لا ينجز الأفكار العظيمة والغايات السامية والمشاريع العالمية الكبرى إلا عُشّاق مُتيَّمون، فاضت صدورهم بأشواق أخروية غامرة، وتَمرَّسوا التحليق في الأعالي دومًا وبنَفَس طويل، وغَذّوا السير في الدرب دون أدني تخفيف لسرعتهم، ورابطوا في مواقعهم بثبات لا يعرف الفتور.

إن الكرة الأرضية اليوم -من أولها حتى آخرها- حامل بربيع جديد، فرحة جَذْلى بولادة مباركة قريبة نتيجة البذور التي نثرها هؤلاء الأخيار في كل أطرافها.

إننا اليوم لسنا بحاجة إلى هذا أو ذاك، نحن بحاجة إلى أبطال يجيدون التفكير بهذا المستوى الراقي، يفيضون إيمانًا ويقينًا، يُنزِلون أفكارهم إلى الواقع، يُخرِجون أمتهم أولاً، ثم البشرية كلها من الظلمات إلى النور، فيهدونها إلى الحق سبحانه.. إننا بحاجة إلى أرواح نذرت نفسها للحقيقة.
أجل، إننا بحاجة إلى أرواح تفكر فيما يجب التفكير فيه، وتعرف كل ما ينبغي معرفتُه، تُحوّل ما عرفته إلى واقع فورًا، وتحثّ الخطى بعزم لكي تُعِدّ جميع الأرواح الميتة لبعث جديد وكأنها إسرافيل قد التقم الصورَ بفيه.. أجل، بحاجة إلى أرواح تجوب الأرجاء كلها تنفخ الحياة في جميع النفوس، صدّاحة بمواجيد روحها ليل نهار، مترنّمة بمشاعرها الوجدانية في كل سانحة وبكل وسيلة، فإن كانت تملك قدرة بيان فببيانها، وإن كانت تجيد استخدام القلم فبلسان قلمها، وإن كانت منفتحة على علوم الجمال فبزخارف إحدى الفنون الجميلة وخطوطها، وإن كانت شاعرة فبسحر شعرها، وإن كانت موسيقية فبألحانها الأخاذة ونغماتها الآسرة.. أجل، إننا بحاجة إلى أرواح اتصل لسانُها بأعماق قلبها، وخفق قلبها بإخلاص وتفان للحقيقة العظمى.
وإذا أردنا أن نقيّم هؤلاء الأبطال انطلاقًا من النماذج التي نشاهدها في مسرح الواقع اليوم، نجد أنهم ينظمون رحلات إلى أرجاء العالم كلها وكأنهم ذاهبون إلى الحج، يتوّجون رحلاتهم بروح “الهجرة”؛ يهمسون في وجدان كل من يمرون به معاني رفيعة من لسان الحال وبيان القلب، ويتمتمون بألحان المودة حيثما يحلّون، ويوقظون شعور المحبة فيمن يلتقون، يُقبِلون على القلوب يقيمون فيها عروشًا من الحب.

لا ينجز الأفكار العظيمة والغايات السامية والمشاريع العالمية الكبرى إلا عُشّاق مُتيَّمون، فاضت صدورهم بأشواق أخروية غامرة.

بهم تحيا الأرواح الظامئة إلى الحب، وإليهم تنصت القلوب التي بُعثت من جديد. إن السعداء الذين شدوا رحال الهجرة مفعمين بهذه المشاعر، وكذلك الذين فتحوا لهم قلوبهم، بعيدون كل البعد عن كل ما يمتّ إلى الدنيا بصلة، فهُمُ الإخلاص والإخلاص فقط. فلا مكان للمصلحة الذاتية قطعًا بين من يبلّغ ومن ينصت إليه، وبين من يقدم المعنى الكامن في جوهره ومن يتلقاه، وبين من يحمل كأس الحياة ومن يجمع شمله ويستعيد وعيه، وبين من يقدم المعونة ومن يستقبلها، إنما هي ابتغاء مرضاة الله ولا شيء غير مرضاة الله تربطهما. إن هذه العلاقة العميقة المنبعثة من صميم الوجدان، تستند على القيم الإنسانية العالمية كليًّا، وتنبع من التوقير المشترك لهذه القيم السامية.
إننا في الحقبة القريبة من ماضينا، نسينا بالكامل أن لنا جذورًا روحية محكمة نرتبط بها، وأننا أقمنا حضارات زاهرة عديدة على مدار التاريخ، وبدونا لمن ينظر إلينا كأننا أمة لا ماضي لها. والأنكى من ذلك أن شعورًا بالنقص أصابنا، فأنكرنا ذاتنا وأنكرنا ماضينا دفعة واحدة، بل بات بعضنا يخجل من هويته الوطنية.
ابتعدنا عن ذاتنا يومًا بعد يوم حتى صرنا أسرى لقيم أجنبية. فوا حسرتاه على أمة كانت في ماضيها المجيد تفكر وتناقش وتعبّر عن رؤاها الذاتية وتنقش عقيدتها وقيمها الجمالية على معالمها التي شيّدتها في كل مكان مرت به، فخلّدت ذكراها الجميلة على صفحات التاريخ.. وا حزناه على أمة تهاوت من قمم المجد والشهرة والازدهار إلى حضيض النسيان والمجهول والحرمان من كل أنواع التوقير والتبجيل!
لم تكن هذه الأمة تستحق هذا المصير الحزين، ولم يكن لهذا المصير المشؤوم أن يستمر إلى الأبد. كيف، وقد حوّلت هذه الأمة حُفَر الموت إلى مسالك انبعاث خمسين مرة حتى اليوم، واستبدلت أوضاعًا سيئة تبدو هلاكًا وانقراضًا إلى وسائل للتجدد ألف مرة، وأبدت كفاءة خارقة في كل وقت -رغم ممانعة أصحاب المنافع من “رجال الأبدان”، وإخوان المصالح ممن يلهثون وراء المتعة اليومية، وجماعات الإنكار ممن يهينون قيمنا الوطنية والدينية تعصبًا وكفرًا- فأنشأت مناهج وأساليب جديدة للسير نحو المستقبل المضيء قُدمًا، واستوت على قَدميها عقب كل هزة واستأنفت سيرها من جديد، ونجحت في الإبحار بأفكارها ومشاعرها ورسالتها إلى جميع أنحاء العالم.

إننا اليوم لسنا بحاجة إلى هذا أو ذاك.. إننا بحاجة إلى أرواح نذرت نفسها للحقيقة.

إن فرسان النبل والشهامة هؤلاء قد نأوا بأنفسهم عن بريق الشهرة ووهج الجاه، وأغلقوا أبوابهم أمام كافة ألوان التفاخر والتباهي، وسموا بجناحي التواضع والانمحاء، وتزيّوا برداء الأمن والصدق والوفاء، وصمدوا أمام رغبات النفس وأهوائها صمود الأبطال، وصاروا حواريي تعريفِ العالم بقيمنا الدينية والوطنية مشحونين بوعي تاريخي ورثوه عن آبائهم، وهتفوا هتاف الأوائل قائلين “سلكنا دروب الحب، لا نبتغي شرفًا هناك ولا غرورًا” فاختاروا التعب على الراحة وسجّلوا أحد أهم إنجازات هذا القرن.
إن الورود التي بدأت تزدهر في كافة أنحاء العالم اليوم، استمدت ألوانها من ذوي الوجوه القمرية هؤلاء ومن المعاني التي يحملونها في وجدانهم؛ وبدأت الجغرافيا الاجتماعية على مستوى العالم تنتسج وفق منسوجاتهم الفكرية انتساج قماش مطرّز بديع، والبشرية كلها تترنم بألحانهم الأصيلة التي لا تَهرَم ولا تبلى. إن مشاعرهم الطاهرة وأفكارهم النقية تلك قد تبدو لدى الناظر إلى بداياتها قطرات صغيرة، ولكن من يدرك روح الموضوع ومعناه، يعلم أنها تتضمن بحارًا واسعة تموج بهِبات جميلة ومفاجآت شتى في كل حين.
إن فرسان النور هؤلاء عملوا على إضاءة ما حولهم فقط في حقبة معينة وفقًا لطبيعة الأشياء. أما الآن فقد أطلقوا قواهم الحقيقية الكامنة وطاقاتهم الروحية، وغدوا فرحة وبسمة وأملاً ومحبة، وانهمروا على كل مكان انهمار السحب المثقلة بالغيث، واندفعوا بحماس متَّقد يحوِّلون قلوبًا قاحلة ظامئة للحب والتسامح إلى جنات فردوسية.
إن الكرة الأرضية اليوم -من أولها حتى آخرها- حامل بربيع جديد، فرحة جَذْلى بولادة مباركة قريبة نتيجة البذور التي نثرها هؤلاء الأخيار في كل أطرافها. البشرية كلها مبتهجة نشوى ببشائر حملتها نسائم إرهاصات هذه الولادة المرتقبة. المعنى الذي ينبض في القلوب واحد، وإن اختلفت الأصوات والنغمات، والنسمات التي تهب في ساعات السَّحر تحمل إلى أيوب خريرًا عذبًا من نهر ماء الحياة، وإلى يعقوب رائحة إبراهيمية من ثوب يوسف.
إن هذا يعني عودتنا إلى مسرح التاريخ مرة أخرى، وإقبالَنا نحو موقعنا الحقيقي من جديد، كما يعني رسالة انبعاث بديلة للإنسانية جمعاء. علمًا بأن الأمم التي كانت -ولا زالت- تضطرب وتئن في دوامة من أزمات مختلفة، كانت تترقب هبوب نسمات كهذه تحمل بشائر الأمل إليها. طوبى لأهل السعد من الأبطال الذين يتولون الريادة في هذا البعث فيحركون تلك النسمات! طوبى لمن فتحوا قلوبهم لنفحات البعث تلك مترقبين وصولها!

هؤلاء الأبطال الأسطوريون تشبَّعوا بروح الإيثار والتضحية والفداء التي امتاز بها الصحب الكرام، يحثّون الخطى دومًا ليصلوا بالنور إلى كل ركن من أركان العالم.

إننا نؤمن يقينًا بأن وجه العالم كله سيتغير بألوانه وزخارفه يومًا بفضل الجهود التي يبذلها أولئك الأبطال الذين تشع قلوبهم محبة، والذين نذروا أنفسهم لإقامة صرح القيم الإنسانية، وتلتقط البشرية أنفاس الطمأنينة والسلام. ومن يدري، لعل الفكر الإنساني في عالم المستقبل يتوهج معهم سطوعًا وإشراقًا للمرة الأخيرة، وتجد الآمال الإنسانية طريقها إلى الواقع، وتتحقق جُلّ أحلامنا بهم رغم أنف ما رُسم في كتب اليوتوبيا من مثاليات. أجل، سيتحقق هذا يومًا لا محالة، وعندما يحلّ الموسمُ، سوف يجثو ذوو القلوب الخاوية والحظوظ النكدة على ركبهم بين يدي تلك الأرواح المشرقة، يطلبون العفو منهم والغفران، نادمين على ما أجرموا، ساكبين الدمع على ما اقترفوا.

ولكن هيهات أن يتداركوا الفرص التي أضاعوها. ليت تلك الأرواح الغليظة المتسربلة بمشاعر خسيسة وأفكار متمردة وتصرفات رعناء خشنة، رجعوا إلى أنفسهم؛ وقفوا عند الحق، وقدّروا المعروف، وتحلّوا بالإنصاف قبل أن يحلّ اليوم الذي يتقلبون فيه بعذاب الضمير دون أن يجدوا لأنفسهم مخرجًا ولا حيلة.. ليتهم أنصفوا بعض الشيء ولم يدمِّروا مستقبلهم.
هؤلاء الأبطال الأسطوريون تشبَّعوا بروح الإيثار والتضحية والفداء التي امتاز بها الصحب الكرام، يحثّون الخطى دومًا ليصلوا بالنور إلى كل ركن من أركان العالم، يكبحون جماح أنفسهم في حب الاستمتاع بملذات الحياة، ممتلئين بمشاعر البذل والعطاء لمنح الحياة للآخرين.

إننا نؤمن يقينًا بأن وجه العالم كله سيتغير بألوانه وزخارفه يومًا بفضل الجهود التي يبذلها أولئك الأبطال الذين تشع قلوبهم محبة.

وإذ يفعلون ذلك لا تلمح أثرًا للفخر أو العجب في سلوكهم، بل تفيض أطوارهم تواضعًا وانمحاء؛ يضربون أمثلة في النبل والشهامة قلّ في التاريخ نظيرها، بما يُبدونه من حماس لا يخمد، وإقدام لا يعرف التراجع، وأشواق لا تخبو، واندفاع خارق في خدمة الإنسانية، رغم كل أسباب التثبيط التي تعوقهم؛ يهمسون في وجدان كل من يمرون به ألحانًا من بيان قلوبهم؛ يغرسون فسائل في كل مكان فيحولونه إلى جنات زاهرة؛ يشرحون أفكارهم ويرسمون أحلامهم ويبثّون همومهم بحيويّة عجيبة وسرعة باهرة وجهد منقطع النظير، ويهتفون بالناس أن “حيّ على الخلود”، بقلوب ملؤها إيمان وعزم وتصميم وأمل بالمستقبل عظيم.
قد يبدو الطريق الذي يسلكونه عصيًّا متمردًا، بيد أنهم يعرفون ذلك منذ البداية. أجل، يعرفون أن الطريق سيتوعر يومًا ويستعصي على السير وتنهار الجسور. يعلمون أن غيلانًا ستظهر لهم وتعترض طريقهم في بعض المنعطفات، وأعاصير من الحقد والكراهية والعداء ستثور حولهم. إن إيمانهم بصحة الطريق الذي يسلكونه راسخ لا يتزعزع، لكنهم لم ينسوا أبدًا أن عقبات لا تخطر على البال سوف تفاجئهم.

لذا نظروا إلى ما ألمّ بهم من ابتلاءات وما قد يلمّ بهم لاحقًا؛ على أنها من سنن سبيل الحق ومحنه الخاصة، فلم يفقدوا شيئًا من حماسهم، بل ظلوا يسعون في دربهم لا يلوون على شيء؛ وإذا ما اعتراهم شيء من القلق أقبلوا على الله مستسلمين، واعتصموا بحصن الإيمان الحصين، وحاولوا قراءة العصر الذي يعيشون فيه، وما يحوم حولهم من أحداث قراءة صحيحة، وتابعوا السير -وسيتابعون- نحو “أفق الرضى” واثقين بوعد الله لهم بالسداد والتوفيق.

(*) نشر هذا المقال في مجلة سيزنتي التركية، العدد 284 (سبتمبر 2002)،
أصل عنوان المقال باللغة التركية: (Günümüzün Karasevdalıları)، الجزء الثامن من سلسلة “الجيل والعصر”. الترجمة عن التركية: نوزاد صواش.

2 تعليقان

  1. السيد محمد

    مقال يخترق القلب ويصل إلى سودائه، لله در كاتب المقال، من أي أفق يتكلم، من أين تخرج تلك الكلمات. هذا الكلام لا يخرج إلا من أصحاب المقامات العالية. حق لهذا المقال أن يكتب بماء الذهب ويعلق في الساحات الكبرى حتى يقرأه الناس يوميا ويتشبعوا بمعانيه.

    رد

Leave a Reply

Your email address will not be published.

FACEBOOK
TWITTER
YOUTUBE