أسرار في عيون الحيوان

هل فكرت يومًا وأنت تتجول في حديقة الحيوانات وتستمتع برؤية كل نوع فيها وتراقبتها عن كثب؛ كيف تراك هذه الحيوانات أو تشعر بك أو تدرك وجودك؟ وكيف ترتسم صورتك في نظامها البصري؟ وهل تراك صحيحًا أم مقلوبًا؟ أم ترسمك بالأبيض والأسود كأفلام السينما القديمة؟ ماذا ترى الحيوانات؟ وكيف ترى؟

عيون الجمَل

قبل أن يعرف الإنسان النظّارات الشمسية بمدة طويلة عرفها الجمل؛ حيث يوجد في عيونه جفن ثالث شفاف يسدله عليها فيقيها وهج الشمس. تحتوي عيون الجمل على خصائص متناسبة تمامًا مع البيئة التي يعيش فيها، وهذه الخصائص تكون وقائية للعين. فالعظام التي توجد حولها تكون صلبة كي تحمي العين من الضربات المحتملة، وتحميها من أشعة الشمس القوية، لأنها موجودة حول العين بمقاييس غاية في الانسجام والتناسق. ولا تتأثر عين الجمل بأعتى العواصف الرملية التي قد تهبّ في الصحراء، ولا يضطر إلى غلق عيونه بالكلية؛ لأن جفونه ذات تركيب تستطيع بواسطته أن تدخل بعضها في بعض وتنغلق تلقائيًّا عند وجود خطر داهم، وبهذا الشكل لا ينفذ الغبار إلى عين الجمل مهما كان دقيقًا.

عيون الجياد

دائمًا ما تنظر الخيول (الجياد) أسفل قدميها حين ركْضِها، ولكن لماذا لا تنظر أمامها؟ هل هناك شيء تخشاه؟ ماذا ترى الخيول أصلاً؟ تمتلك الخيول أسلوبًا من أغرب أساليب الرؤية على الإطلاق؛ إذ لا يمكن للخيول رؤية ما هو أمام وجهها مباشرة وبين عينيها، وذلك لأنها تحتوي على عيون ثنائية الرؤية، بمعنى أن العين اليمنى ترى نصف المجال البصري الأيمن، والعين اليسرى ترى النصف الأيسر، وتبقى منطقة عمياء في الوسط بين العينين بخلاف البشر. فأنت ترى نفس الصورة تقريبًا بكلتي عينيك، ويمكنك تجربة ذلك عمليًّا؛ غطِّ عينك اليمنى ثم انظر، ثم غطِّ اليسرى وانظر ثانية، هل ترى فرق في المشهد؟ لا، لأنك ترى نفس الصورة بكلتي العينين.

هل ترى الجيادُ أو تميز كافة التفاصيل بكافة الأوقات؟ إن حاسة البصر لدى الجياد ليست بنفس كفاءة العين البشرية، ولكن مجال الرؤية لديهم أوسع بكثير من مجال الرؤية عند الانسان. رؤيتهم حساسة جدًّا لكافة التحركات المحيطة، بل يتفوقون على البشر في الرؤية الليلية.

كما أن الجياد تستغرق وقتًا طويلاً نسبيًّا قياسًا بالعين البشرية لتمييز وتدقيق وتفهم تفاصيل الأشياء، كما أنها ليس لديها الآلية السريعة أو الشعور الجيد لتفسير وتمييز جسم من جسم آخر. وهذا من أهم الأسباب الرئيسية التي يعاني منها فرسان قفز الحواجز، وبالتحديد عند الحواجز المركبة من عدة موانع، والأخرى المتتالية الموانع، وخاصة مع الجياد الجديدة التي ليست لها خبرة عند الاقتراب السريع من حواجز القفز. مما يعزو إلى كثرة الأخطاء وخسارة السباقات بين الجياد القليلة الخبرة والأخرى المتمرسة.

كيف يمكن للجياد النظر جيدًا في الظلام؟

يمكن للجياد أن ترى في الظلام أفضل مما يستطيع البشر، إلا أنها تستغرق وقتًا أطول للتكيف مع الضوء والظلام من الحيوانات الأخرى. لذا يطلب من كافة المعنيين بشؤون الجياد -وخاصة السياس والمدرّبين والفرسان- التريث والصبر قليلاً، وإعطاء الجياد الوقت الكافي للتكيف عند انتقالها من مكان شديد السطوع إلى آخر مظلم وبالعكس.. وهذا ما يفسر أن الكثير من الجياد تصبح خائفة أو هائجة أو قلقة عندما تدخل إلى الأماكن المظلمة، ومنها سيارات النقل العديمة أو القليلة الإنارة، أو حضورها إلى ساحة السباق المظلمة، مع الأخذ بنظر الاعتبار أن الجياد لا تنسى بسهولة ما الذي عانته من منطقة معينة، وتصبح هائجة أو قلقة كلما حضرت إلى نفس المنطقة، وفي بعض الأحيان تصل إلى حد الحرن مما يصعب السيطرة عليها.

ما هي مناطق الرؤية المبهمة أو العمياء لدى الجياد؟

جهاز البصر لدى الجياد غير متكيف لجميع المناطق المحيطة بالجواد. وقد تعاني الجياد من مناطق مبهمة أو ميتة لا يمكن لها أن ترى فيها، ومنها البقعة التي تمتد حوالي أربعة أقدام أمام الجبهة المواجهة لرأس الجواد، مع الأخذ بالاعتبار أنه قد تختلف فيها هذه المسافة تبعًا لشكل رأس الجواد؛ فإذا كانت جبهة الجواد عريضة، فإن البقعة المبهمة -أو العمياء- ستكون أطول من الجواد ذي الجبهة الضيقة. لذا يتوجب عدم الاقتراب من الجواد مباشرة من الجبهة الأمامية له، لأنه قد لا يراك إلا إذا اقتربت في حدود المنطقة المبهمة أو العمياء. وهذا ما يفسر لماذا يقوم الجواد برفع أو إمالة أو استدارة رأسه عند اقتراب شخص منه من جبهته الأمامية، أو حتى اقترابه هو من الأشياء الأخرى من الأمام مباشرة.

وقد استغلّ الفرسان أصحاب الخبرة هذا الأمر عند اقترابهم من الحواجز؛ إذ لا يقتربون إلا بزاوية معينة أو ميل معقول، حتى يتركوا للجواد الفرصة الكاملة لرؤية وتحديد الحاجز المقصود، وهذا يمثل أحد أسرار قفز الحواجز والتفوق بها. وقد يصل بالجياد أنها لا ترى صدورها، أو مفاصل ركبتها، أو حتى حوافر أيديها، وكذلك الأرض قرب أقدامها. ويشكل هذا واحدًا من نقاط الضعف في جهازها البصري.

كما أن الجياد لا يمكن لها أن ترى المنطقة، أو الأرض، أو الأشياء التي تقع خلفها مباشرة، وهذه هي أخطر منطقة عمياء في الجهاز البصري للجياد. مما ينبغي على كافة المعنيين بالجياد، الابتعاد وعدم الاقتراب من الجياد من الخلف مباشرة، وإلا سيكون عرضة للضرب عند أي صوت أو حركة غير مفهومة من الجياد.

هل يمكن للجياد أن ترى بعين واحدة؟

عندما تستعمل الجياد العينين، وتركز على موضع واحد للرؤية، فإن ذلك يسمى علميًّا “ثنائي الرؤية”. ويمكننا تمييز ذلك عند رؤيتنا للجياد وهي تركز للأمام مع انتصاب الأذنين إلى الأعلى. كما يمكن للجياد أن ترى بكل عين على حدة للجانب أو للأمام أو الخلف، ويسمى ذلك علميًّا “أحادي الرؤية”. ويمكن لنا أن نميز ذلك عند رؤيتنا للجياد وهي تدير رأسها أو ترفعه أو تخفضه، للتركيز على الرؤية أو المشاهدة.

هل لدى الجياد المقدرة على تمييز الألوان؟

هناك دراسات وبحوث مستفيضة على طبيعة حاسة البصر لدى الجياد، ولكن إلى الآن يبقي موضوع تمييز الجياد للألوان مجهولاً. فليس هناك أي دليل علمي يثبت أو ينفي ذلك، بل هناك بعض التصرفات التي قد توحي بأن الجياد قد تميز بين الألوان، ومنها جموح أكثر لجياد قفز الحواجز عند الحواجز الزرقاء اللون، وجموحها بنسبة أقل عند الحواجز ذات الألوان البرتقالية أو الحمراء.

عيون القطط والكلاب

القطط والكلاب ضعيفة الرؤية، ولا تستطيع تمييز الألوان جيّدًا “خصوصًا الكلاب”. وتعتمد في الغالب على حاسة الشم، لكنها تمتاز بنظام رؤية ليلي قوي. كما أن الكلاب والقطط تمتاز بقدرة أفضل من الإنسان على رؤية مجال بصري أوسع، نظرًا لمكان أعينهم ووضع العينين في الرأس.

إن القطط ترى في الليل بشكل جيّد، لأن عيونها تختلف عن عيوننا، إذ فقزحية عيونها تكتمل عندما تكون في الظلام، وهكذا يمكنها رؤية الأشياء بسهولة.

عندما تجلس القطط في الظلام، فإننا لا نرى جسدها ولكننا نرى عيونها تلمع مهما كان الظلام دامسًا. كذلك فإن عيون النمر، والشيتا، والأسد، وغيرها تلمع أيضًا في الظلام. والسؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا تلمع عيون بعض الحيوانات في الظلام، بينما لا تلمع عيون البشر؟

كثير من الحيوانات لها القدرة على رؤية تثير الإعجاب بالليل. السر في ذلك أنهم يملكون مرآة صغيرة في قعر العين. إن عيون هذه الحيوانات تغطيها طبقة رقيقة للغاية مادة كريستالية خاصة تعكس الضوء الذي يقع عليها، ويكون انعكاس هذا الضوء سببًا في لمعان عيونها. وفي الليل يعكس هذا السطح الكريستالي أقل قدر من الضوء يقع عليها، وبذلك نرى عيون هذه الحيوانات تلمع في الظلام بوضوح كامل، لذا يطلق عليها اسم “الحيوانات الليلية”.

وقد لوحظ أن لون هذا اللمعان يختلف من حيوان لآخر، وهو الأمر الذي يتوقف على عدد الأوعية الدموية الموجودة بالعين. فكلما زاد عددها اتخذ هذا اللمعان لونًا أحمر، وإذا كان أقل أصبح لونه أبيض أو أصفر باهت.

عيون الخفافيش

الخفاش هو الحيوان الثديي الوحيد الذي يستطيع الطيران، لذلك تصنف الخفافيش ضمن الثدييات وليس ضمن الطيور.

هل ترى الخفافيش أصلاً؟ وكيف تطير؟

إن كلمة الخفاش مأخوذة من ضعف البصر وضيق العين. فالخفافيش ليست عمياء كما يشاع في بعض الأمثال “أعمى كالخفاش”. فلا توجد خفافيش عمياء بنسبة مائة بالمائة، فبعض الخفافيش تملك عيونًا كبيرة وواضحة، بينما الباقي لها عيون صغيرة كالخرزة، ولكنها لا تبصر بهما جيّدًا؛ حيث تحدد اتجاهها من خلال إطلاق الأصوات، وارتداد الصوت يسهّل لها عمليه تحديد الهدف والسرعة المطلوبه، والمراوغه مع فريستها.

عندما تطير الخفافيش ليلاً للبحث عن الطعام ترى وتشم وتسمع، وتصدر أصواتًا ترددية مرتدة لتهتدي بها وتتعرف على طريقها، ولتتجنب الارتطام بعائق يعترض طريقها. فالخفافيش الصغيرة (Microchiroptera) الرمامة، نجدها تعتمد في طيرانها على نوع من “السونار” الذي يعتمد على التنصت لصدى الصوت، ليهتدي به في طريقه. فيُصدر الخفاش نبضات صوتية قصيرة لها تردد عال فوق قدرة الإنسان أن يسمعها بأذنيه. فتنتشر موجاتها أمام الخفاش الطائر، فترتطم بأي عائق في طريقه فترتد الأصوات كصدى ليترجمها بسرعة، ويقدّر المسافة بينه وبين هذا العائق، وسرعته بالنسبة للبعد منه، وحجم الأشياء من حوله، ولا سيما أثناء الظلام، فيدير اتجاهه متجنبًا الاصطدام به. وعلى جانب آخر، معظم الخفافيش الكبيرة آكلة الفواكه، نجدها لا تستعمل وسيلة صدى الصوت، باستثناء الخفافيش التي تسكن الكهوف والمغارات؛ فتستخدم جهاز تحديد الصدى داخل الكهوف، وعندما تخرج للخارج تعتمد علي الرؤية والشم متى يطير.

قرد التارسير (Tarsier)

قرد التارسير صغير الحجم (بحجم السنجاب)، وهو من الثدييات الرئيسية الليلية، يوجد في الغابات المطيرة جنوب شرق آسيا. عينا هذا المخلوق هائلتان، وهي أكبر من عيني أيّ حيوان ثديي نسبة لحجم جسمه. وإذا كانت عينيك بنفس نسبة حجم عينيه لحجم جسمه، فسيكون حجم كل عين من عينيك بحجم فاكهة الجريب فروت.

كما أن عيون التارسير مثبة بالرأس، ولا يمكن إدارتها للنظر، وقد عوّض برقبة مرنة جدًّا تدور 180 درجة تمامًا مثل البومة. تزن كل عين من عيني هذا المخلوق وزنًا أكبر من وزن دماغه. إن رؤية التارسير حادة جدًّا، ورؤيته الليلية رائعة، وذلك يعود لحجم عينيه.

ويعتقد العلماء أن هذه المخلوقات قادرة على الرؤية ما فوق البنفسجية، ومع كل هذا فإن رؤية الألوان ضعيفة جدًّا لهذا المخلوق كما في الحيوانات ذات الرؤية الليلية الأخرى كالقطط.

(*) استشاري في طب وجراحة العيون، وعضو الجمعية الرمدية المصرية.

About The Author

محمد السقا عيد

طبيب وجراح للعيون، مصري، عضو الهيئة العالمية للإعجاز العلمي في القرآن والسنة بمكة المكرمة. شارك بالكثير من الكتابات في مجاله بوسائل الإعلام العربية المختلفة، وهو عضو بارز في العديد من المجامع العلمية، وأضاف للمكتبة العربية والإسلامية العديد من الموسوعات والكتب والكتيبات العلمية في مجاله.

Related Posts

Leave a Reply

Your email address will not be published.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.