العلاقة الجدلية بين العالم والإنسان علاقة تفكرية بالأساس. عالم قبالتنا يصدمنا بحدّة فيكون ردُّ فعلنا على فعله استنهاضًا لقوانا الذهنية للتفكر به، والكشف عن مستوره، وتفسير أحاجيه. ومن بين هذا الفعل وردِّ الفعل تنهض الحضارات وتقوم المدنيات وتزدهر الثقافات ممّا يدلّ على أن قوى الإنسان الواعية لا زالت على أشدِّها لم تُصَبْ بالإرهاق والعقم.
فلا يمكن التصور للحظة واحدة عالم من دون إنسان، أو وجود إنسان من دون عالم، ونجد مصداق هذه الحقيقة في ثقافتنا القرآنية والسنّية. ومن هنا جاءت مقالات هذا العدد من “حراء” تدور حول الإنسان والعالم والإتيان بالشواهد على هذه العلاقة الجدلية بينهما كما سبقت الإشارة إلى ذلك.
ومن أبرز هذه الشواهد وأعظمها “محمد” صلى الله عليه وسلم الذي تألق قلم الأستاذ فتح الله بالكلام عنه من حيث كونه مفسِّرًا للعالم وشارحًا لمغزى الوجود ومعنى الإنسان. فمقاله يروي الظماء، ويسقي العطاش، إنه يستقي من ينبوع سماوي ثَرٍّ فتنهال عليه الأفكار، وتتداعى عليه المعاني ويتحول قلمه بين أنامله إلى عمود نوراني مغموس برحيق كوني عذب المذاق، فيوقظ عين الزمن عليه، ويملأ كؤوس المعارف بشراب رسالته.
أمّا الأستاذ الدكتور أحمد العبّادي فيردف مقالاً آخر يبين فيه مهمة التعامل مع آثار النبوة في الفرد والمجتمع. وللأستاذ الكبير د. محمد سعيد رمضان البوطي كلام عن الوهج الروحي في حياة الأستاذ “سعيد النورسي”، إضافة إلى الأستاذ الدكتور عبد الحليم عويس الذي يكتب عن الهجرة من حيث كونها مشروعًا لبناء حضارة إيمانية جديدة. وأما الأستاذ الفاضل أديب الدباغ فيكتب في مقاله “الضاربون في الأرض” عن أولئك الفتيان ذوي الهمم العالية وهم يسيحون في الأرض حاملين شعلة الإيمان إلى كل مكان من هذا العالم. وقد أتحفنا الأستاذ زغلول النجار بأحد مقالاته عن إعجازية الليل والنهار ودلالات هذه الإعجازية في القرآن الكريم. وفي الشخصيات الإسلامية يحدثنا الأستاذ الدكتور عمّار جيدل عن ريادة المفكر الإسلامي شيخ الإسلام مصطفى صبري. أما عن المسافة بين “دايتون” الأمريكية و”أبنت” التركية وعما يشتركان فيه ويختلفان، فكان في مقال للأستاذ الدكتور إبراهيم البيومي غانم.
فمن خلال ما توحي به مقالات هذا العدد من “حراء” نستطيع التوكيد على حقيقة كون الإنسان والعالم يشكلان وحدة واحدة مثيرة لاهتمامات المفكرين الجادين في كل وقت. فما زال العالم يدور في دواخلنا مولدًا فيها أعظم الخواطر والأفكار، وما زال العالم كتابًا مغلقًا في حاجة إلى المزيد من القراءة والتصفح، وما زال القرآن والسنة يمداننا بالمساعدة على تحمل معاناة فهم العالم وإدراك مقاصده وغاياته، ولا زال الذكاء البشري في حاجة إلى “الوحي” ليوجه خطاه ويصحح خطأه، ويحدوه في رحلته الصعبة الطويلة غير المتناهية.

About The Author

بوابة حراء

Related Posts

Leave a Reply

Your email address will not be published.

FACEBOOK
TWITTER
YOUTUBE