من خلال رؤية كونية توحيدية تنشُد الإنسان المثاليَّ، بطلَ البصيرة وفارسَ الإدراك الذي تصدق عليه حقيقة أنه خُلق في “أحسن تقويم”. من خلال هذه الرؤية وذلكم المنظور، تعالج مجلة حراء في عددها الجديد، “الإنسانَ” من شتى جوانبه وفي أبرز أبعاده؛ الماديةِ، والروحيةِ، والاجتماعيةِ، والبيانيةِ، والعمرانيةِ، والإيمانيةِ، والحضاريةِ وغيرها… ولذا جاء المقال الرئيس مرصَّعا بمعاني “الإنسان المثاليِّ” أساسًا، و”المجتمع المثالي” تباعًا؛ هذا المجتمع، وذلك الإنسان، المؤسَّس على حقيقة “جمال الإسلام الذاتي وجاذبيته الأصيلة” وعلى “نفَس القرآن الذهبي الذي يبعث الحياة في النفوس”.
ومن خلال سؤال مثير للفضول: “لماذا لا تهضم المعدة نفسها؟!” شرَّح “الشهاوي” إحدى بدائع صنع الله في الإنسان، كذلك فعل “الخراط” في تحليله لـ”أسرار الجلد البشري”. وعن الإنسان في سلَّم الكون والكائنات، ناقش عبد الإله بن مصباح قضية بالغة الأهمية، وهي أنَّ “الإنسان عمَد الكون” وعمدته… أمَّا عن علاقة الإنسان بما يحيطه من مخلوقات مسخَّرة له، فنقرأ لإبراهيم أبوعيانة مقالاً بعنوان “الإنسان والنبات”. وللإنسان كلام وكلمات، وبيان وبيِّنات هي سر من أسرار خلقه وخلقته، عنها قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾(الرحمن:1-4)، وفي هذا النسق كتب “محمد جكيب” عن “سلطة الكلمة وقوّتها”.
وما دام الوقف، والعمران، ومظاهر الحضارة الأخرى أوجهًا ناصعةً من كرامة الإنسان، فقد كتب “نعمان ترك أوغلو” عن “الوقف العثماني.. حضارة واقتصاد”، والعصراني عن “الوقف في التكافل الاجتماعي”، كما أبرز “بركات” مسار البحث عن هوية العمارة الإسلامية.
ويبرز مقال الشيخ علي جمعة في تناوله لـ”المنهاج النبوي والقضايا الاجتماعية الكبرى”، ولقد أجمل فيه أسس هذا المنهج في[ نقاط ستة هي: الاهتمام بالعلم، والعمل، والتوازن، والعدل، ومراعاة الأعراف، والتدرج في التشريع.
ولقد كان لحراء حضور حيوي في ملتقيات عديدة كان من بينها المؤتمر العالمي بعنوان “السراج النبوي، ينير درب البشرية الحائرة”، بالاشتراك مع مجلة “يني أوميد” بمدينة “غازي عنتاب” شرق تركيا؛ ولقد عرف هذا الحدث مشاركة أزيدَ من ستين دولة، فكان بحقٍّ منتدىً جامعًا، وحدثًا لامعًا… وكذلك المتلقى الدولي عن “النور الخالد” في جاكرتا، بالتنسيق مع “كرسي الأستاذ فتح الله كولن” في الجامعة الإسلامية الوطنية؛ وقد عُقد بمناسبة ترجمة كتاب “النور الخالد، محمد صلى الله عليه وسلم مفخرة الإنسانية” إلى اللغة الأندونيسية، فكان حدثًا بارزًا، ويومًا مشهودًا.
ولم يغب الشعر عن هذا العدد، ويبقى الرجاء قمينًا أن يلتحم الشعور الصادق بالفهم الحاذق، ليثمرا عملاً صالحًا، وحضارة أصيلة نافعة… ويومها فقط يمكننا أن نودِّع “إنسان الجسد” القصير النظر، ونصافح “إنسان الغاية” البعيد الغوَر، المطمئنِّ القلب على الدوام… الذي نذر نفسه للإنسانية يخدمها بمعرفته وعرفانه… هذا الإنسان الذي ينهض بشجاعة خارقة، وعزيمة صادقة، لإزالة الظلم من كل أنحاء الأرض.

Leave a Reply

Your email address will not be published.

FACEBOOK
TWITTER
YOUTUBE