في المسافة الفاصلة بين الحلم العنيد، وبين الأبواب التي لا تستجيب لطرقه المتواصل، بين جرحه والوطن، بين الأخذ والعطاء، بين الهوية والاغتراب، بين الحب والكره، بين الوفاء والنكران، بين كل المتناقضات، عليه أن يصوغ قرارًا قابلاً للسير فوقه بأقل الخسائر عليه أن يكون الضحية والجاني، أن يكون المتهم والحَكم، أن يكون الظالم والمظلوم عليه، أن يعرف كيف يدقق الحكم ويخلص للحل في معادلة أحد طرفيها الوطن بأسره وبالطرف الآخر هو الذي وقف عند عتباته في آخر محاولة له للتصالح معه.

كيف يحكم في علاقته بينه هو الجزء وبين وطنه الكل؟ كيف يجرد الحقوق والواجبات ويفصل بين التهم ويتقاسمها معه وأن يكون في أحكامه على الحياد؟ فكر مليًّا بأن يتنكر له وأن يقوم ببناء وجهة أخرى، ويولي وجهه شطر عالم آخر ربما يعترف به ويضمد خيباته المتلاحقة، فكر في أن يُغَيب وعيه الذي تراكم لسنين وأن يخرص قلبه وضميره لينتصر لأحقاده الصغيرة التي نبتت مع كل انهزام في معركة إثبات الذات وإيجاد موطئ مشرف بهذا الوطن.

بدأ يتنصل من كل المشاعر النبيلة التي تعيقه حاول نسيان التاريخ وأناشيد حب الوطن وصور جباله وتلاله ومبانيه، حاول تلوين الصورة بالسواد ليسهل معها اتخاذ القرار، بدأ يبني قرار التخلي والهروب متعذرًا بألف حجة وألم، واستعرض كل انكسار وكل احتياج وكل استصغار واحتقار بالوطن، وأنه المتخلي الأول والسن بالسن والبادئ أظلم، ولسان حاله يقول لم آخذ لأعطي ولم تفتح لي الأذرع لأعانق خانني الوطن قبل أن أخون، وباعني قبل أن أبيع وتركني عاريًّا على قارعات الأماني أتطلع لحقوقي كحلوى العيد على واجهات المخابز يسيل لعاب الفقير أمامها اشتهاء وقهرا، لكل هذا فكر في التخلي والابتعاد وفي أن يبيع عقله لغير موطنه وأن ينسى إيمانه وأن يعيش لنفسه أخيرا بأن يترك، كل متعلقات بلده في صندوق يرميه بعيدًا بآخر طريق يمكن أن تمتد إلى موطئه الجديد، وأن يقطع كل الحبال التي تجر أوصاله نحو مولده وبدايته، فكر وفكر فقتل كيف قدر إذ أنه كالأسماك التي تموت خارج أوطانها خلق ليتنفس بوطن واحد لهذا أصابه الانهيار وأكلته الغربة وغيرت تقاسيم وجهه التي نسيها مع تعاقب السنين بعيدًا عن مياه الوطن وعن دفء قلبه الذي صار فارغًا بعد خيانته، لذلك الامتداد العظيم في عروقه، صار عمره شاحبًا في البعد، قصيرًا بقصر عطائه وقبيحًا بقبح ذنبه، وصامتًا كالألواح المعلقة بالمتاحف تجاور الموتى، باردًا كالجفاء وقاسيًّا كرمال صحراء، كان خذلانه قاتلاً، وها هو قد مات أخيرًا وهو يحتسي أكواب ندم بآخر المحطات، الوطن لنا كالجسد يحمل أرواحنا، إن هي الروح غادرت الجسد ماتت…

 

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.