اختار كثير من العارفين أماكن للخلوة والاعتكاف والتعبد والتدبر، لكيونوا أقرب إلى عالم المعنى، أبعدَ عمّا يشغل أرواحهم عن التواصل بربهم وخالقهم؛ اختاروا قمم الجبال، وعمق الصحراء، والمناطق الموحية بعسر الحياة. ولكن نرى الأستاذ فتح الله كولن -على العكس- اختار معتكفه في مركز العالم المعاصر وهو الولايات المتحدة الأمريكية، رغم مظاهر الحياة المادية فيها التي تنادي باستحالة الخلوة والاعتكاف.. ركّزت هذه الرحلة إلى أفق معنوي لا يعرف الحدود لرجلٍ أمضى قرابة عقدين في بنسلفانيا في معتكفه الحركي الإيماني، ثم عرجت إلى حلقة درس تقام هناك، تحفّها الأنوار وتؤطرها الشريعة، ولسان حالها يقول نور الله أكبر من الفضاءات وأوسع من الجغرافيا.. وفي ذات السياق يذكر الكاتب أن الأستاذ ورجاله في هذه الحلقات أكثر حرصًا على إبداع السبل لفتح القلوب وإنقاذ الإنسان والعالم من مشاكله بالحكمة والموعظة الحسنة.

حلقة الأستاذ فتح الله كولن -بل المخيم كله- نموذج مجتمع مصغر، يحج إليه كل أطياف المجتمع المتعلمون، وبسطاء الناس، التجار والأصناف، ورجال الأعمال، والشباب والشيوخ والكهول.. وللنساء كذلك حظ في الإنصات إلى دروس الأستاذ ومواعظه وخطبه من وراء حجاب.

في أمريكا كل شيء بالحجم الكبير

قد تبدو كلمة «معتكف» على غير توافق مع طبيعة الظرف المكاني الذي أضيف إليه الاعتكاف، لعدم انسجام الحقلين الدلاليين وتطابقهما. فالمعتكف فضاء معنوي تنبعث منه إشراقات روحية وصوفية، لكنه يحتل حيزًا فيزيائيًّا في الزمان والمكان، ينقطع فيه العبد العابد للتواصل مع ربه، والارتقاء في المقامات، وقد ينزوي بعيدًا في فضاء ناء بعيدًا عن الناس قريبًا منهم، بعيدًا عنهم بالمعنى الفيزيائي للبعد، لكنه قريب منهم بمقاييس عالم المعنى. وما سمّي كذلك إلا لوجوده في مكان خال من كل المؤثرات المشوشة على لحظات الارتقاء في المقامات، ووصل القلب بكل «مُغار الفتل» بالملك العزيز. لكن ما بالك بخلوة ومعتكف في مركز العالم المعاصر، وفي مركز العالم المادي، في عمق القوة الأول في العالم؟! من يستطيع تصور رجل فاضل عالم بلغ من العمر عتيًّا، يتخذ له ولإخوانه -كما يُطلِق عليهم- معتكفًا وخلوة في عمق الولايات المتحدة الأمريكية، على بعد ساعتين من نيويورك ومانهاتن، والمكان الذي عرف تلك الأحداث الأليمة.

في بنسلفانيا أقام الأستاذ فتح الله كولن مخيمه، بل معتكفه وخلوته. يحكي أحد الأحبة أن الأستاذ أسرّ في يوم من الأيام لإخوانه، أنه عندما كان شابًّا كان يحلم بإقامة خيمته وسط هذا العالم العجيب. يبدو أنه لم يكن يحلم، بل كأني به كان يستعرض مشهدًا حيًّا يمر أمامه. فهو اليوم يقيم خيمته، بل معتكفه في عمق هذا العالم العجيب.

مضى على وجود الأستاذ فتح الله كولن في أمريكا حتى الآن قرابة العقدين، أمضى جلّها في معتكفه ومدرسته في بنسلفانيا لا يخرج إلا لضرورة، بل لا يخرج إلا للحظات قليلة داخل المخيم.

أمريكا بلد قوي بكل المقاييس، كل شيء في هذا البلد بالحجم الكبير، إنه بلد الأحجام الكبير XXXL؛ شوارعه جدّ واسعة، طرقه أوسع، عماراته عالية، بل شاهقة العلو. يشعرك الفضاء بأن الأفق أمامك مفتوح إلى ما لا نهاية. ينتابني شعور غريب بأن لا حواجز تحول بين الإنسان  والتطلع إلى الأفق، وبأن الحجب الفاصلة في هذه الرقعة من العالم -بين هذا العالم وعالم المعنى- شفافة يسهل اختراقها.

اختار كثير من العارفين أماكن غريبة للخلوة والاعتكاف والتعبد والتدبر -أماكن بعيدة عن الناس- ليكونوا أقرب إلى عالم المعنى؛ في قمم الجبال وفي عمق الصحراء وفي الأماكن الجافة،  والمناطق المعروفة بالتضاريس الوعرة، الموحية بعسر الحياة وصعوبة العيش، لتكون روح العابد بعيدة عما يشغل اهتمامها بالتواصل مع الخالق. مظاهر الحياة المادية في الولايات المتحدة الأمريكية تنشر بأعلى صوتها باستحالة الاعتكاف، لكن الأستاذ فتح الله كولن اتخذ معتكفًا هنا.

هذا الفضاء الواسع يجعلك تشعر فعلاً بما تمثله أمريكا من قوة، ويجعلك تلمس عن قرب حقيقة الرتبة المتقدمة جدًّا التي تحتلها في ميزان القوة.. لكنها مع ذلك كله مجرد قوة مادية مسكينة حزينة، بل هي قوة مزيفة. سلطة المادة وقوة الاقتصاد والمال هي الحَكَمُ، العجلة هي السمة الأبرز في هذا البلد العجيب، إذ الكل على عجلة من أمره، لكن الاطمئنان والمعنى والروح عُملات لا وجود لها.

فتح الله كولن رجل ثاقب النظر حكيم، وفوق ذلك كله فهو رجل مجرّب، صقلته الأيام والأحداث والحوادث، لكنه ما زال واقفًا كالجبل الشامخ..

إن في أعماقي هاتفًا يقول: إن هذا الفضاء بهذه الأوصاف التي تغري كل من ولدوا في عصر السرعة والصواريخ، وفي عصر ازدهار العلم الطبيعي والحداثة المادية، هو الفضاء المناسب لمعتكف يقيمه رجل هذا العصر ومجدده، ليس من أجل إغراءاته -وهي كثيرة- بل من أجل بث المعنى فيه، وزرع الروح في الجسد المنخور الذي فتّتتْ كيانه المادة وشروط السوق والاستهلاك.

الأمريكيّون يحبون القهوة، دكاكين بيعها منتشرة في كل مكان، يصطفون بسياراتهم الفارهة ليشتروا كؤوس القهوة الكبيرة الحجم هي الأخرى.. لا وقت للجلوس إلى كأس قهوة، ولا للحظة تأمل في الحياة والمصير.. الوقت يساوي المال، وقيمة الإنسان يحددها مكسبه المادي في السنة.. يطل عليهم نادل من نافذة صغيرة، يتناولون القهوة ويسرعون، الطرق الواسعة مهيأة لذلك.

مضى على وجود الأستاذ فتح الله كولن في أمريكا حتى الآن قرابة العقدين، أمضى جلّها في معتكفه ومدرسته في بنسلفانيا لا يخرج إلا لضرورة، بل لا يخرج إلا للحظات قليلة داخل المخيم. ولماذا يخرج؟ وما الذي يربطه بهذا العالم المادي المسكين المسكون بالسرعة والعجلة والقوة وسلطة المادة؟ إن عالم هذا الرجل يوجد في أفق آخر، عالم آفاقه معنوية، تتربع على عرش رمزي في مملكة المعنى، إنه عالم ألغى الحدود وصار فوق الحدود. هذا أفق معنوي لا يعرف بالحدود.

يفرح الأستاذ كثيرًا لخبر فتح مدرسة هنا أو هناك، ويفرح لخبر قيامها بمهمتها ودورها في تشبيك خيوط المحبة ونشر المعرفة وشرح القلوب وطمأنتها.

الفضاء الذي يقيم فيه الأستاذ فتح الله كولن، أقيم وسط مشاهد طبيعية تكاد تكون عذراء، وسط غابة شجر الكستانة، تذكرتُ أن البدايات الأولى للأستاذ فتح الله كولن مربيًا كانت في «كستانة بزاري» (سوق الكستانة). يتخلل المخيم جدول متدفق المياه، كأن الفضاء هيّئ في عالم المعنى ليكون معتكفًا وليكون خلوة. لقد اتخذ الأستاذ هذا المكان للإقامة وممارسة حياته العادية كأنه في تركيا، لا يهم المكان، فكل الأماكن تتشابه لأنها أفق واحد بمقاييس عالم المعنى.

الاعتكاف وظيفة الأستاذ في أمريكا

كل الدلائل تشير إلى أن هذا الرجل يعيش في هذا العالم بحمولات روحية مشدودة إلى السماء، غير آبه بما يجري في الواقع إلا في حدود كونه مجالاً للإصلاح والتربية. ففتح الله كولن في هذا البعد يمارس هوايته المفضلة، ووظيفته التي نذر لها حياته بكاملها؛ وهي التأمل في الملكوت والتفكر فيه، وتربية الرجال وبناؤهم، والبحث عن حلول لمشاكل العالم، والتفكير في أحواله، واستلهام الحلول له، وتوفير أسباب سعادة الإنسان بالتأمل في الملكوت.

الأستاذ فتح الله كولن حريص دائمًا على تأكيد أن القيم والأخلاق لغة عالمية وسبيل للنجاح في كل مكان، يقول لأبطال المعنى: احرصوا على تمثيل قيمكم وثقافتكم تنجحوا في الوصول إلى القلوب، وإذا قال هذا الجيل: المسلمون طيبون، فسيسلم أبناؤهم في المستقبل.

فتح الله كولن في بنسلفانيا يمارس وظيفته التي دأب على القيام بها منذ أكثر من خمسين سنة، وهي التدريس وتأليف الرجال الذين يرشدون الإنسان، وتأليف الأفكار التي تبني الإنسان. لم يتخلف الأستاذ فتح الله كولن عن حلقة من حلقات الدرس إلا لضرورة قصوى، ولم يتوقف كذلك عن توجيه هذه الحلقة وعن مدها بما تحتاج إليه من توجيه وهمة، وما تحتاج إليه من طاقة، لترتفع  إلى مقام عال من الروحانية لا يجادلها حتى عتاة الجاحدين.

يتحمل الأستاذ -من أجل استمرار جامعته- الكثير من المشقة، فالمرض والإجهاد ومتابعة مجريات الأحداث، لا يثنيه عن الحضور مع طلبته ومحبّيه. التدريس بالنسبة له مسألة حيوية تمده بالنشاط، وتعطي لحياته ولوجوده في أمريكا معنى رمزيًّا ومغزى.. فالأستاذ لم يأت من أجل المتعة، بل هو في مهمة، إنه سفير فوق العادة، ويؤدي مهمة فوق العادة تهم الإنسانية. إن وجود الأستاذ في أمريكا ليس ترفًا، إنه تدبير إلهي. فقدر هذا الرجل، ربما هو إعادة توجيه دفة التاريخ في الاتجاه الصحيح الذي يخدم الإنسانية، من داخل مركز العالم المعاصر.

حُزت زيارة غرفة الأستاذ حيث يمضي أغلب وقته خارج أوقات الدرس والصحبة والذكر والصلاة.. غرفة بسيطة أبسط من أبسط غرفة قد يتوفر عليها أحدنا.. غرفة متواضعة تليق برجل عابد زاهد في الدنيا وما فيها متعلق قلبه بالآخرة..

جامعة الجامعات

من حق كل واحد أن يرى في حلقة الأستاذ ما يشاء، أما أنا فأطلق عليها ما يعن لي أنه يشخص حقيقة هذا العالم الذي يملأ المرء بالسعادة والاطمئنان. «جامعة الجامعات»، هذا هو لقب حلقة الأستاذ فتح الله كولن في أمريكا وفي كل مكان آخر -الجغرافيا عنصر ثانوي- فهي قبلة الهمم العالية من كل حدب وصوب، يقصدونها يريدون الاغتراف من بركاتها، وشحن القلوب والأرواح، بالمعنى والعلم والمعرفة. طلبة الأستاذ الذين تخرجوا قبل سنوات من حلقته، يجلسون  الآن القرفصاء أمام أستاذهم للدرس، أقرأ النشوة على محياهم؛ لأنهم يسترجعون السنين الخوالي عندما كانوا قد لازموا أستاذهم سنين عديدة.. كلهم خريجو الجامعات، لهذا تستحق حلقة الأستاذ عندي وصف «جامعة الجامعات».

حلقة الأستاذ فتح الله كولن في أمريكا، تجمع بين العلم والمعنى.. لكل واحد من الحضور وجهته، منهم من حضر للتلقي والتزود من بركات المجلس، ومنهم من يبحث عن جواب سؤال ثقيل مؤرق، ومنهم من سافر طالبًا لدعم معنوي يدفع بـ «الخدمة» خطوات إلى الأمام، ومنهم من يأتي مستشيرًا طالبًا الحلّ من الأستاذ. في المجالس الخاصة يسأل الأستاذ فتح الله كولن عن كل شيء، يتابع كل شيء، تجده أكثر حرصًا على أمور «الخدمة»، هو من يبادر بالسؤال، لعلمه بأن حجاب الحياء قد يمنع المستشير من الكلام، فيكسر ذلك بالاستفسار عن هذه الخدمة أو تلك؛ كيف تسير والمراحل التي قطعتها، وأين وصلت.

التوفيق الإلهي

فتح الله كولن رجل ثاقب النظر حكيم، وفوق ذلك كله فهو رجل مجرّب، صقلته الأيام والأحداث والحوادث، لكنه ما زال واقفًا كالجبل الشامخ.. ومعرفته بحقيقة الخدمة وسبيل تصريفها وأسباب نجاحها، يفوق التصور كما يقول أحد الإخوة. ولذلك يأتيه أهل «الخدمة» من مربّين ومعلمين وأصناف وغيرهم، يأتونه للاستشارة، ومنهم من يحمل معه بشائر النجاح والتوفيق وأخبار الفتوحات من المناطق التي هاجروا إليها بتوجيه من أستاذهم؛ ينشرون أمامه بشائر المدارس التي تفتح في مناطق بعيدة نائية وصعبة، يأتون حاملين الفرحة إلى قلب الأستاذ وإلى قلوب كل من حج.. فأخبار هذه الفتوحات تمد بالقوة وترفع المعنويات، يحملونها معهم بدورهم إلى كل فرد من أبناء «الخدمة» في مناطقهم.

يفرح الأستاذ كثيرًا لخبر فتح مدرسة هنا أو هناك، ويفرح لخبر قيامها بمهمتها ودورها في تشبيك خيوط المحبة ونشر المعرفة وشرح القلوب وطمأنتها، فهي حاملة القوة المحفزة للآخرين للاجتهاد أكثر. النجاح عند هؤلاء وعند الأستاذ على وجه الخصوص، موصول بالله تعالى، كل البشائر كرم رباني يتيح فرصة التذكير بأن سر النجاح والتوفيق يرجع إلى الله .

يردد الأحبة أن الأستاذ حريص على «تصفير» الذات بل «تسفير»ـها، يذكر دائمًا بأن من قال: «أنا فعلت» تعثر وسقط في بداية الطريق، ومن قال: «نحن فعلنا» تعثر في وسط المسير وسقط، ومن قال: «هو فعل، الله فعل» فقد أطال المسير، وكان النجاح حليفه. ولقد حفظنا عن ظهر قلب «ما كان لله دام واتصل، وما كان لغير الله انقطع وانفصل»، وجامعة الجامعات تجسد هذه الحقيقة.

يتحمل الأستاذ -من أجل استمرار جامعته- الكثير من المشقة، فالمرض والإجهاد ومتابعة مجريات الأحداث، لا يثنيه عن الحضور مع طلبته ومحبّيه. التدريس بالنسبة له مسألة حيوية تمده بالنشاط..

وأنا في هذا  المجلس المبارك حرصت على التقاط شيء من كلام الأستاذ يُشعِر بأنه معتز بما حققه من نجاح في «الخدمة»، لكني كمن ينتظر المستحيل، قال له صاحبي: «كوّنتَ الرجال وبنيت الأجيال، وكنت تقتحم المقاهي والمنتديات العامة من أجل زرع هذا الخير، واستخراج المعدن النفيس.. لكن الأستاذ أجابه بهدوء الواثق مما يقول: «أستغفر الله.. أنا لم أفعل شيئًا، إخواني هؤلاء هم من فعل»، ونظر إلى من حوله ومن عن يمينه، بعض من الرعيل الأول الذين احمرت وجناتهم خجلاً، وكأني بهم يرجون انخساف الأرض بهم على أن يسمعوا مثل هذا الكلام من شيخهم، لكن لسان حال الأستاذ في حقيقة الأمر يقول: إن التوفيق من الله تبارك وتعالى، والمحظوظ هو من يجد لنفسه موقع قدم في هذا الفضل الرباني.

حلقة الأستاذ فتح الله كولن -بل المخيم كله- نموذج مجتمع مصغر، يحج إليه كل أطياف المجتمع المتعلمون، وبسطاء الناس، التجار والأصناف، ورجال الأعمال، والشباب والشيوخ والكهول.. وللنساء كذلك حظ في الإنصات إلى دروس الأستاذ ومواعظه وخطبه من وراء حجاب.

الفضاء نظيف ومنظم، يرحل بمرتاديه إلى عصور سالفة عندما كان المسجد جامعة بكل ما تتصف به الجامعات المتقدمة في أيامنا، وعندما كانت المدارس والزوايا والتكايا تؤدي واجبها ومهمتها على أكمل وجه. جامعة الأستاذ جامعة مفتوحة على كل الآفاق، وهي مفتوحة الآن في بنسلفانيا، والله وحده يعلم أين تفتح غدًا. تجليات إشراق هذه الجامعة كأنها إشراق واحد ممتد من الأناضول إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وممتد من الماضي إلى الحاضر، لكنها مع فتح الله كولن مفتوحة بإشراقه على العصر وتقنياته.

الأستاذ فتح الله كولن حريص دائمًا على تأكيد أن القيم والأخلاق لغة عالمية وسبيل للنجاح في كل مكان.

المجلس تجسيد صادق أمين لبعض نصوص فتح الله كولن حين الحديث عن «جيل الأمل» المُحدِث التغيير والكاسر التبلد الذي أصاب العقول ردحًا من الزمن، جيل يأخذ بناصية العلم وقابليته لتوظيف العلوم والتكنولوجيا في إحداث التغيير.. إنه تجسيد لنبوءة النورسي بأن الإنسانية كلها ستتجه إلى العلم وإلى التكنولوجيا، وهي في حلقة الأستاذ للرفع من  شأن العلم والمعرفة، دون المساس بعمق وظيفة المجلس.

نكران الذات كلمة سحرية ومفتاحية، تفتح للنجاح والتوفيق مسارات عديدة. الأستاذ فتح الله كولن نموذج مثالي لهذه القيمة الأخلاقية النادرة، تجده أمام طلبته مبديًا ملاحظاته بتواضع جم، قد لا تجد من يماثله عند أهل العلم في هذا العصر.. علّق أحد الطلبة النجباء، ممن يعرفون الأستاذ معرفة قريبة واطلع على بعض تفاصيل عالمه العرفاني ولازمه ردحًا مهمًّا من الزمن، فردّ الأستاذ على ما يقوله طالبُه: جزاك الله خيرًا صحِّحْ لي أخطائي، فأنا كثير الأخطاء.

في درس الحديث النبوي يسترعي الملاحِظ اهتمام الأستاذ بعلم الرجال، فالحلقة تولي الرجال عناية خاصة، وأهم ما في ذلك هو الحرص على ذكر ما يميز هؤلاء الرجال من جهة الضبط والسلوك والهمة العالية..

سبحان الله هذا السارية وهذا الرجل المهيب وفي مجلسٍ حج إليه الناس من كل حدب وصوب من أجل الظفر بمجرد التفاتة بطرف عين منه، والاستفادة من علمه وعرفانه، والتلذذ بحضور مجلسه.. يتواضع أمام طلبته، معتذرًا بتواضع جم لا نظير له! ما أعظمه من رجل.

وجب التذكير بأن الحلقة محورَ الحديث، توجد في الولايات المتحدة الأمريكية، حلقة درس تحفّها الأنوار وتؤطرها الشريعة، وتقام على هدى من الله ولسان حالها يقول «نور الله أكبر من الفضاءات وأوسع من الجغرافيا الضيقة»، مجلس يوجد فوق الزمن والمكان والأحداث، لا تستباح فيه حرمات الله ولا مخلوقاته، بل تجد الأستاذ ورجاله أكثر حرصًا على إبداع السبل لفتح القلوب وإنقاذ الإنسان والعالم من مشاكله بالحكمة والموعظة الحسنة.. مجلس لسان حاله يقول «اللب والعمق هو الأصل، وأما التفاصيل فثانوية لكن دون إهمالها»، فهي ذات حظ في رؤية الأستاذ، وهي الوجه الذي تطل به على العصر، ولولا بعض التفاصيل لما خرجت حلقة الأستاذ عن مجرد تكية.

النظام والترتيب وروح العصر والتكنولوجيا، هذه كلها تفاصيل يعتني بها الأستاذ وينبه إليها، لكنها ليست كل شيء، وكأني به يقول اعتنوا بالقاع ولا تركزوا على الأمواج المتلاطمة على السطح، ولكن ركزوا على الأمواج الصاعدة من القاع.

دخول الأستاذ، انطلاق المجلس

يدخل الأستاذ المجلس كسارية، يسير بهدوء الواثق من نفسه، فهو الأسد في عرينه، يقف بعض الحضور وبعض طلبة الأستاذ، يطلب منهم الجلوس، متمتما ببضع كلمات ترجمها الذي كان عن يميني: «لا تقفوا لي فهذا يزعجني».. مسلك يرغم «التسفير» الذي يريد المكوث فيه رغم كل شيء، بل هو مقام «المحاسبة» الذي يصر على ضرورة البقاء فيه رغم كل شيء. تذكرت في هذه اللحظات بعض علمائنا الذين تأخذهم العزة بالمقام والمنصب، وينسون التواضع الذي هو نافلة العلم.

يبدأ المجلس؛ هالة من الوقار والاحترام تحف جنباته، الكل منصت ومنفتح الجوارح والعقل والقلب في انتظار الواردات. الطلبة أكثر يقظة، متوجهون ينتظرون إشارة البدء كأن على رؤوسهم الطير. بدأ الدرس بجولة بين رقائق رسائل النور، فهي الإطار الفكري والمعنوي المقوي للإيمان، والاستشعار بالوجود وما فيه من كائنات كبر شأنها أم صغر في دائرة المعرفة اليقينية بالله . النص معروض على شاشة كبيرة يقرأه أحد الطلبة من شاشة أمامه. هو يعرف مهمته قبل انطلاق الدرس، ولا شك أن الأستاذ قد أرسى قواعد نظام تدبير الدروس.. أما الأستاذ فكان يتابع في شاشة أمامه، يقف بين الفينة والأخرى ليعلق ويشرح ويضيف.. لقد قُرئت الرسائل مرات كثيرة في مثل هذه الحلقات، كما تقرأ بانتظام في مختلف الحلقات التربوية التي تقام في مختلف مناطق العالم. رغم مرور عقود كثيرة على قراءة هذه الرسائل، ما تزال مصدر إلهام عند الأستاذ فتح الله كولن. يغمرني شعور بأن لا أحد فهم الأستاذ بديع الزمان سعيد النورسي واستوعب عالمه كما الأستاذ فتح الله كولن. «ما أجمل تعاليق الأستاذ» قال الذي كان إلى جانبي.

قراءة «رسائل النور» مكون مهم في منهج الأستاذ فتح الله كولن، لقد استوعب النورسي اللحظة التاريخية التي عاش فيها وكان خير شاهد عليها. لقد قُرئت الرسائل مرات كثيرة في مثل هذه الحلقات، كما تقرأ بانتظام في مختلف الحلقات التربوية التي تقام في مختلف مناطق العالم.

قراءة «رسائل النور» مكون مهم في منهج الأستاذ فتح الله كولن، لقد استوعب النورسي اللحظة التاريخية التي عاش فيها وكان خير شاهد عليها. لقد عاش الرجّة العنيفة، وأدرك أسباب الأزمة الحضارية التي عرفها العالم الإسلامي، ووعى أسباب الزلزال كما لم يعها أحد آخر من رجال العلم والسياسية في عصره. وأما فتح الله فأهم من أدرك إشارات الأستاذ النورسي وحلولَه وعمل على تطويرها، والأهم من ذلك هو أنه صبغها بروح العصر، الأمر الذي سهّل تنزيلها. تعليقات الأستاذ فتح الله على الرسائل في هذا المجلس تتسم بالجدة، ولماذا تتسم بالتكرار وهو يقرأها في ضوء مستجدات العصر.

راودني إحساس والحضور يتابعون النص على الشاشة أنهم يعرفون النص وقرأوه مرات عديدة وبأن جوارحهم وآذانهم تترقب مع ذلك -ودائمًا- رؤية جديدة للأستاذ وتعليقة تنطلق من هذه الرسائل، ومنهم من جاء فعلاً لهذا. كنت أتابع النص بالعربية، هيّئ لي بأنه اختير بعناية فائقة، قلت مع نفسي ليس هناك أفضل من رسائل النور تهيئ الأفئدة لاستقبال الواردات المعرفية من الأستاذ، فهذه الرسائل نوع من المقبلات لتهيئة الأفئدة وخاصة أفئدة الطلبة.

الأستاذ فتح الله كولن مع الأستاذ سعيد النورسي

لقد تحدث الكثيرون عن النورسي وعن رسائله، ومنهم من نذر حياته كلها لخدمة رسائل النور والتعريف بها، لكن لا أعرف رجلاً تحدث عن الأستاذ النورسي وعن رسائله كما تحدث الأستاذ فتح الله كولن؛ لقد أكسب النورسي ورسائله وكذلك خدمة هذه الرسائل، قيمة عظيمة وانتشارًا واسعًا في العالم كله، فلقد عُرف الأستاذ النورسي في العالم وخاصة في العالم العربي من خلال الأستاذ فتح الله كولن بوساطة «الخدمة».

لقد تحدث الكثيرون عن النورسي وعن رسائله، ومنهم من نذر حياته كلها لخدمة رسائل النور والتعريف بها، لكن لا أعرف رجلاً تحدث عن الأستاذ النورسي وعن رسائله كما تحدث الأستاذ فتح الله كولن.

في كلام الأستاذ فتح الله كولن عن النورسي حبّ لا يوصف وتقدير لا يضاهى ولا يوزن.. العلاقة أكبر من التتلمذ، إذ لكل واحد منهما مهمة ودور أدّاه على الوجه الأكمل الواجب له؛ الرجلان معًا يشربان من معين واحد، شرب الأول من مشكاة النبوة الصافي، وأدى وظيفة ومهمة، وبلّغ على الوجه الذي بلغ بمهمته إلى الحد المأذون له، وعلى الوجه الذي يرضي الله ، لتبدأ مهمة الآخر للدفع بهذه المشكاة إلى ما شاء الله . وكأني بمهمة فتح الله كولن مفتوحة على المستقبل أكثر من انفتاحها على الحاضر بعد إضافة العمق والمعنى.

الكتب التقارير والعلم والمعنى

وما يقف عليه ضيف جامعة الجامعات، وتجسده «الخدمة» بنشاطها الفعّال وعملها المستمر المتواصل، تنزيل لما يتحدث عنه الأستاذ في كتبه، ولعل هذا الذي حرك سؤالاً طالما تساءلته: هل كتب الأستاذ وخاصة «ونحن نقيم صرح الروح» و»ونحن نبني حضارتنا» تقارير عن الخدمة، كما يعنّ لي؟

المتنعم الذي يقارن بين النظر المتضمن في الكتابين، وما ينجزه أهل الهمة، والجيل الذهبي الذي بشر فتح الله كولن ببزوغ أوانه، قد يجزم بأن الأستاذ قد حرر تقارير تصف حالاً يراه بأم عينيه، ويلمسه بيديه ويداعبه بأنامله.. وأما الذي أجده في أعماقي، وبمنطق القلب والوجدان، فالتفسير الأقرب هو أن فتح الله ينظر إلى أحوال عالم آخر مواز لعالم الحوادث هو عالم المعنى، وهو عالم قريب منه، وكأن الأستاذ يعيش بجسده في عالم الشهود، ويعيش بقلبه وروحه حياة أخرى موازية في عالم الأرواح والمعاني كما قال أحدهم.

مجلس الأستاذ فتح الله كولن مجلس تربوي عرفاني في المقام الأول، وبكل ما يتضمنه ذلك من دلالة، مجلس يرتقي الحاضرون فيه المقامات، كل حسب استعداده الروحي وصفاء طويته..

مجلس الأستاذ فتح الله كولن مجلس تربوي عرفاني في المقام الأول، وبكل ما يتضمنه ذلك من دلالة، مجلس يرتقي الحاضرون فيه المقامات، كل حسب استعداده الروحي وصفاء طويته.. لم أشك لحظة واحدة وأنا في تلك الحضرة العرفانية أن بين الحضور من يتحكم في ناصية ما حصله من معارف وعلوم وتجربة دنيوية، كل واحد حسب تخصصه، وكل واحد يدرك حاجته، ومدى افتقاره إلى الروح والمعنى، ويعرف أن العلم بلا روح، كالهياكل الفارغة من المضمون والأشكال الخالية من المحتوى.. العلم أحوج ما يكون إلى المعنى الذي يربطه بنظام الوجود في دائرة المعادلة والتوازن الذي فطر عليه هذا الوجود.

المجلس وأفق عصر السعادة

يشعرك مجلس فتح الله كولن أن الأفق الذي يوجد فيه أفقٌ مختلف، والإيقاع الذي يتحرك به ليس إيقاع اللحظة، بل هو إيقاع مفتوح على زمن آخر وعصر آخر -طالما ذكره الأستاذ في أدبياته- هو عصر السعادة.. وكأن المجلس نسخة مقتبسة من مجلس الرسول  وقد تحلق حوله الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، يربيهم ويعلمهم ويشاورهم في أمور الإنسانية ومستقبلها في ذلك الحاضر.. يهيأ لي أن ذلك المجلس لم ينفضّ منذ ذلك الوقت وهو مستمر إلى ما شاء الله .. مجلس واحد تملؤه وجوه نيرة من كل عصر بأبعاد متعددة ومقامات متنوعة، مجلس فوق الزمان والمكان، والمعنى الذي يحفه من تلك الروح وتلك الشحنة التي وجدها الصحابة وهم يتحلقون حول أستاذهم.

الوفاء لروح المكان

قبل حوالي عشر سنوات، كنت على موعد مع فرصة ذهبية أدركت أهميتها بعد مضي سنوات؛ فقد حضرت مؤتمرًا في إسطنبول، وبعد المؤتمر وجدت نفسي ضيفًا في «أَلْتُوني زادَه» حيث كان يقيم الأستاذ فتح الله كولن ويؤدي المهمة التي يؤديها اليوم بكل اقتدار في عمق الولايات المتحدة الأمريكية.

اليوم ازداد يقيني بأني كنت على موعد قدري في هذا الفضاء مع ثلة من العلماء الأفاضل، لست من العلماء بالطبع، لكني بقدرة القادر وجدت نفسي معهم، أذكر منهم فريد الأنصاري رحمه الله تعالى، والشاهد البوشيخي، ومصطفى بن حمزة، وحسن الأمراني. لم أكن قد عرفت الأستاذ فتح الله بعد، ربما ذكر اسمه أمامي، لكن لم يكن ليثير عندي أي شعور، لأني لم أكن قد تجاوزت عتبة رسائل النور بعد، كانت الرسائل بالنسبة لي حينها كنزًا وقعت عليه، وأقصى وعي للمرحلة، لم أكن أدرك أني على موعد مع أفق آخر بعد عتبة رسائل النور.

يربط الأستاذ وشائج علاقة حميمة مع الفضاء والأماكن التي يقيم فيها، ويعسر عليه تركها من كثرة وفائه لها، لأنه يعتقد بأن للفضاء روحًا تشهد استحضار عظمة الخالق.

صعدت إلى الطابق الخامس، جلست في حجرة الدرس في مواجهة مجلس من مجالس الأستاذ، التي كان الأستاذ يجلس عليها لأداء وظيفته، علمت فيما بعد أن لكل كرسي وقتًا، وهذا ما وقفت عليه في بنسلفانيا. كنت أحاول رسم صورة لهذا الرجل وأحاول مطابقة هذا المشهد في دائرة ما وجدت في رسائل النور، لا شك أن الذي انتابني وقتها هو أن الأستاذ أحد تلاميذ الأستاذ النورسي.

كنت ألحظ علامات الإعجاب والتقدير في عيون الأساتذة الذين كنت ضيفًا معهم. كان المكان خاليًا من المحبّين والطلبة، لأن الأستاذ كان في أمريكا، كانت رهبة المكان وسكونه تشعر بالسكينة، غياب الأبدان والأجسام لا يغيب الأرواح، كنت أشعر بأن روح هذا الرجل موجودة رغم أني لم أكن قد عرفته بعد. كان بعض تلامذته والرجل الطيب «مهمت أبي» (محمد) الذي كان لسنوات في خدمة الأستاذ، يتحدثون عن الأستاذ بكل حب حتى العشق، وربما اعتبرت ذلك نوعًا من المبالغة. كان هؤلاء جميعًا يعيشون على أمل رجوع الأستاذ في يوم من الأيام حتى يعود للفضاء نشاطه وحيويته. الفضاء لم يعرف أي تغيير، نظافته وترتيبه ونظامه يوحي بأن الأستاذ موجود، وهو فعلا موجود، ربما يغيب ببدنه لكنه موجود بروحه، طيفه يملأ المكان، عبير أنفاسه ما يزال موجودًا.

يربط الأستاذ وشائج علاقة حميمة مع الفضاء والأماكن التي يقيم فيها، ويعسر عليه تركها من كثرة وفائه لها، لأنه يعتقد بأن للفضاء روحًا تشهد استحضار عظمة الخالق، وعندما يترك مكانًا يتركه على مضض، وتحت ضغط الإصرار. لقد ربط الأستاذ علاقة خاصة مع هذا النوع من الأماكن، في بنسلفانيا استغرق انتقال الأستاذ من المكان القديم إلى المكان الجديد وقتًا. المكان الأول قريب من الحالي في المخيم نفسه، وهو أوسع ومهيأ بصورة كاملة لاستقبال ضيوف أكثر.

شهد المقر القديم تدعيم حضور الخدمات في أمريكا، كل الذين كانوا مع الأستاذ في مرحلة التسعينيات، يؤكدون أن «الخدمة» عرفت دفعة نوعية عند قدومه إلى أمريكا. طيف الأستاذ لا يغادر الأماكن التي أقام بها وخاصة تلك التي تشكل جزءًا من حياته الحركية.

زرت المكان القديم، بُعْدُ القدم هنا صوري فحسب، فهو قديم بحكم الترتيب الزمني، لم يفقد رونقه رغم بساطته، مظاهره تدل على أن الأستاذ ما يزال موجودًا في المكان رغم ضيقه مقارنة بالفضاء الجديد.. يشعر الزائر أنه واسع سعة العالم كله، بما شهده من جلسات للدعاء والذكر، وبما شهده من جلسات للعلم والمعرفة، وبما شهده من جلسات إعداد مشاريع جديدة في أمريكا على الخصوص.

الأستاذ لم يعش حياته كما الآخرين، فهو لم يتزوج، ولم يجد الوقت لذلك، بالنظر إلى أن إيقاع حياته كان دائمًا مطبوعًا بعدم الاستقرار، وربما هذا هو السر في محبة الأستاذ للأطفال محبة عجيبة.

تناولنا طعام الغداء في غرفة خصصت للضيوف، وهي غرفة كان الأستاذ يستقبل فيها ضيوفه.. انتابني شعور بأني لا أستحق كل هذا الاهتمام، فمَن أكون حتى تفتح في وجهي هذه الفضاءات التي شهدت لقاءات مع شخصيات اجتماعية وثقافية ومدنية وفكرية وسياسية وازنة، لكن..

أثناء الحملة المسعورة التي شنها بعضهم على فتح الله كولن وعلى «الخدمة» بعد الاتهام بالوقوف وراء فضح أعمال الفساد التي تورط فيها شخصيات وازنة في هرم السلطة.. أثناء هذه الأحداث طالبت هذه الأطراف الولايات المتحدة الأمريكية بتسليم فتح الله كولن، باعتباره مسؤولاً عما أسموه العقلَ المدبّر لانقلاب مزعوم، وبثت بعض القنوات التلفزية الرسمية صورًا عما أسموه القصر الذي يقيم فيه، وكانت الصور المعروضة والملتقطة بطائرة من الأعلى، صور المخيم حيث يوجد المقر الذي يقيم فيه الأستاذ. وعلى الرغم من كون هذا المخيم يوجد في وسط غابة ممتدة وفضاء طبيعي يساعد على التأمل  وعلى التدبر وعلى الاسترخاء الروحي، إلا أنه أبعد ما يكون عن القصور وعن الإقامات الفخمة. هناك نظام وجمالية، لكنها بالمرة ليست قصرًا.

غرفة بسيطة تطل على الجنة

حُزت زيارة غرفة الأستاذ حيث يمضي أغلب وقته خارج أوقات الدرس والصحبة والذكر والصلاة.. غرفة بسيطة أبسط من أبسط غرفة قد يتوفر عليها أحدنا.. غرفة متواضعة تليق برجل عابد زاهد في الدنيا وما فيها متعلق قلبه بالآخرة.. غرفة تؤكد محتوياتها أن محور حياة من يقيم فيها هو التبليغ.. رجل جعل السعي إلى ربط حياة الناس بالله غاية وجوده.. غرفة بسيطة لكنها منظمة تختزل حياة الأستاذ ونظامه اليومي الذي تدور عقاربه حول أوقات الصلاة، لأن  فتح الله لا يمكن أن يعيش حياة غير منظمة، لأنه حدد هدفه ووعى غايته.. الفراش الذي يستلقي عليه الرجل الذي بلغ من السن عتيًّا بسيط إلى درجة الخشونة، لا أظن أن رجلاً مثله ينام، وكيف ينام من يحمل همّ الدنيا كليًّا ويعيش بتلك الأهداف والغايات.. من يرى فتح الله ويقترب من عالمه، يدرك أنه ليس بالرجل النوام، وحتى إذا غفت عينه فقلبه دائمًا متيقظ.. هذا ما نبض به قلبي وأنا في هذه الغرفة.. خجلت من نفسي حين شعرت بخشونة تحت القدمين في غرفة الأستاذ؛ لأني أسير على حصير خشن وبسيط.. كنت أنتظر سجادًا ناعمًا، لكن خاب ظني.. فالأستاذ يتحرك في غرفته على مجرد حصير، هذا هو سر توفيق الله له.

مكتب عليه حاسوب، ومكتبة تضم بعض أمهات الكتب، وكتب أخرى ربما بعض ما كتب عن «الخدمة» وعن الأستاذ. تمنيت لو وقعت عيني على الكتاب المتواضع الذي ضمنته بضع ملاحظات عن الأستاذ وعن الخدمة، إذ سأكون أسعد إنسان إذا علمت أن الأستاذ اطلع على هذا العمل المتواضع.

غرفة مليئة بالرمز والإيحاء، كل الأثاث على بساطته يحمل رمزية ويوحي بشيء.. وقفت من بعيد أتأمل هل أستطيع فك لغز هذه الغرفة؟ مر بخلدي في تلك اللحظة أن صاحب الغرفة حريص على التأسي بالرسول  وبصحابته رضوان الله عليهم أجمعين.

انتابني شعور بأن هذه الأحوال هي السر الكامن وراء قبول الرجل عند الناس ومحبتهم له، وانتشار أفكاره ومنجزاته.. تذكرت قول أحد الأحبة: «رجل ينطق كلمات فتتحول إلى منجزات ومؤسسات ومدارس ومعاهد وجامعات.. إنه الصدق والإخلاص والإيمان، والزهد في الدنيا». من داخل هذه الغرفة التي اتخذ منها الأستاذ مكتبًا ومنامًا يفكر في حلول للإنسانية كلها، لا أعرف رجلاً يحمل همّ العالم كله مثلما يحمل فتح الله كولن.

في ركن من هذه الغرفة احتلت بعض الرفوف مكانًا من الغرفة يوجد عليها زجاجات وقوارير تحتوي أتربة؛ علمت أن المكتوب عليها هي أسماء مناطق مختلفة من بلاد الأناضول، الموطن الذي يكنّ له الأستاذ تقديرًا خاصًّا في قلبه، ويعيش على أمل العودة إليه في يوم من الأيام. أظنه غادر وطنه بالبدن لكن روحه ما تزال هناك، لكن ليس هناك تفسير آخر لهذه الصورة الشاعرية سوى الحب والإخلاص للأوطان.. ألم يقل الرسول  بأن حب الأوطان من الإيمان.. وهو كذلك الحس الشاعري المرهف، والوجدان المفعم بالمعاني السامية. وإذا كان الأستاذ شاعرًا نذر شعره لإبراز همومه وآماله بخصوص الإنسانية، فإن مشهد زجاجات تراب تركيا، صورة شعرية بامتياز تلخص إلى حد بعيد شخصية الأستاذ ونفسيته، وتلخص وفاءه لروح المكان.

رهافة إحساس هذا الرجل لا مثيل لها، يجهش بالبكاء لبكاء الآخرين.. أجهش الذي كان معي بالبكاء وهو يتحدث إلى الرجل عن الرجل، فأجابه الرجل بدموع منهمرة في اللحظة والحين، وكأنه تلقف من بعيد إيقاع دواخل صاحبي، وتلقف أمارات الدموع، فأسرعت دموعه كأنها تريد غسل همومه بدموعه.

لا شك في أن لغة القيم لغة عالمية، وهذا هو عمق ما يحمله الأستاذ فتح الله كولن إلى مركز العالم المعاصر.

إيقاع حياة مختلف

الأستاذ لم يعش حياته كما الآخرين، فهو لم يتزوج، ولم يجد الوقت لذلك، بالنظر إلى أن إيقاع حياته كان دائمًا مطبوعًا بعدم الاستقرار، وربما هذا هو السر في محبة الأستاذ للأطفال محبة عجيبة، يحنو عليهم كما يحنو الآباء على أولادهم أو أكثر، خصهم بكتاب خاص ترجم إلى العربية قبل فترة قصيرة.. لم يرزق الأستاذ أولادًا، لكنه يعتبر جميع الأطفال أولاده، ولذلك في معاملته لهم لا ينسى مهمته الأصلية وهي التربية والتعليم.. قبل جلسة من الجلسات، يسمح لبعض الأطفال -بالأحرى لكل الأطفال الحاضرين في المخيم- بالدخول إلى قاعة الدرس والصلاة، يدخل الأطفال ببراءتهم وابتسامتهم فيقابلهم بنفس البراءة وبابتسامة عريضة، يمسح على رؤوسهم، يقبّلون يده يحاول سحبها برفق دون المس بمشاعر هؤلاء الأطفال، ثم يسلم كل واحد منهم قطعة حلوى، يتناولها من صندوق عن يمينه.. ما أرقه من موقف! حتى في مثل هذه المواقف الممتلئة بالمشاعر الصادقة والممتلئة بالحب والأشواق النبيلة، يخيل لي بأن الأستاذ لا يترك مهمته الأصلية التربية والتعليم؛ إذ بتصرفاته هذه مع الأطفال، يعمل على توجيه رسائل سلوكية وتربوية عن الأسلوب الذي يجب التعامل به مع البراعم الصغيرة، التي تحتاج من خلال تصرفات الأستاذ معهم إلى عناية واهتمام خاصين.. فهو يرى فيهم ثمارًا للمستقبل، ولذلك وجب العناية بهم.

أيقظتْ تصرفات الأستاذ مع البراعم الصغيرة جملة من الملاحظات وقفت عليها في نصوص شعرية في «ألوان وظلال»؛ حيث يغازل الأستاذ الأمل الذي يتطلع إليه من خلال براءة الأطفال، ومن خلال إيقاع الهم الثقيل الذي يسكنه، حاملاً إياها بين جوانحه عمرًا بكامله.. حيث تلمس في هذه النصوص أن الأستاذ متطلع إلى سبيل لإنقاذ البعد الإنساني في هذه البراعم، حتى لا تقع لقمة سائغة في براثن وحش الانحراف الفكري والثقافي.

مجلس الأستاذ كله رسائل مرموزة يتلقفها أصحاب الهمة العالية لترجمتها إلى حركية.. فاعتناء الأستاذ بالأطفال وتخصيص حيز لهم في جلسته، إشارة  إلى أهمية خفض الجناح لهذه البراعم الصغيرة.

مخيم لبناء الرجال

إذا قال أحدهم بأن المخيم أكاديمية لبناء الرجال فقد صدق. الأستاذ فتح الله كولن في معتكفه، منقطع للعبادة بمفهومها الواسع العريض، العبادة هي المحور الذي تتمحور حوله الحياة في المخيم.. لكن العبادة هنا ينبغي النظر إليها ببعد أوسع؛ فتكوين الرجال وبناء الهمم العالية بُعد من أبعاد هذه العبادة. لا شك أن الأستاذ يباشر بصورة مباشرة أمور «الخدمة»، وهو يعتبر نفسه -فيما لمستُ ولاحظتُ- ملزمًا بذلك ما دام قد أخذ على عاتقه تقديم الأمل للإنسانية كلها بالقيم والأخلاق والمحبة والتسامح وخفض الجناح والتجاوز عن كل من بادر بالإساءة.. هكذا رأيت الأستاذ، وهذا هو ما شعرت به. ولذلك فإن الرجال الذين يأتون إلى هذا الركن الحي من العالم، تغمرهم رغبة البقاء إلى جانب الأستاذ، لأنه رجل لا تمل معاشرته، ولا يمل الجلوس إليه ومعه، والتلذذ بكلامه والاستمتاع بالجو الروحاني والمعنوي والتربوي الذي يعمه كأن نوافذه مفتوحة على نسائم الجنة.. لكن كل الذين حضروا يعلمون علم اليقين أن هذا الأمر بعيد المنال، خاصة مع رجل يرفع من شأن الحركية ويفضل العامل على القاعد، حتى أولئك الطلبة الذين يختارون بعناية خاصة للتتلمذ على يديه والاستفادة من الشحن الروحي الذي يبثه الأستاذ فيهم، يعلمون علم اليقين أنهم في يوم من الأيام سيحملون المسؤولية الكبرى خارج الأكاديمية أو جامعة الجامعات. تذكرت قصة أحد الأحبة أقام عند الأستاذ أكثر من عقد من الزمن وحفظ القرآن عنده، لكنه ما لبث أن حمل مسؤولية القيام بالواجب فهاجر إلى مكان قصي من العالم لا يفكر بالعودة مرة أخرى مثل الصحابة رضوان الله عليهم أجميعن.

رجال أمريكا وإجازة الأستاذ

تعرفت خلال هذه الزيارة المباركة على همة من حظي بشرف التلقي من الأستاذ في مجلسه، أحدهم يشرف على قناة للتلفزيون، شاب لا تكاد الابتسامة تغادر محياه، وتترك البشاشة سحنة وجهه -كأنه خُلِق مبتسمًا- مع تواضع جم، عندما يتكلم تلمس في عباراته أنه صاحب معرفة واسعة وعلم وفير، لكنه فوق ذلك يبدو مجربًا صقلت التجارب علمه، لكن تواضعه الجم يشعر من ينصت إليه بالخجل، لأنه وهو يتحدث يحاول عبثًا إبراز أنه مجرد مبتدئ وفي حاجة إلى ملاحظات الآخرين وخاصة من ينصت إليه، لكن فاقد الشيء لا يعطيه.. ما ألطف تلامذة الأستاذ ومحبّيه، ينكرون ذواتهم.. لقد أصر على أن تكون نظرته لمن كان معي من العالم العربي أنهم علماء.

همة أخرى تشرفت باللقاء بها، إنه عميد «جامعة الاحترام» (Respect) القريبة من المخيم في بنسلفانيا، شاب بشوش متحمس، شعلة من الحركية والذكاء والتواضع، تخرّج من حلقة الأستاذ وعُيِّن للإشراف على شؤون الجامعة، هو خريج الإلهيات، لكنه تمكن من الحصول على الدكتوراه في أمريكا وحصل في الوقت نفسه على إجازة الأستاذ. تركز الجامعة على مكون التسامح والحوار صرحًا للدراسة والتكوين. شاء القدر أن نلتقي ونحن نزور الجامعة بحلقة تكوينية، طلبتها يحضرون الدكتوراه.. اللافت للنظر هو أن الطلبة من الجنسين، وأغلبهم من تخصصات تقنية وهندسية دقيقة، ولم يمنعهم ذلك من التفكير في توسيع تكوينهم في مجال العلوم الإسلامية.

تضم حلقة الأستاذ في أمريكا جنسيات مختلفة، فطلبة الأستاذ ليسوا جميعًا أتراكًا، بعضهم من بعض دول البلقان الذي يحظى بعناية خاصة من فتح الله كولن، وهناك خدمات خاصة تقدم للجالية البلقانية…

مفهوم الإجازة مصطلح تقليدي يختزل عملية طلب العلم وإتمام ذلك في المدرسة التقليدية، وهو مؤشر على اكتمال شخصية طالب العلم لدى شيخ من المشايخ، والوصول إلى مرتبة الأهلية المعرفية لرواية العلم وتدريسه، وتدل في بعض الحالات على أهلية طالب العلم العرفانية، وهذه يمنحها شيخ الطريقة في الغالب في بعض المدارس الصوفية.

مدرسة الأستاذ فتح الله كولن تشتغل على هذا المنوال، وهو المنوال نفسه الذي حصّل الأستاذ به معارفه وخاصة في المراحل الأولى لحياته، أهّله في وقت من الأوقات ليتصدر للإمامة وللخطابة في مساجد “أدرنة” ثم في “إزمير”. لقد حافظ الأستاذ على عمق  المدرسة التقليدية، وحافظ على كنهها، لكنه في الوقت نفسه جدد في الشكل وفي المنهج والأسلوب، وربط الإجازة بعنصر ثالث -إلى جانب المعرفة والعرفان- وهو الحركية؛ أي مقدرة المريد على المبادرة وعلى الحركية. فالقضية هنا تتعلق بالعقل والقلب والروح والحركية، منهجه يقوم على ربط المريد بالعصر، وتحويل العلم الشرعي المحصن بالعرفان إلى ممارسة. وتجربة “الخدمة” في أمريكا تجسيد عميق لهذه الرؤية، كما سنعمل على إبرازه في مكان لاحق من وصف هذه الرحلة.

لم يخرج الأستاذ عن منهج رسول الله  عندما أرسل معاذ بن جبل  إلى اليمن، إذ إن كل من يجيزه الأستاذ صار مؤهلاً لتحمّل مسؤولية تدبير شؤون الخدمة، من خلال مدخل الهجرة الذي عرف مع الأستاذ بُعدًا أوسع وأعمق. فكل طالب علم في حلقة الأستاذ هو معاذ بن جبل، وسيتحمّل المسؤولية الحركية في الواقع، وتنزيل ما شحنه به الأستاذ من قيم وفهم وتجربة ووعي.

تضم حلقة الأستاذ في أمريكا جنسيات مختلفة، فطلبة الأستاذ ليسوا جميعًا أتراكًا، بعضهم من بعض دول البلقان الذي يحظى بعناية خاصة من فتح الله كولن، وهناك خدمات خاصة تقدم للجالية البلقانية في أمريكا يشرف عليها رجال تلقوا تكوينهم في مدارس «الخدمة» في البلقان، وضمنهم كذلك بعض الطلبة من دول العالم التركي، الذي أولاه الأستاذ عناية خاصة منذ ثمانينيات القرن الماضي. ضمن طلبة الأستاذ تعرفتُ على شاب وسيم من العالم العربي من بلد الكنانة مصر، حظي بشرف الالتحاق بمدرسة الأستاذ، بعد أن درس في مدارس «الخدمة» وبعد تخرجه من الجامعة ومن الأكاديمية في إسطنبول، التحق بحلقة الأستاذ في أمريكا في انتظار شرف التكليف بخدمة بعد حصوله على الطاقة اللازمة لذلك.

علم الرجال

في درس الحديث النبوي يسترعي الملاحِظ اهتمام الأستاذ بعلم الرجال، فالحلقة تولي الرجال عناية خاصة، وأهم ما في ذلك هو الحرص على ذكر ما يميز هؤلاء الرجال من جهة الضبط والسلوك والهمة العالية.. فالأستاذ حريص على النظر إليهم باعتبارهم هممًا يجب الاقتداء بهم لمساهمتهم في بناء صرح الحضارة.. تعرض أسماء الرجال على الشاشة الكبرى، وعلى الشاشة أمام الأستاذ، لا يفوت الأستاذ فرصة التعليق والشرح والإضافة على كل ما يأتي به السارد، ولا يفوت المتحلق تسجيل ما يعلق عليه الأستاذ من جواهر. رغم أني لا أعرف التركية، إلا أني أستطيع إدراك أن تعليقات الأستاذ بمثابة جواهر فكرية يسرع المتحلق بتسجيلها، فإضافات الأستاذ دائمًا جديدة ونكت فكرية ومعرفية قلما تتكرر.

المتنعم في منهج الأستاذ يستشف بأن الماضي بالنسبة للرجل قيمة يتوجب أن تعاش من أجل تقديم الدعم للحاضر والمستقبل. هذا ما دار في خلدي وأنا في حلقة الأستاذ كالمذهول، لأن الحلقة ترحل بك بعيدًا كآلة لاختزال الزمن، تخترق الحواجز والحدود والموانع وتعود بمن فيها إلى عصر السعادة دون أن تغادر مكانك. لقد قرأت عن مثل هذه الحلقة من خلال بعض الوثائق، ومن خلال ما تفضل بعضهم بوصفه، لكن أنا الآن أعيش الحدث، لكن في أمريكا حيث أقام الأستاذ تلك الخيمة التي طالما حلم بها.

قال أحدهم، الأستاذ يقول: «التربية لغة عالمية»، لكن واقع الحال يؤكد ذلك ويدعمه، لأن الأصل عند الأستاذ هو العمل. فهو لم يتوقف طيلة حياته عن مهمة التعليم وعن مهمة التربية، وهو في أمريكا يبدو أكثر التزامًا بهذه الوظيفة السامية؛ لأن أمريكا تحتاج إلى ذلك وتساعد عليه، لأن نظام القوة الأولى في العالم يقوم على المبادرة وعلى التنوع، وهي تمد يدها لكل من يريد تقديم الجديد.. كن كما أنت بثقافتك، لأن هذا البلد يعتبر التنوع الثقافي عنصر قوة.. وكون التربية لغة عالمية يدعمه إلحاح الأستاذ على أن يكون شعار أبناء «الخدمة» هو تمثيل القيم الأخلاقية التي حملها محمد .

يقول: إذا قال الأمريكيون اليوم: «المسلمون طيبون، فإن أبناءهم سيحبون الإسلام والمسلمين بالتأكيد». لا شك في أن لغة القيم لغة عالمية، وهذا هو عمق ما يحمله الأستاذ فتح الله كولن إلى مركز العالم المعاصر.

المصدر: نسمات، الإصدارة الأولى، نوفمبر ٢٠١٦

Leave a Reply

Your email address will not be published.

FACEBOOK
TWITTER
YOUTUBE