خلال سنوات الدراسة، كنت أستغرب عندما أسمع بعض الأساتذة يقولون “هذا العضو لا وظيفة له” أو هو “زائد ضامر لا فائدة منه، ويمكن استئصاله دون مشاكل”.. فكنت أقول في نفسي “لماذا يخلق الله عضوًا بلا فائدة ولا وظيفة؟”. سنحاول عبر هذه السطور إلقاء الضوء على بعض الأمثلة التي لا زال يرد العلماء أنها بلا فائدة بينما الواقع العلمي يؤكد خلاف ذلك.

الزائدة الدودية

عند دراسة جهازنا الهضمي يرتبط ذكر “الزائدة الدودية” (Appendix) بأنها “بلا وظيفة”، وعند استئصالها -جراحيًّا- يقال إنها بلا فائدة وتتعرض للالتهاب/الانفجار. ولكن مع حلول عام 1997 تبيَّن أن للزائدة دورًا تقوم به كجهاز مناعي للبالغين، حيث تولّد الأجسام المضادة بإيواء البكتيريا النافعة، وتقدّم الدعم لنموها، وربما إعادة التلقيح من القولون في حال اكتمال تطهير محتويات الأمعاء بعد التعرض لنوبات إسهال أو مسببات أمراض، إنها بمثابة منزل آمن للبكتريا المفيدة والمتعايشة.
“الزائدة الدودية قد تنقذ حياتك” عنوان مقال الدكتور “بيل باركر”، نشرته مجلة “ساينتيفك أميريكان” في شهر يناير عام 2012، وجاء فيه: “إن البكتريا التي تؤويها الزائدة الدودية تتصدى للهجوم البكتيري كالكوليرا وغيرها”. كما أن لها أهمية مناعية للأجنة بدءًا من أسبوعها الحادي عشر من عمرها حسبما أوضح “لورين مارتن جي”، أستاذ علم وظائف الأعضاء بجامعة ولاية “أوكلاهوما”. وقد أظهرت دراسات سريرية بمستشفى جامعة “وينثروب”، أن الذين تم استئصال زائدتهم الدودية، أكثر عرضة -مقارنة بالأصحاء- للإصابة بهجوم بكتيري مُمرض.
“وليام باركر” الباحث في علم المناعة في المركز الطبي بجامعة “ديوك”، يذكر في مقالة نشرتها مجلة “لايف ساينس”: “حان الوقت لتصحيح الكتب المدرسية من النصوص البيولوجية التي لا تزال تشير للزائدة الدودية باسم عضو أثري ضامر”.

أضراس العقل

تَظهر ضروس العقل (Wisdom Teeth)، ما بين السادسة عشر والخامسة والعشرين من عمر الإنسان. ووفق التطوريين “تنمو متأخرة، ولا فائدة منها لطحن الطعام، ونموها يسبب مشاكل لعدم تناسبها مع حجم الفك الصغير نسبيًّا عن حجم نظيره في أسلاف البشر. كما يؤكدون أن “البشر القدامى كانوا يأكلون كميات كبيرة من النباتات بسرعة، فكان لدينا مجموعة إضافية من الأضراس، وعند تطور العادات الغذائية، أوقف الانتخاب الطبيعي قدرتنا على هضم السلليلوز، ونما الفك بشكل أصغر، فلا لزوم لأسنان العقل”، لذا يتم التخلص منها -جراحيًّا- بنسبة كبيرة.
لكن الدكتور “برايس” وفريقه، قاموا بدراسة نمط التغذية في جماعة عرقية منعزلة بـ”جزر تونجا” قبل الحرب العالمية الأولى، تعتمد في غذائها على الأطعمة الطبيعية، ثم بعد الحرب تغير نمطها الغذائي إلى أغذية لينة ومصنعة (نشا، وسكر، ودقيق أبيض ناعم ..إلخ) بدلاً من جوز الهند المجفف، فظهر الجيل الثاني يعاني من انحشار ضروس العقل. كما أوضحت دراسات عدة، عدم وجود “أدله جينية” تتجه نحو القضاء على أضراس العقل كما يروج التطوريون، بل تبين حدوث مضاعفات معهودة بسبب خلع هذه الضروس وفَقْد رصيدها الهام.

العصعص

العصعص (Os Coccygis) عظم ناتج عن اندماج الفقرات السفلية الأربع من العمود الفقري، يلي العجز. إن العصعص أو “عجب الذنب” جزء حيوي يعمل كنقطة ارتكاز مستقرة مع عظام وأربطة وعضلات ومحتويات منطقة الحوض. وهام لاستقامة المشي، ولامتصاص صدمات القعود والوقوع، كما أنه بنية داعمة لوزن الجسم عند الجلوس والميل للخلف، أما سطحه الخلفي فيدعم ويثبت عضلات فتحة الشرج.

العضلات الناصبة للشعر والقشعريرة

العضلات المُقِفّة للشعر: عضلات صغيرة مُرتبطة بجريبات الشعر في الثدييات، ويؤدي انقباضها إلى انتصاب الشعر و”القشعريرة” (Goose Bumps).إن لتوزيع شعر جسم الإنسان والقشعريرة فائدة في توزيع العرَق -حيث يمتلك الإنسان غددًا عرَقية موزعة على جسده- وسحبه وتبخيره، لتبريد المناطق كثيفة الشعر -كالذراعين والساقين- وللعزل وحفظ حرارة الجسم وتنظيمها.
أما شعر الرأس له فائدة لحماية فروة الرأس من البرودة وأشعة الشمس الضارة، وخصوصًا مع ارتفاع درجة الحرارة. وشعر الحاجبين يحمي العينين من تساقط قطرات العرق. كما يعمل الشعر كمستقبل حسي؛ فترتبط نهايات بصيلاته بألياف عصبية تستجيب للمؤثرات الخارجية -ميكانيكية وإشعاعية- ونقل الرسائل للجهاز العصبي، ومن ثم تحدث الاستجابات وفق المؤثر.
كما يعمل الشعر كجرس إنذار للحشرات المتطفلة المُمرضة للجسم؛ كالبراغيث والناموس والذباب وغيرها.. فضلاً عن مساهمة القشعريرة في نقل إفرازات الغدد الدهنية الموجودة بمسام الجلد (عملية تشحيم)، مما يرمم ويجدد طبقة البشرة. كما أن شعر الوجه لا ينتصب، لأن عضلات الوجه تقوم بالتعبير عن الانفعالات المختلفة، كالابتسامة والتجهم والحزن وكافة الخلجات الإنسانية.

الجفن الثالث

إذا كنت تمتلك قطة أو كلبًا أو زاحفًا أو طائرًا أليفًا، فقد رأيت جفنهم الثالث (Third Eyelid)؛ جفن شفاف يُنسحب -أفقيًّا- فوق العين لحمايتها ولترطيبها مع قدر من الرؤية. ويقولون بأن البشر ومعظم الرئيسيات لا تحتاج هذا الجفن، لذا ورثنا بقاياه. فهو ثنية هلالية وردية صغيرة من نسيج ملتحم بزاوية العين الداخلية. إن افتراض أثرية الجفن وصغره مقارنة بنظيره عند جنس آخر، منطق يفتقر إلى المنهجية العلمية. إن تلكم الثنية الهلالية الوردية تعمل للحفاظ على رطوبة العين، وتصريف الدموع بانتظام داخل منظومة متكاملة.

عضلات الأذن

يقولون إن الحيوانات -كالحمير والكلاب والقطط والأرانب وغيرها- تستعمل عضلات الأذن الخارجية، لتحريك صيوان الأذن نحو مصدر الصوت سواء كان عدوًّا أو صيدًا، ولا يزال البشر يملكون آثارًا ضعيفة لهذه العضلات، ولا حاجة لما ورثوه.. إذن كيف سيكون وضع صيوان الأذن البشرية بدونها؟ إنها مسؤولة عن التثبيت المُحكم له على الجمجمة وفروة الرأس.

العضلة الأخمصية

عضلة تستخدم من قبل الحيوانات -كالقردة- لتتمسك وتتلاعب بالأشياء بأقدامها وكذلك بأيديها. البشر لديهم هذه العضلات، لكنها الآن لا تحتاج إليها. وكثيرًا ما ينقلها الأطباء لإعادة بناء نسيج في أجزاء أخرى من الجسم. إن 9% من البشر المعاصرين يولدون دونها. إن دليل الغياب هو خطأ علمي فادح، يجعلنا نضع قائمة لا تنتهي من الأعضاء على اعتبار ذلك النهج. هذه العضلة لها أهمية معروفة في الجهاز العضلي بالساق، بعكس الادعاء التطوري الذي لا أساس له من الصحة. وتم اكتشاف ترابط واضح بينها وبين آلام الركبة في حالات سريرية، مما ينبئ بوظائف غير مرصودة بينها وبين عضلات الساق.
النسيج الخلالي
تبين أن لدينا جهاز ملفوف حول أجهزتنا الأخرى، وكان يختبئ في مرمى البصر طويلاً. ويطلق على العضو المصنف حديثًا اسم “الأنسجة الخلالية” (Interstitial Tissues).
واعتقد العلماء -سابقًا- أنها أنسجة عادية نسبية لملء الفراغ بين أعضائنا، لكنها ممتلئة بالفعل بالسوائل، مدعومة بشبكة من الكولاجين، وتساعد على حماية أعضائنا -كوسائد- من الصدمات الخارجية أثناء حركتنا.

علم الغدد

لو طالعت قائمة التطوريين للأعضاء الأثرية (الضامرة) كقائمة “روبرت فيدرشايم” ستتعجب لما تتضمنه من أعضاء اكتشف فيما بعد أهميتها الحيوية البالغة. فقد أرفق الغدة الصنوبرية، والغدة الصعترية، والغدة النخامية، واعتبرها بلا فوائد! حتى تم اكتشاف الهرمونات ودور الغدة الصنوبرية في تنظيم إيقاع الساعة البيولوجية، ودور الغدة الصعترية في جهاز المناعة، ودور الغدة النخامية وتحت المهاد في تنظيم الهرمونات التي من أهمها هرمون النمو GH، والهرمونات المنبهة للأعضاء التناسلية.
في الختام
إن حجة التطوريين الوحيدة، هي عدم القدرة على تحديد وظيفة عدد من الأعضاء ومن ثم جزموا يقينًا أنها بلا وظيفة ولا فائدة. وهذه مغالطة الاحتكام إلى الجهل، حيث “اعتقاد أن شيئًا ما باطل، ما دام لم يُثبت أحد بالدليل أنه حق”. فمنطق بناء نتائج على الجهل والثغرات المعرفية ما هو إلا دليل على بطلان الادعاء.

(*) كاتب وأكاديمي / مصر.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.