سَأحدِّثُكم عن سَنَابِل جَدِّي.
جَدِّي يُوقِظ الفَجْرَ قَبْلَ الفَجْر!
تَوَضَّأْنَا معًا بِنَدَى رَذَاذِ الضَّبَاب الطَّهُور، مُعطَّرة ببَذَخ البساطة كانتْ قهوتُه الفجريةُ العبير..خلَّفَني للنُّعاس الفَاتِر، وانْطلق نحْوَ زَيْتُونَاتِه الفَاخِرات نورًا!
كانتْ سنابلُه بانتظاره خاشِعةً في وَقَارِ الكبار!
أمام حقْل الدَّرْس وقفْتُ..كُنْتُ على موعدٍ مع العَرَق الشريف؛ والطين النَّظيف، والكَفَاف العَفيف!
علِّمِ السنابل يا جَدِّي..علِّمْها!
علِّمْها جَمِّلْهَا؛ رَتِّلْها…. وعلى جَبِين الأرْض التي تُقبِّلُ قَدَمَيْك كالعَاشِقات كلَّ صباحٍ، اكتبْ بِمِعْوَلِكَ السَّارِي، لَنْ ولَنْ وأَلْف لَنْ!
لَنْ تَتَرَاجَعَ السَّنَابِل وإنْ تَكَالَبَ زَحْفُ الإِسْمَنت! كَمْ أَفْخَرُ أنَّكَ جَدِّي، وَفِيكَ سَمْتُ الأَوْلياء، الصَّالحين، الزَّاهدين، الصابرين على البَلاء!
ألستَ هَازِم المرض اللَّعِين؟ نعم أنت..يومَ شَمَخْتَ كالمآذِن في وجْهِ سَرير الشِّفاء!
وقلتَ: دَوَائي حَقْلي والسَّواقي؛ وصُحْبة عُمَّالي البُسَطاء الأَوْفياء.
وَعَلَّمْتَهم كُلَّهم أنَّ غُبَار الطِّين أغْلى من بَرِيق الهَبَاء!
مررتُ عصْرًا على زرعِك المحفوظِ بالسَّماء، قرأتُ عليه سورةَ النَّحْل! وسلَّمْتُ هناكَ على كلِّ شيء!
كم كانتِ الخُضْرَة التي ربَّيتَها شامخةَ المجدِ يا جَدِّي، وهي تُحاصِر بِكُلِّ ضعْفٍ مَعَامِلَ الغُرَبَاء..عرفْتُ حينَها أنَّكَ آخرُ القِلاع!
فَخُورٌ بأنَّكَ أيُّهَا البَسِيطُ، العَمِيقُ، البَعيدُ، القريبُ…فَخَورٌ بأنَّكَ جَدِّي!
عَالِيًا كالجبالِ فَلْتَبْقَ؛ شَامِخًا كَأَجْنِحَةِ الفَرَاش.
ولْتُعلِّم السَّنَابِل ياجدِّي؛ علِّمْها:
أنَّ الأرضَ كالْعِرْض..لا تُباَعُ ولا تُؤَجَّرُ!

14 تعليق

  1. لبنى مصمودي

    النص جد رائع..غني كما العادة…متمناياتي لك بالنجاح

    رد
  2. اسلام بشرى

    لذة هذا النص السردي دفعتني الى قراءته مرة أخرى، حقا إنه نص يحسب لصاحبه لما يحمله من معاني عميقة، ورسائل إنسانية نبيلة ما أحوجنا إليها خاصة في زمننا هذا الذي فقد فيه الإنسان بصفة عامة و الإنسان العربي على وجه الخصوص علاقة الحب بينه وبين الأرض، و تنازل فيه عن العشق الأزلي لرائحة التربة التي تتصاعد وتنعش روحه وتبهج قلبه، كلما ارتوت وحظيت بعناية منه…
    نص متكامل موضوعا ولغة، يجعلك تضيع بين أسطره المبدعة، لتعيش متعة تؤكد لك أنك فعلا بين أحضان الأدب الخالص.

    رد
  3. فرح ياسمين

    لازالت الأقلام الصادقة تعد بإبداع أفضل وأرقى..وكلمة صدق تزيد الشعر تألقا; هو ذاك ما ننتظره في زمن كثر فيه اللغط..شكرا لك_ صفوان غيدوني- على الإبداع المتميز المتدفق صدقا..وعذوبة..وتميزا..ننتظر منك المزيد!!

    رد
  4. زينب إحولين

    كعادتك كتاباتك تجعلنا نشعر بصدقها و واقعيتها ، نتوق إلى المزيد .
    المزيد من النجاح و التوفيق 🌷🌷🌷

    رد
  5. زينب الملائكي

    تغفُو علَى كفّ الذّكرى لحَظاتٌ عانقَتِ الفرحَ يوماً ..
    صفْوان قلبُك وقلمُك لحنٌ غارقٌ في عبَادةِ الحُبّ وأهله ونحنُ على ذلِك منَ الشّاهِدين..لرُوحك السّكينة

    رد
  6. حنين الريحان

    مبدع هذا الصفوان كعادته.يحملك بين سطوره الى عوالم حالمة.فلا تعود كما كنت أبدا

    رد
  7. يونس الدوائري

    انبهرت بتلك اﻷصابع الذهبية التي أبحرت بي في أعماق التجليات واصفتا بأحرف ذهبية لروح شيخ قلبه مزهر بنسائم فجر عليل….
    قال فيه ما قال ذلك الفارس الجامح بكلام الحق ……
    تحياتي أخي الحبيب على هاته الكلمات الزمردية ……

    رد
  8. سلوى غزالي
    سلوى غزالي

    دمت و لازلت متألقا .. شهادتي مجروحة في حقك .. سلمت يمناك … بالتوفيق

    رد
  9. محمد الخياطي

    ما هذا النبيذ الحرفي المتفجر من سلسبيل أفكارك وما هذه العذوبة في السرد شكرا على هدا النص الرائع

    رد
  10. الله أعلم

    للأسف التعليق الوحيد الذي يتسم بالموضوعية والنقد العلمي المحايد قد تم إزالته😏. لم يظل سوى تعاليق انطباعية تلمس فيها نوع من التعاطف نحو الكاتب، وهذا خطأ جسيم يقع فيه الكاتب نفسه اذا انساق وراء تعاطف المتلقي.ارجو ان تكون الفكرة واضحة وشكرا.

    رد

Leave a Reply

Your email address will not be published.

FACEBOOK
TWITTER
YOUTUBE