عجيب أمر هذه الخدمة، قبل بضعة أيام وصلتني أعدادٌ من مجلة تشاغلايان التركية -أي “الشلال”- التي تصدر من ألمانيا، وهي المولود الجديد لحركة الخدمة خلفًا لأختها الكبرى الموءودة “سيزنتي” أي الرشحة، التي صادرتْها بقرار ظالم حكومةُ العدالة والتنمية ضمن ما صادرته من مؤسسات الخدمة التربوية والإعلامية. وَلَشَدّ ما هزني الاسم الجديد المختار للمجلة الوليدة، فالموؤدة كانت الرشحة، والوليدة هي الشلال، وكأني بالأستاذ كولن وإخوته المحبين المحبوبين يعلنونها مدوية؛ إن كنتم قد وأدتم “الرشحة” فسوف تنفجر أختها “شلالاً” يروي العطاش بمائه الهدار، ويجندل أعداء المحبة ورسل البغضاء الذين يحاولون التصدي لانطلاقه أو تعطيله عن مسيرته غرقى في خضم مياهه الدفاقة.

من مجلة تشاغلايان التركية -أي “الشلال”- التي تصدر من ألمانيا، وهي المولود الجديد لحركة الخدمة خلفًا لأختها الكبرى “سيزنتي” أي الرشحة.

لقد أوقفت الحكومة التركية مسيرة مجلة سيزنتي “الرشحة” بعد أكثر من خمسة وثلاثين عامًا من العطاء الفكري والتثقيفي، وبعدما بلغت نسبة توزيعها حوالي 850 ألف عدد شهريًا، وتربى على مقالاتها أجيال متعاقبة كانت لهم ملاذًا فكريًّا وعقديًّا يحميهم من صولات المادية الإلحادية، وهجمات إبعاد الأجيال عن عالم الروح والمعنى.
“سيزنتي” الرشحة كانت مجلة أدبية علمية تتناول قضايا العلم الحديث من الزاوية الدينية وتربط قضايا العلم بالدين، وهي بذلك كانت أولى المجلات في تركيا –وأظنها في العالم- التي تعالج الانفصام الحاد الذي أحدثته الحضارة الحديثة بين العلم والدين، وتردُّ على فرية أن الدينَ -وخاصة الإسلام- والعلمَ لا يجتمعان، وقد استطاعت بفضل الكتابات الجادة والرصينة عبر أعدادها التي بلغت 449 عددًا حتى قرار إغلاقها عام 2016م أن تردم الهوة السحيقة بين الفيزياء والميتافيزيقا وتعقد سلامًا بين أنصارهما.
لسيزنتي مكانة خاصة في نفوس أبناء الخدمة فهي أم الإصدارات الإعلامية التي أصدرتها الخدمة، والتي توالى بعدها ظهور أخواتها من المجلات من أمثال يني أوميت “الأمل الجديد” الناطقة بالتركية والمتخصصة في الدراسات الدينية، ويغمور “الغيث” المتخصصة في الأدب التركي، وكونجه “البراعم” للأطفال والناشئة، وحراء الناطقة بالعربية، وفونتين الإنجليزية، ونيوجراني الروسية، وفونتانا الفرنسية.

“سيزنتي” الرشحة كانت مجلة أدبية علمية تتناول قضايا العلم الحديث من الزاوية الدينية وتربط قضايا العلم بالدين.

صدر العدد الأول لها في فبراير عام 1979م، وعلى غلافها صورة لطفل باكٍ مذيلة بمقطع شعري لشاعر تركيا الكبير محمد عاكف أرصوي من قصيدة بعنوان: “استيقظ” يقول فيها: “فلنفترض أنك لا تبغي لنفسك رحمة، أفلا تريدها لأولادك؟”
وكان المقال الافتتاحي فيها للأستاذ كولن بعنوان:”من أجل أن نكفكف دموعك يا صغيري” يرثي فيه الأستاذ لحال هذا الطفل الباكي، طفل الحضارة الحديثة الخالية من الروح، ويعلن أنه سلك هذا الطريق من أجل كفكفة دموع هذا الطفل الذي يمزق حزنُه الأحشاءَ يقول:”من أجلك ارتمينا في هذا الطريق، لنشاطرك آلامك، ونخفف عنك أوجاعك، ونملأ قلبك بالبهجة والسرور. لا تعتب علينا يا صغيري. أجل، تهاونّا، ما أسرعنا إلى نجدتك حين احتجتَ إليها…”، ثم يعتب على هؤلاء الذين سارعوا لنجدته بإشباع بطنه فقط وغفلوا عن جوهره وروحه:”من سعى إليك أشبع طلبات بطنك فقط… أتدري يا صغيري؟! أناتك التي تذيب أحشاء قلبي اليوم، منذ ذلك الوقت ابتدأت. مذ ذلك الحين بدأت غربتك فأصبحتَ مهجورًا، في الفترة التي كنت تملأ فيها الدنيا ضحكًا وحبورًا.. تلتقطك الأيدي، وتضمك الأحضان، مستمتعة بجمالك مبتهجة ببسماتك. كنت على الصدور، كنت على الثغور، كالوردة الندية. تلك العناية من أجلك كانت، لكنها خالية مما تتوق إليه روحك. غريبا كنت بلا أنيس، وحيدا كنت بلا جليس…”.
ثم يختم مقالته بتقديم الاعتذار والعمل على درء الأخطار، ودفع هذه الملمات التي أحدقت بالجيل محاولة خنق حاضره والقضاء على مستقبله: ” فأذن لي اليوم أن أكون فدائيّك في هذه الجولة العصيبة. اسمح لي أن أضرب بريشتي من أجلك، وأوصل أناتي إلى روحك… أعتذر إليك باسم كل المجرمين الآثمين: فاصفح يا صغيري عمن أنجبوك لمتعة زائلة، ومن تعلقوا بعظمك ولحمك وأغفلوا فؤادك ووجدانك، ومن ضحّوا بأبديتك من أجل دنيا عابرة، ومن حقنوا قلبك غلظة وخشونة وتمردا، فكانوا سببا في بؤسك وشقائك”.

لسيزنتي مكانة خاصة في نفوس أبناء الخدمة فهي أم الإصدارات الإعلامية التي أصدرتها الخدمة، والتي توالى بعدها ظهور أخواتها من المجلات.

ومن هذه المقالات الافتتاحية تكونت معظم كتب الأستاذ كولن التي تملأ السمع والبصر في عالمنا اليوم، والتي تم ترجمتها إلى أكثر من ثلاثين لغة حية ومنها العربية. ومن ذلك سلسلة كتب “التلال الزمردية” الأربعة التي تبحث في حياة القلب والروح، وسلسلة كتب “الجيل والعصر” التسعة التي تناقش مشكلات الجيل وأزماته مع العصر وتضع حلولاً عملية لعودة هذا الجيل ومن ثم أمته إلى المكانة اللائقة به كوارث صالح للأرض يعمرهما بمراد الله تعالى، ومنها أيضا خرج كتاب “الموازين” الماتع الرائع الذي لاقى إعجابًا كبيرًا من جميع من قرأه، فهو دساتير حية وإرشادات خاطفة ودليل للسير يؤمن سلامة الوصول في درب الدعوة الطويل الشاق المرهق. ومن سيزنتي أيضًا جُمعت قصائد الأستاذ كولن في ديوان تحت عنوان “المعزف المكسور” وترجم بعض من هذه القصائد إلى لغات مختلفة.
لقد كانت سيزنتي مدرسة في ترجمة الفكرة إلى سلوك، فحولها تضافرت الجهود لتستمر مسيرتها كل هذه المدة الطويلة، وفيها تكونت هيئة للتحرير والكتابة استطاعت أن تجد الوتر الحساس الذي تلامس ألحانه شغاف القلوب، ومنها انطلقت مسيرة العمل المؤسسي الإعلامي ذي الاحترافية العالية، ولهذا كله حنق عليها المستبدون وقرروا وأدها ظانين بذلك أنهم قادرون على إخماد الروح التي تسري فيها إن هم قضوا على الجسم الذي يحتويها، لكن روح تشاغلايان “الشلال فاجأتهم كفراشة تخرج من شرنقتها لتحلق من جديد في سماء الفكر والعلم والثقافة، تنشر مبادئ الحب والأمن والسلام في الدنا جميعها.

 

One Response

  1. أحمد فريد

    مقال ممتاز، عرفنا من خلاله الجهود الثقافية الجبارة التي أنجزها الأستاذ كولن مع محبيه، عمل عظيم وجبار فعلا.

    رد

Leave a Reply

Your email address will not be published.

FACEBOOK
TWITTER
YOUTUBE