إنني لم أزل منذ بداية حياتي أنظر إلى نفسي كإنسان عاديٍّ. ورأسمالي الوحيد هو أنني لم أسجد لغير الله تعالى، وأمنيتي الوحيدة هي أن يَقبلني ربي عبدا له، ومع ذلك اعتبرت وجودي كفرد في دائرة هذه المجموعة التي يعبَّر عنها في الغالب بـ “الخدمة” أو “حركة المتطوعين” من ألطاف الله تعالى.

رأسمالي الوحيد في الحياة أنني لم أسجد لغير الله، وأمنيتي الوحيدة أن يَقبلني ربي عبدا له.

أعداء ثلاثة

ويمكن القول بأن مقولة الأستاذ النُّورسي هي بمثابة خارطة طريق لرجال الخدمة، حيث يقول “إن عدونا هو الجهل والفقر والتفرقة، وسنواجه هذه الأعداء الثلاثة بسلاح العلم والعمل والاتفاق”.

ستينات القرن الماضي كانت حقبةً عشنا فيها مرارة انفصام الشباب عن القيم الإيمانية. فمن أهم الدوافع التي كانت سببا في نشأة دعوة الخدمة هو الحاجة الملحة إلى تنشئة جيل مجهز بالعلوم الكونية من جانب، ومتمسك بالقيم الإيمانية من جانب آخر، جيل محترم للقيم الإنسانية، ممتلئ بالأمل والعزيمة، متحلٍّ بالفكر الإيجابي مهما اشتدت الظروف، متمتع بقدرات يستطيع من خلالها إيجاد حلول لأزمات الإنسان، بالإضافة إلى سعة أفقه واطلاعه على ما يجري حوله في العالم.

أعداؤنا ثلاثة: الجهل والفقر والتفرقة، وسنواجهم بسلاح العلم والعمل والاتفاق.

معقولية الفكرة

وشاء القدر الإلهي أن أكون ضمن بضعة رجال بادروا ببذل جهود مباركة محتسبين أجرهم عند الله، دون انتظار مقابل من أحد. وكنت أحاول في كل فرصة تسنح لي أن أبين للناس مدى الحاجة إلى مثل هذه الخدمات ومعقوليتها. وذلك من خلال الدروس التي كنت ألقيها في المساجد، أو في قاعات الندوات والمحاضرات التي كنت أُدْعى إليها، بل وحتى في صالات السينما عندما كان يجتمع الناس للاستماع إلى هذا العبد الفقير، وكنت أنبههم في دروسي ومحاضراتي إلى ضرورة رعاية الشباب المهدَّدين بالوقوع في براثن الضياع من أمثال الإدمان والمخدرات والانحلال الخلقي.

عددٌ كبيرٌ من الناس رأوا في هذه المبادرات إخلاصا ومعقولية فآمنوا بها وحملوا مسؤوليتها على عواتقهم. كانت البداية توفيرَ مِنَحٍ دراسية للشباب غير القادرين على مواصلة الدراسة بسبب ظروفهم المادية، وتهيئةَ أرضية آمنة لإيوائهم، بالإضافة إلى بعث الثقة في قلوبهم تجاه القيم الإيمانية التي نشأوا عليها. بعد ذلك أسس هؤلاء المخلصون مساكن للطلاب، وصالات للقراءة، ومدارس أهلية، ومعاهد تحضيرية إلى أن جاء يوم بدأوا ينشئون فيه جامعات أهلية.

الإنسان هو من يصنع المشاكل، فحيثما وُجد الإنسان فالمشاكل تتشابه، والحلول أيضا لا تختلف.

معالجة الفقر

من ناحية أخرى، تم تفعيل دينامو العقل المشترك والوعي الجمعي في اتجاه معالجة “الفقر” الذي جعل أمتَنا ترزح تحت نيّر الحاجة واضطرها الى تكفف الآخرين، فأجّج هذا في نفوس الناس مقومات العمل المشترك، مما أدى بهم إلى إنشاء شراكات بين رجلين أو ثلاثة أو أربعة، وبدؤوا يبادرون إلى الخروج من قراهم أو من محافظاتهم بل ومن بلدهم منفتحين على آفاق جديدة للعمل والاستثمار.

وبمرور الوقت بدأوا ينخرطون في هذه القافلة، وأصبحوا من رجال الهِمَّة الذين لم يقتصروا على أداء زكاة أموالهم فحسب، بل سعوا إلى أن يكسبوا أكثر ليزيدوا من نسبة عطاءاتهم واستثماراتهم في خدمة الإنسان، فمنهم من انبرى لإنشاء مأوى للطلبة، ومنهم من تصدى لبناء جامعة… إلخ. وبفضل هؤلاء فُتحت مدارس في شتى أنحاء العالم، بالإضافة إلى تأسيسهم جمعياتِ إغاثةٍ إنسانية من أمثال “كيمسه يوكمو” (هل من مغيث؟) لتقديم مساعدات إنسانية إلى المحتاجين في كل مناطق العالم، وعلى رأسهم المحتاجون في بلادنا.

الاختلافات ليست بالضرورة سببا للنزاعات، بل إذا قوبلت برحابة صدر فإنها تتحول إلى ثراء في المجتمع.

روح التسامح

وخلال عملي طوال حياتي مع زملائي في تفعيل هذه الأطر كنت أؤكد دائما على أهمية قيمة التسامح والحوار، وتقبُّلِ الآخرين في مواقعهم، وانطلقتُ في ذلك من قاعدةِ: “سامح الآخرين.. أو على الأقل تغاضَى عن هفواتهم.. وإن كان لا بد، فلا تُرَوِّجْها..”، وشجعت الناس على أن يفتحوا قلوبهم للجميع، ونبّهتُهم إلى الحاجة الماسّة إلى الحوار، وبذل الجهود في سبيل تحقيق ذلك في الداخل التركي للقضاء على ما تعانيه بلادنا من انقسامات إلى معسكرات، بين علويين وسنيين، وبين علمانيين ومُتدينين، وغيرها من أشكال الانقسامات.

بالطبع هذه المشاكل ليست قاصرة على بلادنا فحسب، إذ جلّ بلدان العالم تعاني من نفس الداء.. أي تأجيج الخلافات وإثارة التصادم بين الناس. الواقع أن الإنسان هو من يصنع هذه المشاكل، فحيثما وُجد الإنسان فإن المشاكل تتشابه.. والحلول أيضا لا تختلف.. فكل من كانوا يتجرعون مرارة هذا الداء عندما اطلعوا على هذه الرؤية التي لمسوا آثارها الإيجابية في تركيا، فهموا أن الاختلافات ليست بالضرورة سببا للنزاعات، بل إذا قوبلت برحابة صدر فإنها تتحول إلى ثراء في المجتمع.. مع العلم بأن هذا انعكاس لما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم، وطبَّقه بالأخص في وثيقة المدينة المنورة مع الذين كانوا يحملون أفكارا مختلفة..

حركة الخدمة ليست تنظيما بالمعنى الذي يقصدونه، بل هي مشروع تطوعي بالمنطق القرآني مرتبط بالمعقولية الإنسانية.

هجرة إنسانية

فالذين مارسوا هذه التجربة في تركيا، وعاشوا معها، وخبروا نتائجها الطيبة، توجهوا بمشاريع متواضعة تعبر عن هذه الروح إلى أغلب دول العالم. وبسبب سلوكهم الإنساني هذا لاقوا ترحيبا في كل بلد حلوا فيه. وإلى اليوم لا يزالون يواصلون أنشطتهم في المؤسسات التربوية التي تم إنشاؤها في تلك البلدان بنفس الترحاب على الرغم من السعي الحثيث للقيادة التركية الحالية من أجل إغلاق تلك المؤسسات حتى لو كانت مدرسة صغيرة في منطقة نائية. إنهم لا يدَّخرون جهدا في سبيل التخريب، بل يقدمون وعودا شتى مغرية للمسئولين في بعض البلدان للقضاء على هذه المؤسسات، ولكن العالَم لم يتخل عن رعايتها بعدما عاين بنفسه معقوليتها وأهميتها ونافعيتها.

روح التطوع

والحاصل أن “الخدمة” ليست تنظيما بالمعنى الذي يقصدونه، بل هي مشروع تطوعي بالمنطق القرآني مرتبط بالمعقولية الإنسانية. فالذين تعلقت قلوبهم بهذه الفكرة يقومون بتضحيات في خدمة الإنسانية، ليس لأنهم منتمون إلى هذه الفئة أو تلك، بل لأنهم يؤمنون بأن هذه الحركة تقوم بأعمال تتوافق مع المنطق القرآني وتتسم بالمعقولية. ومن ثم يسارعون لتلبية النداءاتِ التي وُجهت إليهم من أجل القضاء على الجهل والفقر والتفرقة.

المصدر: مواقف في زمن المحنة، فتح الله كولن، دار النيل للطباعة والنشر

Leave a Reply

Your email address will not be published.

FACEBOOK
TWITTER
YOUTUBE