهم ويلجئهم لسلوكيات شاذة وتصرفات مُخذية، قد تعود في النهاية بالضرر على المجتمع.